شغف المعرفة

عندما يصبح الأغنياء أغنى يصبح الفقراء أغنياء أيضًا: مثال حي من الصين بين اللامساواة والفقر

“لا أعتقد أن الرأسمالية هي التي تزيد من عدم المساواة؛ لأنها تساعد الناس على تحقيق المزيد من الرخاء، وهذا يعني حتمًا أن الجميع لن يزيدوا بالقدر نفسه، لكن في نهاية المطاف، سيحقق الجميع المزيد من الرخاء. لقد شهدنا حدوث هذا، على مدار العشرين عامًا الماضية تحديدًا؛ إذ شاهدنا مئات الملايين من البشر وهم يخرجون من هوة الفقر في الصين والهند مع اعتناقهم للرأسمالية بشكل أكبر.

والحقيقة هي أن هناك بعض الناس يهربون من براثن الفقر ويحققون الرخاء أسرع من غيرهم، لكن لا يعني ذلك أن الرأسمالية تسبب الفقر، بل هي تقضي عليه. وهي لا تسبب عدم المساواة على النحو الذي يدور في خلد أغلب البشر. فعلى مر التاريخ، لطالما وجدت عدم المساواة في أي نوع من التنظيمات الاجتماعية. حتى الشيوعية، المعنية بإنتاج مجتمع تتساوى فيه ملكية الثروة، كانت طبقية بشكل كبير وتمتعت فيها طبقات النخبة بمزايا خاصة. لهذا لا أرى أنه يجب اعتبار الرأسمالية مسؤولة عن عدم المساواة. تمكن الرأسمالية البشر من الهروب من الفقر وتحقيق الرخاء والثروة، وهذا أمر طيب. هذه هي القضية التي يجب أن نركز عليها.”
– توم بالمر – أخلاق الرأسمالية

في خلال الثورة الثقافية في الصين بزعامة ماوتسي تونغ، كان هناك شعار شعبي يقول: “كافح ضد الأنانية، انتقد التعديلية“، كان هذا الشعار وسيلة خصبة للانتهازيين للعب بعقول الناس وقتل صاحبي الأملاك والأثرياء وأبناء أصحاب الأملاك بدعوة الثراء وكان أيضًا وسيلة لنهب الآخرين والإغارة على منازلهم ووضع ممتلكاتهم وسيلةً للاستغلال من طرف الطبقة الحاكمة.

كان هؤلاء الانتهازيون يضعون الآخرين في السجون كي يؤمنوا لأنفسهم منصبًا حكومياً رسميًا.  قد أثبت لنا تاريخ الثورة الثقافية في الصين أيضًا مدى تناقض مبدأ “خدمة الآخرين قبل خدمة الذات” حين يجري تطبيقه عمليًا.

لن أعرض في هذه الفقرة تاريخ الشيوعية في الصين والسياسات والجرائم والمجاعات التي تسببت بموت ملايين البشر في الصين والتي جرت تحت حكم ماوتسي تونغ الشيوعي، سأخصص لهذا الموضوع بحثًا خاصًا عن تاريخ الصين بين الشيوعية والرأسمالية.

أما الآن فسيكون بحثي مركزًا على قضية اللامساواة والفقر بمثال حالي وتطبيقي في الصين. دعونا ننظر إلى مثال واقعي يوضح سبب الخطأ في التركيز على عدم المساواة:

أجرى خمسة من الباحثين الصينيين دراسة عن اللامساواة في الدخل بمرور الوقت في بلدهم. وقد ركزت أبحاثهم، التي نُشرت في عام 2010 م، على التحديات المنهجية للحصول على بيانات جيدة على المدى الطويل وفهم تأثير سكان المدينة والريف. أحد الاستنتاجات الواضحة التي توصلوا لها هو أن عدم المساواة قد ازداد في الصين.

تبحث هذه الورقة البحثية عن طريقة جديدة لتقدير نسبة مقياس المعامل الجيني الصينية من 1978م إلى 2006م، والتي تتجنب أوجه القصور في مصادر البيانات الحالية. وتماشيًا مع النتائج؛ يدقق المؤلفان في اتجاه تباين الدخل الصيني. … عدم المساواة في الدخل آخذ في الارتفاع في الصين. … نسبة المعامل الجيني الوطنية لعام 2006م هي 1.52 أكثر من عام 1978م.

فيما يلي، أعرض مخططًا يستند إلى بياناتهم (مقترنًا ببيانات ما بعد عام 2006م من موقع Statista) ينظر إلى الاتجاهات التاريخية لمعامل جيني (1 تساوي عدم المساواة المطلقة وأن شخص واحد يمتلك جميع دخل المجتمع، في حين أن قيمة 0 هي المساواة المطلقة وان كل فرد له نفس مستوى الدخل).

كما تلاحظ، كانت هناك زيادة كبيرة في عدم المساواة.

سيرى دعاة المساواة واليساريين أن هذه نتيجة رهيبة؛ لأنهم يظنون بشكل خاطئ أن الاقتصاد هو فطيرة ثابتة يجب تقسيمها.

وعندما يكون لديك هذا الرأي المشوه، فإن المداخيل المطلقة للأغنياء تعني بالضرورة انخفاض الدخل المطلق للفقراء.

ما لا يعلمونه هو أن الهدف يجب أن يكون النمو الاقتصادي والحد من الفقر. لا أهتم إذا كان بيل غيتس يزداد ثراء بمعدل أسرع من شخص فقير. أنا فقط أريد مجتمعًا يكون للجميع فيه الفرصةَ لتسلق السلم الاقتصادي.

وأشير أيضًا إلى أنه من الصعب تصميم سياسات مؤيدة للنمو لن تحقق المزيد من الدخل للأثرياء. نعم؛ هناك بعض الإصلاحات مثل: تحرير الترخيص وخفض الإعانات الزراعية والحد من الحمائية وإصلاح الضمان الاجتماعي وإنهاء عمليات الإنقاذ، التي من المحتمل أن تكون مفيدة بشكل غير متناسب لأولئك ذوي الدخل المنخفض، ولكن هذه السياسات ستؤدي أيضًا إلى نمو التي من شأنها مساعدة الأشخاص ذوي الدخل المرتفع والمنخفض سواء.

الهدف الرئيسي من هذا الموضوع هو النظر في بيانات عدم المساواة، ثم إضافة البيانات التالية بشأن الحد من الفقر ليصبح الأمر أكثر ووضحًا بالنسبة لهم.

في ما يلي مخطط يوضح كيف أن هناك انخفاض كبير في عدد الأشخاص الذين يعانون من الفقر الشديد في المناطق الريفية في الصين (إذ كانت المدخولات في الماضي هي الأدنى).

خذ بعين الاعتبار الآن  المخططين معًا، والخلاصة التي سيخرج بها أي شخص برؤية عميقة هي أن التحرير الاقتصادي أسفر عن نمو سريع. ولأن بعض الناس أصبحوا أكثر ثراء بمعدل أسرع من الآخرين، فقد أدى ذلك إلى زيادة عدم المساواة وفي نفس المدة خفض الفقر بشكل كبير..

سوف ينظر اليساري حسن النية إلى كل هذه البيانات ويقول: “أتمنى لو أن الجميع أصبحوا أكثر ثراء بنفس المعدل، لكنّ الإصلاحات المستندة إلى السوق في الصين رائعة لأن الكثير من الناس هربوا من الفقر”.

إما اليساري الحاقد فسينظر إلى كل هذه البيانات ويقول: “بما أن الأشخاص ذوي الدخل المرتفع استفادوا أكثر من الأشخاص ذوي الدخل المنخفض، فإن الإصلاحات القائمة على السوق في الصين كانت فاشلة ويجب عكسها”.

بشكل أكثر تحديدًا، لاحظ كيف كان هناك الكثير من عدم المساواة في الرسم البياني لعام 1975م، خاصة بالمقارنة مع الرسم البياني لعام 1800م.

سيفترض اليساريون، مع ظنّهم الخاطئ أن الاقتصاد هو فطيرة ثابتة، غريزيًا أن أوروبا والأمريكتين بطريقة ما أصبحت غنية نسبيًا؛ لأن آسيا وإفريقيا بقيتا ضعيفتان نسبيًا.

وهذا استنتاج خاطئ كليا، كما وضحت، في العديد من المناسبات؛ لأنه في الواقع تظهر الحقيقة لنا أن اقتصادات العالم الغربي توسعت وتقدمت؛ لأنها وجدت وصفة للنمو والازدهار. وهذه الوصفات وأضحناها وشرحناها في عدة مقالات سابقة وسأخلصها الآن في الشكل الآتي:

هناك خمسة وصفات رئيسة للسياسات الاقتصادية المنتجة للتقدم والنمو، كل منها يحمل 20 في المائة من درجة الكفاءة:

  • أولًا: حجم الحكومة.
  • ثانيًا: التنظيم.
  • ثالثًا: السياسة النقدية.
  • رابعًا: التجارة الحرة.
  • خامسًا: سيادة القانون/حقوق الملكية الخاصة.

  • إعداد: محمد مطيع
  • تدقيق لغوي: نور عبدو

مراجع:

  1. mises
  2. mises
  3. fee
  4. The morality of Capitalism – Tom G. Palmer

تعليقات
جاري التحميل...