شغف المعرفة

الهلع الزائد تجاه ظاهرة اللّامساواة

أصبحت عبارةُ “نحن تسعٌ وتسعون بالمائة” شعارًا موحدًا بالنسبة لأغلب الحركات اليسارية والمناهضة للرأسمالية؛ إذ أصبحت عبارةً لابد من طرحها في إشارةٍ إلى اللّامساواة العالمية وصرنا نسمعها بشكل دائم من قبل أي مناهض للنظام الرأسمالي والسوق الحر.

في عام 2015م، وصف الرئيس الأمريكي باراك أوباما عدم المساواة في الدخل بأنه: “التحدي المحدد في عصرنا”.

وذات الأمر تكلم عنه البابا فرانسيس ودعوته إلى إعادة التوزيع المشروع للفوائد الاقتصادية من قبل الدولة، بينما حاول الاقتصادي اليساري توماس بيكيتي تزويد هذا الادعاء للمزيد من المساواة في الدخل من خلال كتاب طرحه باسم “الرأسمال في القرن 21” الذي لقي النقد من العديد من المختصين الاقتصاديين؛ بسبب سطحية عمل بيكيتي والمغالطات التي طرحها في كتابه من أجل دعم فكرة فرض المساواة في الدخل وشَيطنة الأغنياء.

تدور مجموعة أخرى من الحجج، التي يقدمها من يشعرون بالقلق حيال عدم المساواة في الدخل، حول مجموعة متنوعة من النظريات النفسية، التي تدّعي أن سعادة الشخص تعتمد على وضعه النسبي تجاه أفراد المجتمع الآخرين. يتضمن هذا النقد لعدم المساواة في الدخل المخاوفَ بشأن المقارنات الاجتماعية والمجموعات المرجعية والحرمان النسبي.

مرة أخرى، فإن الأدلة التي تدعم حجج النقاد هذه نادرة ومعدومة. ثم؛ هناك ما يسمى (نظرية مستوى الروح- Spirit level theory).

تنص هذه النظرية على أن معظم المشاكل الاجتماعية، بما في ذلك جرائم القتل وتعاطي المخدرات والانتحار، هي نتيجة ثانوية للاستياء الناجم عن عدم المساواة في الدخل. مرة أخرى لا يحمل هذا الادعاء الكثير من الأدلة ويُعَد كلامًا انشائيًا فقط في مناهضة الرأسمالية بسبب أولاً؛ عدم وجود أي سبب للاعتقاد بوجوب وجود شخص ثري يسبب ضائقة نفسية أكبر لفرد فقير من المنافسة مع غيره من الأفراد الفقراء.

وثانيًا؛ فإن الدراسات الأصلية، التي أثبتت ظاهريًا صحة نظرية مستوى الروح، قد حلت محلها دراسات جديدة وأكثر شمولاً والتي كشفت أنه لا يوجد في الواقع أي علاقة سببية بين عدم المساواة في الدخل وعدم الرضا أو التعاسة. يمكن أن نطلق على هذا الادعاء والحجة التي لا علاقة سببية لها تسمية (الظاهرة بالعلاقة الساذجة- Naive correlation) التي يقوم بها بعض الباحثين لتفسير ظاهرة ما دون الأخذ بعين الاعتبار عدة عوامل أخرى لتفسير الظاهرة.

وثالثًا؛ يُنظر إلى تزايد عدم المساواة في الدخل على أنه دليل على التسلسل الهرمي الاجتماعي في البلدان النامية؛ مما يزيد من السعادة. وأخيرًا يتناول بينكر الارتباك الواسع لانتشار عدم المساواة في الدخل مع عدم الإنصاف. على النقيض مما أسماه بعض الباحثين “النفور من عدم المساواة“، وجدت دراسات جديدة أنه لا يوجد تفضيل فطري بين البشر لتوزيعات متساوية.

عدم منطقية إعادة توزيع الثروة رياضيًا وحسابيًا

بالنسبة لمناهضي الرأسمالية، فإن الهدف لمحاربة اللامساواة هو الحد من النمو الاقتصادي وإعادة توزيع الثروة الموجودة بالفعل؛ فنحن لا نحتاج إلى المزيد من الثروة، بل نحتاج فقط إلى التوزيع بشكل أفضل، والمشكلة هي أن مجرد إعادة توزيع الدخل ليس له تأثير دائم على الفقر في العالم.

اليوم؛ يبلغ نصيب الفرد من الدخل العالمي نحو 15600 دولار وهذا يعني أنه إذا كان هناك توزيع مباشر للدخل، سيمكن فقط أن يحصل كل مواطن على 15600 دولار.

للوهلة الأولى، لا يبدو هذا الرقم صغيرًا. سوف تستمتع عائلة مكونة من شخصين بالغين وقاصر بمبلغ 46800 دولار، على ما يبدو أكثر مما ستستمتع به العائلات في دولة مثل إسبانيا على سبيل المثال. لكنّ خطأ هذا المنطق والحساب لا يفهم المفاهيم التي تدمج حقًا تعريف دخل الفرد.

أولاً؛ يمثل مبلغ نحو 15600 دولار متوسط ​​دخل الفرد الحالي في بلدان مثل: الجزائر وبيلاروس وبوتسوانا والبرازيل والصين وكوستاريكا والجمهورية الدومينيكية والعراق ولبنان والجبل الأسود وصربيا وتايلند. وهذا يعني، إذا قمنا بإعادة توزيع الدخل العالمي بشكل مثالي، فإن مستوى المعيشة الأوروبي أو الأمريكي سوف ينخفض ​​إلى مستوى تلك البلدان هذا احتمال غير محتمل، حتى لو كان تحليل المواطن السطحي لمبلغ 15600 دولار لكل مواطن يبدو كثيرًا.

ثانيًا؛ لا يمكن استهلاك كل الدخل الفردي القابل للتصرف به بل يجب إعادة استثمار جزء منه لضمان الدخل المستقبلي، إذا استهلكنا كل الدخل الناتج عن المحصول، فلن يكون من الممكن الاستثمار في توليد محصول جديد فى المستقبل.

ونتيجةً لذلك، إذا كان الشخص يحصل على مبلغ 15600 دولار اليوم وينفق على السلع الاستهلاكية من أجل زيادة رفاهيته، فسوف يتكول بسرعة إلى الفقر مرة أخرى. سوف تنعم ببعض الرفاهية المؤقتة، ولكن لن يكون لك أي دخل مستقبلي.

في المجتمعات الرأسمالية، يتسبب جزء من الدخل المعاد استثماره في أن يضمن الرأسماليون مدخولاتهم المستقبلية. ومع ذلك، إذا أُعيد توزيع هذا الدخل على الجميع، فسوف يتعين علينا جميعًا استثمار جزء من دخلنا للحفاظ على نفس القدرة الإنتاجية للمجتمع. كم يجب أن نستثمر؟ الإجماع على نسبة تصل نحو 20 ٪ من الناتج المحلي الإجمالي. وبالتالي، من دخل الفرد البالغ 15600 يورو، يمكن استهلاك 12.480 يورو فقط.

ثالثًا؛ وهذه هي النقطة الحاسمة: بمجرد استهلاك هذا الدخل الموزَّع، لن يكون هناك المزيد من عمليات إعادة التوزيع. بعد كل شيء، من أين سيأتي توزيع الدخل الجديد؟ تجدر الإشارة إلى أن بعد تطبيق هذه السياسة لن يصبح هناك وجود لأغنياء وفقراء، بل سيكون الجميع في نفس الوضع. وبالتالي لن يكون هناك المزيد لتوزيعه.

لذا؛ فإن إعادة توزيع الدخل أمر لا يمكن إنجازه إلا مرة واحدة. وبعد إعادة التوزيع، سيكون المستفيدون أفضل حالاً فقط خلال فترة هذا التوزيع الأول، وبمجرد أن تُستهلَك، سوف يعود هؤلاء الناس إلى حالة الفقر السابقة. والأسوأ من ذلك أنه سيسبب فقر أصحاب المشاريع؛ سيكون من الأصعب على هؤلاء الناس والناس الآخرين تحسين حياتهم بالعمل أو الابتكار أو ممارسة أعمالهم وتسيير شركاتهم.

رابعًا؛ وباستكمال البند الثالث، في اقتصاد السوق، لا تكون ثروة الأثرياء في شكل أموال مخزنة في الدرج. ثم إنها ليست في أكوام من السلع الاستهلاكية داخل قصورهم. فثورة الأغنياء تكون غالبًا في شكل وسائل إنتاج مثل: المنشآت الصناعية والآلات والأدوات والمباني والمخزونات وأدوات الإنتاج والمعدات المكتبية لمصنع أو شركة.

إن وسائل الإنتاج هذه، بالإضافة إلى جعل العمل البشري أكثر كفاءة وإنتاجية، فهي تنتج السلع والخدمات التي يستهلكها كل الناس. علاوة على ذلك، تتطلب وسائل الإنتاج هذه استخدامَ اليد العاملة وتباع هذه اليد من قبل الجماهير مقابل الأجور.

وكلما ازدادت ثروات رواد الأعمال والرأسماليين، ازداد إنتاج السلع والخدمات وتوريدها. وبالتالي، يزداد الطلب على العمالة. من ثم، يساهم ذلك في ارتفاع مستوى المعيشة للجميع.

إذا جُرِّد الأغنياء من هذه الممتلكات، فإن رفاهيتنا بكاملها وكل قدرتنا على كسب الدخل من خلال العمل المأجور سوف تتعرض لخطر شديد.

بمُختصَر القول؛ إن الفقر في العالم يحل مع إعادة توزيع الدخل وبدون النمو الاقتصادي كذبة. الشيء الوحيد الذي سيكون لدينا هو إعادة توزيع البؤس والفقر والجوع.

ومرة أخرى؛ عدم المساواة لا يماثل الفقر؛ فلا تؤدي مكافحة عدم المساواة إلى القضاء على الفقر، ولا يعني الحد من الفقر إنهاءَ عدم المساواة. من الضروري الفصل بين هذين المفهومين حتى لا يُخدَع الناس من قبل المدافعين عن المساواة، الذين لا يريدون سوى إعادة توزيع الفقر.

  • إعداد: محمد مطيع
  • تدقيق لغوي: نور عبدو

مراجع: bigthinkfee

تعليقات
جاري التحميل...