شغف المعرفة

فلسفة العدالة والأخلاق من مختلف المدارسة الفلسفية والفكرية #8

أرسطو العدالة عن طريق الاستحقاق

هناك رؤية أخرى للعدالة تطرق لها الفيلسوف اليوناني الشهير أرسطو بحيث قام بربط العدالة بالاستحقاق الأخلاقي.

بالنسبة لأرسطو فإن العدالة هي إعطاء الناس ما يستحقونه إنها مسألة معرفة التناسب الصحيح بين الأشخاص وفضائلهم وأدوارهم الاجتماعية المناسبة.

يوضح هذا بقوله:

“تنطوي العدالة على عاملَين: الأشياء والأشخاص الذين يُمنحون تلك الأشياء. يمكننا القول بشكل عام أنه ينبغي منح الأشخاص المتساوين أشياء متساوية”.

لكن هم متساوون وفق ماذا؟ يقول أرسطو أن ذلك يعتمد على نوع الأشياء التي يجري توزيعها.

لنأخذ عزف الناي أو أي آلة موسيقية أخرى كمثال لمن سنعطي أحسن ناي، يرى أرسطو أنه يجب إعطائها لأحسن عازف ناي ويرى أن مفهوم العدالة ككل ينطوي على التمييز، ولكن ما يهم حقًا هو أن يتم التمييز وفقًا للتميز والتفوق ذي الصلة، وفقًا للمزية المناسبة لحيازة الناي ويرى أنه من غير العادل التمييز على أساس آخر عند توزيع آلات الناي (مثل بسبب أنه غني أو جميل أو قوي).

سبب إعطائها لأفضل العازفين لأن هذه هي الغاية التي وجدت آلات الناي من أجلها، أي للعزف عليها بشكل جيد، والهدف من وراء عزف الناي هو إنتاج موسيقى عالية الجودة. وقد يكون له جانب إيجابي كأن يستمتع الجميع بالاستماع للعزف (وهذا سبب مذهب نفعي الذي لا يذهب له أرسطو).

يرى أرسطو أيضًا أنه يجب أن نرى الغرض أو الغاية أو الهدف (Tellos) لهذا الشيء (عزف الناي كمثال) بالنسبة له فإن هذه هي الطريقة الصحيحة لتحديد التوزيع العادل والتمييز المنصف، وهذا يُسمى التعليل الاخلاقي الغائي (Teleological Reasoning). أي التعليل المستمر من الهدف أو الغاية من الأشياء.

مثال من يجب أن يلعب في ملاعب التنس في جامعة ما (يجب أن يحظى لاعب التنس بالأولوية للعب في أفضل ملاعب التنس) ولا يجب أن تكون لغني أو شخص ما مهم في إدارة الجامعة.

كان سبب تفكيره بهذه الطريقة هو الزمن الذي عاش فيه لأنه لم تكن الممارسات الاجتماعية وحدها محكومة بالمنطق الغائي بل بكل الطبيعة وما يجب البحث و معرفة الهدف أو الغرض من الطبيعة ولكن مع العلم الحديث اليوم أصبح من الصعب التفكير بالعدالة بشكل غائي.

قصة الدب والعسل والنحل وأن كيف سبب وجودها هو أن أكل النحل (التفكير الغائي). أي مغزى وجود الطبيعة.

في قضية الجامعة والتمييز الإيجابي يحيلنا إلى مغزى وسبب وجود وهدف الجامعة.

لا علاقة لعدالة التوزيع بالنسبة لأرسطو بتوزيع الدخل والثروة بل بتوزيع المناصب السياسية، إذًا كيف يجب توزيع السلطة السياسية، للإجابة عن هذا يجب أن نعرف غرض وهدف وغاية السياسة، وكيف نحدد من يجب أن يحكم غايتها؟ يجيب أرسطو بأنها ترتبط بتكوين الشخصية الجيدة ونبل فضائل المواطنين والحياة الصالحة.

ومن يجب أن يحكم هو الشخص الذي يساهم بأقصى درجة في اتحاد الدولة المدنية الذي يهدف إلى الخير، فهؤلاء بالنسبة له هم من يجب أن تكون لهم الحصة الكبرى في السلطة السياسية والألقاب في الدولة المدنية.

بالنسبة له فإن المشاركة في الحياة السياسية ضرورية لعيش حياة فاضلة، العيش في دولة مدنية والمشاركة في السياسة من سيجعلنا نحقق طبيعتنا ككائنات بشرية، فالبشر بحكم الطبيعة خلقوا ليعيشوا في دولة مدنية. لأننا في الحياة السياسية فقط يمكننا أن نمارس قدرتنا البشرية الخاصة باللغة (التي تعني تشاركنا مع رفاقنا المواطنين)، فهو يعتبر أن اللغة توفر القدرة على التفكير ومناقشة الصواب والخطأ والعدل والظلم. ويرى أن المجتمع المدني أو السياسي سابق للإنسان في الهدف ولا يمكن الإنسان أن يجد الاكتفاء الذاتي منعزلًا وحيدًا.

“الإنسان المنعزل والعاجز عن الاستفادة من مزايا الرابطة السياسية أو الذي لا يحتاج أبدًا للاستفادة من هذه المزايا لكونه في الأصل مكتفيًا ذاتيًا، شخص كهذا لا بد أن يكون إما وحشًا أو إلهًا”.

الطريقة الوحيدة لاكتساب الفضائل التي تشكل الحياة الفاضلة هي ممارسة هذه الفضائل حتى تنغرس فينا و تصبح جزءًا من عاداتنا ومن ثم ننخرط في ممارسة التشاور مع المواطنين حول طبيعة الخير والشر، هذه هي الغاية من السياسة، ولا يمكننا هذا من اكتسابه خارج المجتمع السياسي والأعظم شأنًا من ناحية الفضيلة المدنية هو من ينال بجدارة أعلى منصب و لقب.

في وقته كان أرسطو يرى أن العبودية ضرورية لكي يتاح للمواطنين حياة التشاور والنقاش والحكمة العملية، لأنه يجب أن يقوم شخص آخر الذي هو العبد بالقيام بالأعمال المنزلية في غيايه.

يرى أن العبيد يولدون عبيدًا ولهذا يجب على العبد أن يرى أن دوره هو أن يكون عبد ويعترف به وكان ضد قضية أن يؤسر أشخاص وتُفرض العبودية عليهم لأنهم بالنسبة له لا يتناسبون مع هذه المكانة أو لا يستطيعون القيام بهذا الدور. وحتى بالنسبة لعمل ما كمثال بواب أو عامل يتقن عمله وإذا أراد ان يتلقى ترقية أو يعمل شيء آخر فبالنسبة لأرسطو هذا غير مسموح وغير لائق.

نقد فكرة العدالة عند أرسطو هو أنها تعارض الحقوق الفردية والحريات لأنها تحدد للفرد مسبقًا دوره في المجتمع.

إذا أخذنا موقفنا كأفراد من الأدوار التي يقال أنها تلائم طبيعتنا ألا يجب على الأقل أن تعود لنا حرية القرار بشأن ماهية تلك الأدوار؟ ألا يجب أن تكون لنا الحرية في تحديد الأدوار الملائمة لنا؟

يقول أرسطو بأنه إذا أردنا صياغة دستور مثالي يجب أن نتصور أفضل نمط حياة وهنا يتعارض معه كانط بقوله إن الدساتير والحقوق والقوانين لا يجب أن تجسد أو تؤكد أو تروج لأي طريقة للحياة إذ يتعارض ذلك مع الحرية .

بينما يرى أرسطو أن الغاية من الدولة المدنية هي تشكيل الفرد وتنمية فضيلة المواطنين، يرى كانط أن الهدف من سن القوانين و الدساتير هو وضع إطار عادل للحقوق يتمتع المواطن من خلاله بالحرية في ممارسة مفاهيمهم الخاصة حول ما يعود له بالخير والمنفعة.

  • إعداد: محمد مطيع
  • تدقيق لغوي: رأفت فياض

مصادر ومراجع السلسلة:

تعليقات
جاري التحميل...