شغف المعرفة

فشل نظام العدالة الاجتماعية والسياسات الاشتراكية في كوبا

من الضروري السماح بالتفاوتات في الدخل؛ إذ إن هذه التفاوتات هي التي توازن الاقتصاد وتعطي المعلومات الواقعية لحالة السوق:

إذا كانت أرباح مهنة معينة عالية للغاية، يشير ذلك إلى وجود نقص في العمالة الماهرة لهذه المهنة. لذا؛ يرسل هذا المؤشر إشارة إلى جميع الأفراد في الاقتصاد مبينًا أن هذه المهنة الشديدة الربحية قليلة؛ مما يعني وجوب توجيه المزيد من العمالة إليها.

إذا حصل جرّاح عقلي على مقدار يماثل ما يكسب سائق سيارة أجرة من المال، فلن يوجد ما يكفي من الجراحين، وسيكون هناك فائض من سائقي سيارات الأجرة.

قد يكون البديلُ إنشاءَ لجنة مركزية مؤلفة من مخططين بيروقراطيين يمتلكون السلطة والقوة؛ بغية إجبار الأشخاص المناسبين على الوصول إلى الوظائف المناسبة. لكن سيكون مثل هذا الحل -إلى جانب المساواة الإجبارية- بالضرورة عنيفًا وذا نتائج مُضرة.

أنتج هذا الحل السحري في روسيا والصين مجازر ومجاعات أودت بحياة مئات الملايين من الناس.

لدينا مثال حي اليوم على هذه الظاهرة في دولة كوبا؛ فبعد صعودِ كاسترو إلى السلطة هناك ومنع المُلكية الخاصة والحرية الاقتصادية عبر الإكراه الحكومي، بحيث أصبح أغلب الأعمال مُلكًا للحكومة وهي التي تحدد رواتب كل الناس، وأسعار جميع المنتجات، واختفى القطاع الخاص في كوبا الاشتراكية بالكامل.

في كوبا اليوم، ستلحظ صعوبةً كبيرة في إيجاد الطعام؛ فالسندوشات في أغلب المحلات رديئةٌ للبيع، ثم إن هذه المحلات فارغة بشكل كبير من المنتجات؛ بسبب انتظار العاملين الدائم للحكومة حتى تسلّمهم السلع، ورواتبهم ثابتة يحصلون عليها من الحكومة سواء بِيْعَ الطعام أم لم يُبَعْ.

أظهر ذلك -بوضوح- أن هذا النموذج الاشتراكي لم يعمل بشكل جيد؛ فالناس يعانون نقصًا كبيرًا في التغذية ويجدون صعوبة في إيجاد طعام، وسنة تلو الأُخرى تصبح الحالة أسوأ.

بدأت الحكومة مؤخرًا تشعر بالكم الهائل من النقص والمشاكل التي أنتجها التدبير الحكومي لكل شيء، وبدأت تسمح بشكل طفيف بإعطاء رخص خاصة للمحلات الصغيرة، وهنا أصبح الفرق واضح بشكل كبير؛ فحين دخولك مطعمًا خاصًا تشعر بمدى جودة عمله مُقارنة مع المطاعم والمحلات الحكومية من ناحية توفير الوجبات الجيدة والخدمات الجيدة للزبائن.

تكمن القضية الأخرى والعجيبة في التجربة الكوبية -الرائدة الاشتراكية-  في أن الطبيب في كوبا يجني مبلغَ 40 دولارًا في الشهر ، في حين بجني سائق سيارات الأجرة في أسوأ الأيام 60 دولارًا في اليوم!

تخيل أن سائق سيارات الأجرة يجني في اليوم أكثر مما يجنيه طبيب في الشهر! لهذا السبب، فإن أغلب سائقي سيارات الأجرة في كوبا هم مهندسون أو أطباء أو أشخاص لديهم تكوين جيد. وسبب كون سائقي سيارات الأجرة يجنون أكثر من الأطباء والمهندسين في كوبا هو امتلاكهم تراخيص خاصة، فلا تحدد الحكومةُ الأجور، ويمكن لهم تحديد أسعارهم الخاصة لخدماتهم، ثم إن سبب قيام الكوبيين بذلك يعود إلى عدم قدرتهم على تحمل العيش بأجور منخفضة جدًا مقل التي تفرضها الحكومة.

في سنة 2017، أجرى باحثون من منظمة “نورك” بجامعة شيكاغو دراسةً استطلاعية لآراء الشعب الكوبي بمختلف المجالات، وقد كانت هذه الدراسة باسم: (A Rare Look Inside Cuban Society: A New Survey of Cuban Public Opinion).

خلُصت الدراسة إلى أن الكوبيين يريدون الرأسمالية عوض النظام الاشتراكي الحالي في كوبا الذي دمر حياتهم.

توصلت الدراسة والاستطلاع إلى النتائج الآتية:

  • يريد 65% من الكوبيين خوصصة القطاعات الحكومية والشركات، واقتصادًا لامركزيًا.
  • لدى 68% من الكوبيين نظرة إيجابية حول المنافسة ويعتبرون أن المنافسة تشجع الابتكار وتحفز الناس للعمل بجد.
  • يمتلك 56% من الكوبيين حس المبادرة وعقلية الأعمال الحرة، ولدى كل هؤلاء الأشخاص رغبةً في إنشاء أعمال في السنوات الخمس اللاحقة إذا قورنت هذه النسبة مع أمريكا فنجد أن 57% من الناس في أمريكا لديهم عقلية الأعمال الحرة هذه الأيام.
  • يرى 13% فقط من الكوبيين أن الاقتصاد الكوبي يعمل بشكل جيد.
  • يَعي 38% من الكوبيين أن الفساد مشكلة كبيرة في كوبا.
  • يتخوّف 51% من الكوبيين من انتشار الجريمة في البلاد.
  • يشتكي 41% من الكوبيين من عدم تمكنهم من استخدام الإنترنت.
  • يقول 76%  إنهم يجب أن يكونوا حذرين بخصوص ما يعبرون عنه، وإنه لا يمكنهم التعبير بحرية عن آرائهم، ومن ينتقد النظام والحاكم يُزَج به في السجن؛ مثلما حدث مع رئيس حزب معارض في كوبا عندما انتقد الحكومة في الراديو وزُجَّ به في السجن لمدة 3 سنوات نتيجة لذلك.
  • أكثر من نصف الشعب يرغب في الهجرة والخروج من البلاد، ويرغب كل 7 من أصل 10 أفراد في الهجرة إلى أمريكا بالضبط؛ بسبب توفر الفرص هناك لمن يمتلك حس المبادرة والعمل.

حتى إن السيجار ؛ العلامة التي تشتهر بها كوبا، تراجعت جودته بشكل كبير بسبب قلة المنافسة وسوء التدبير الحكومي؛ ففي تصنيف جودة السيجار عالميًا لسنة 2016 ميلادية، نجد أنه أصبح هناك فقط 3 ماركات سيجار في تصنيف أفضل 25 ماركة مقارنة مع نيكاراغوا التي لديها 16 ماركة في الترتيب.

إن مصادرة ثروة الأثرياء وإعادة توزيعها على الفقراء لن يحسن معيشة الفقراء بشكل دائم. على الأكثر  ستزيد من مستوى معيشتك مؤقتًا ولفترة قصيرة. وحالما تُستهلَك هذه الثروة الموزعة، سيعود الفقراء إلى حالتهم الأولى. وبالتالي، سيتعين القيام بمزيد من جولات المصادرة وإعادة التوزيع. ولكن من ستُصادر ثروته في الجولة القادمة؟

ليس من المستغرب أن يكون الأغنياءُ الذين تمت مصادرتهم خاملين، في انتظار جولات جديدة من نزع الملكية. في مجتمع حر، يمكنهم الانتقال إلى هونغ كونغ أو سنغافورة أو سويسرا أو أيرلندا أو جزر كايمان.

لذا؛ تعمل إعادة التوزيع فقط في الجولة الأولى، ولبعض الوقت، إن صودِرَ كل قرش من أغنى 20٪ من الإفراد، وأُعيدَ توزيعه على 80٪ من الأفراد المتبقين، فإن الفقراء للغاية سيكونون أكثر ثراءً بنسبة 25٪ فقط.

وبالتالي، فإن إعادة توزيع الدخل للمساواة الاقتصادية هي خيال مُراهق لا ينجو من أبسط اختبار للمنطق الحسابي.

أوضح الاقتصادي لدوفيغ فون ميزس ذاك بقوله:

“لا يدرك مُعظم الناس، الذين يطالبون بأعلى مستوى ممكن من المساواة في الدخل، أن الهدف الذي يريدونه لا يمكن تحقيقه إلا بالتضحية بالأهداف الأخرى.

فهم يتصورون أن مجموع كل المدخولات سيظل دون تغيير وأن كل ما عليهم فعله هو توزيع الدخل بالتساوي أكثر من توزيع النظام الاجتماعي القائم على الملكية الخاصة.

سوف يتخلى الأثرياء عن كل الدخل المُكتسب الذي يفوق متوسط ​​دخل المجتمع، وسيحصل الفقراء على القدر الذي يحتاجون إليه لتعويض الفارق ورفع دخلهم إلى متوسط. لكنّ متوسط ​​الدخل كما يتصورون سيبقى دون تغيير.

يجب أن يكون مفهومًا بوضوح أن هذه الفكرة مبنية على خطأ جسيم … لا يُهم كيف يُخمَّن تساوي الدخل: سيؤدي هذا الإجراء دومًا -وبالضرورة- إلى تخفيض كبير جدًا في إجمالي الدخل القومي، وبالتالي، متوسط ​​الدخل.

عندما يُفهم ذلك، يأخذ السؤالُ تعقيداتٍ مختلفةً تمامًا: علينا الآن أن نقرر ما إذا كنا نؤيد التوزيع العادل للدخل إلى متوسط ​​دخل أقل، أو ما إذا كنا نفضل عدم المساواة في الدخل إلى متوسط ​​دخل أعلى.

سيعتمد القرار بشكل أساسي بطبيعة الحال، على مدى ارتفاع معدل التخفيض المقدر في متوسط ​​الدخل الناتج عن التغير في التوزيع الاجتماعي للدخل. إذا استنتجنا أن متوسط ​​الدخل سيكون أقل من الدخل الذي يتلقاه الفقراء الآن، فإن موقفنا سيكون على الأرجح متميزًا تمامًا عن موقف معظم الاشتراكيين العاطفيين.

إذا قبلنا ما أُوضِح بالفعل عن كيفية مَيل الإنتاجية المنخفضة إلى أن تكون في ظل الاشتراكية وخاصة الإدعاء بأن الحساب الاقتصادي في ظل الاشتراكية مستحيل، فإن هذه الحجة من الاشتراكية الأخلاقية تنهار أيضًا”.

إن ما يحل مشكلة الفقر في نهاية المطاف هو النمو الاقتصادي الناتج عن المعاملات الاقتصادية الطوعية وليس توزيع الثروة عن طريق الحكومة. في كوريا الجنوبية، أدى النمو الاقتصادي إلى زيادة دخل أشد الناس فقرًا بمقدار 30 ضعفًا من الدخل الذي كسبوه في عام 1953 ميلادية.

من الأفضل أن نركز بشكل مباشر على تلك المساواة التي نرغب بها بالفعل والتي يمكن أن نحققها؛ وهي المساواة في الكرامة والمساواة أمام القانون. المساواة الليبرالية على النقيض من المساواة الاشتراكية، التي تدعو لمصادرة الثروة وإعادة التوزيع القسري، هي الوحيدة التي ستقضي على أسوأ جوانب الفقر. وقد تم هذا بشكل مذهل في كل من: بريطانيا وهونغ كونغ وسنغافورة وكوريا الجنوبية وأغلب الدول الغنية اليوم.

تعليقات
جاري التحميل...