شغف المعرفة

إعادة توزيع الثروة = توزيع الفقر والبؤس

“الأغنياء يزدادون غنىً، والفقراء يزدادون فقراً”.

هذه واحدة من العبارات المُلخِّصة للرؤية الاشتراكية لنظام السوق والرأسمالية؛ مما يعني الحتمية الملحوظة لما يسميه ماركس قانون زيادة الفقر، إنها أيضًا فقط أسطورة تُرَدَّد وغير مدعومة بالأدلة التجريبية.

بالنسبة لليساريين ومناهضي الرأسمالية، فإن الطريقة الأمثل والوحيدة لمُعالجة مشكلة الفقر ستكون من خلال إعادة توزيع الثروة عبر فرض الضرائب على الأغنياء لمساعدة الفقراء عن طريقة الاستعانة بالدولة للقيام بهذه المهمة.

هنا سأشرح كيف أن هذه الفكرة خاطئة تمامًا ولم تكن صالحة للعمل بها أبدًا، وأي دولة اتبعت مثل هذه السياسة ينتهي بها المطاف بالإفلاس والتدهور الاقتصادي؛ الأمر الذي يزيد من تدهور حالة الفقراء وإبقائهم في فقر مُدقع.

لماذا يُعد من المستحيل إنهاء الفقر عن طريق إعادة توزيع الدخل؟

من الضروري عدم الخلط بين عدم المساواة في الدخل والفقر، كما يفعل العديد من الأشخاص والحركات.

اليوم؛ نعيش في عصر حيث تتزايد وتتحسن مستويات المعيشة وإن كانت غير متكافئة في معظم أنحاء العالم. وقد استفادت البلدان النامية على وجه الخصوص بشكل رائع من تراجع الحواجز التي تعترض التجارة وحركة رأس المال. هذا هو السبب في أن التفاوت بين البلدان يتقلص في الواقع، أما فيما يتعلق بعدم المساواة داخل البلدان فإن ثراء القمة لم يتسبب في إفقار جماعي.

لا يُعد اقتصاد السوق مجموعاً صفرياً Zero sum game؛ أي إنه إذا وجد رابح، فسنجد في الجهة الأخرى خاسر أو بمعنى آخر؛ إذا وجد غني فنتيجته فقرُ شخص آخر؛ أي إنه يجب أن يأتي مكسب شخص ما على حساب شخص آخر… أن هذا خاطئ كليًا، كما شرحنا سابقًا وسنشرحه أكثر فيما يلي.

في المائتي سنة الماضية، استطاع اقتصاد السوق الرأسمالي زيادة دخل جميع الناس، وفقًا للإحصاءات التي ستجدون مصدرها في نهاية المقال، فقد انتقلنا من دخل فردي في جميع الأنحاء يساوي 1130 دولار سنويا في عام 1820م إلى 15600 في عام 2015م، وزاد عدد سكان العالم من مليار إلى 7 مليار شخص.

بالإضافة إلى ذلك، في عام 1820م، كان نحو 95 ٪ من سكان العالم يعيشون في فقر مع ما يقدر بـ 85 ٪ من الناس كانت تعيش في فقر شديد أما  في عام 2015 م، فهناك أقل من 10٪ من البشر فقط من يعيشون في مثل هذه الظروف.

وبعبارة أخرى؛ لم يزد عدد الأشخاص في العالم بمقدار 7 مرات فحسب؛ بل زاد أيضًا دخل الفرد بمقدار 11 مرة. وهذا يمكن أن نعده إنجازًا استثنائيًا ويظهر كيف ساهمت الرأسمالية في تحسين معيشة الناس وتسهيلها، على عكس ما يردده المناهضون لها.

تُظهر هذه الحقيقة في حد ذاتها مدى الخطأ الذي يكررونه أولئك الذين يقولون إن كل ثروة العالم موجودة بالفعل ويجب أن “تُوزَّع بشكل عادل”.

 إذا كانت كل ثروة العالم قد أُعطيَت بالفعل ولن يُعاد توزيعها، سيكون من المستحيل لدخل الفرد وعدد سكان العالم أن يرتفعا في وقت واحد؛ ما سيحدث هو أن بعض الناس سيزيد دخلهم على حساب الآخرين، وسيبقى دخل الفرد ثابتًا بل وإنه حتى سينخفض بسبب زيادة عدد الأفراد.

لقد نجحنا في مضاعفة الدخل لمجموعة سكان الأرض في 11 رغم ارتفاع عدد السكان المهول في نفس الفترة، وهذا يظهر لنا بشكل  واضح أن اقتصاد السوق الحر ليس لعبة محصلتها صفر؛ أي أن تواجد الغني ينتج الفقر وتُظهِر لنا هذه الأرقام أيضًا أن عدم المساواة ليست هي الفقر.

من الممكن أن نجد مجتمعًا مساواتيًا لأقصى الحدود، وفي نفس الوقت فقيرًا جدًا، ويمكن أن نجد أن هناك مجتمعات تسجل معدلًا عاليًا في عدم المساواة وغنية في نفس الوقت.

مثالًا على ذلك، إن دولًا من مثل: ألبانيا وبيلاروس والعراق وكازاخستان وكوسوفو ومولدوفا وطاجيكستان وأوكرانيا، تُعد مجتمعات لديها توزيع أكثر عدالة للدخل من إسبانيا، لكنها تبقى أكثر فقرًا منها. من ناحية أخرى تعد سنغافورة دولة غير متساوية أكثر بكثير من إسبانيا ولكن لديها دخل أعلى بكثير للفرد منها.

يُعد المعامل الجيني (Gini coefficient) المقياسَ الذي يعطي قياسًا رقميًا لعدالة التوزيع وقياس عدم المساواة في المجتمع؛ ينحصر هذا المعامل بين 0 و1، بحيث إنه في معدل 0 يعد أن بالمجتمع توزيعَ دخل متساوٍ لجميع الأفراد، أما في معدل 1 يعد أن حالة توزيع الدخل غير متساوية تمامًا.

إذا أخذنا إحصائيات سنة 2015م، سنجد أن دولًا مثل: باكستان التي تسجل (30)، وأفغانستان التي تسجل (27.8)، فإن هذه الدول تعد أكثر مساواة من معظم الدول المتقدمة مثل: أستراليا (35.2)، وكوريا الجنوبية (31.6)، ولوكسمبرغ (30.8)، وكندا (32.6).

ودولًا مثل: طاجكستان (30.8) والعراق (30.9) وبنغلاديش (32.1)، تعد أكثر مساواة من دول مثل: بلجيكا (33) وسويسرا (33.7) وبولندا (34.2) وبريطانيا (36) وأمريكا (40.8) وسنغافورة (42.5) وهونغ كونغ (43.4).

من خلال هذه الأرقام نخلُص إلى أن الأفكار اليسارية التي تدعي أن الحل للفقر هو المساواة، لا مجال لها من الصحة والدليل التجريبي والواقع يظهر لنا هذا.

لذلك ينبغي أن يكون الهدف الأساسي لأي شخص معني برفاهية الآخرين هو زيادة الدخل الإجمالي لكل فرد الذي يحدث بسبب الرأسمالية والسوق الحر وليس الحد من فروق الدخل بين كل فرد.

يعد ارتفاع دخل الفرد مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا برفاهيته؛ فكلما ارتفع الدخل، كان طعامه أفضل، وزادت قدرته على الوصول للسلع وخدمات لم يكن على تمكن منها من قبل، سيسهل عليه أيضًا الحصول على رعاية صحية جيدة وتعليم جيد له ولعائلته؛ فظهر لنا الإحصاءات بشكل واضح كيف أن رفاه الناس له علاقة بارتفاع دخل الفرد وليس بدرجة عدم المساواة في المجتمع الذي يعيشون فيه، وعلاوة على ذلك لا يوجد أي دليل على أن عدم المساواة يضعف النمو الاقتصادي.

لذا؛ فلا معنى من القلق حيال عدم المساواة في العالم فكما رأينا أنه واضح جدًا أن المجتمع ذا المدخولات المرتفعة وغير المتكافئة إلى حد كبير هو أفضل من مجتمع ذا دخل صغير ولكن متساو فهذا يمكن أن يعطينا درسًا لمعرفة أن أي سياسة اقتصادية يجب أن تهدف إلى النمو الاقتصادي بدلاً من إعادة توزيع الدخل.

مغالطة الإرث والثراء

نجد بعض المغالطات الرائجة حول أن أغلب الأثرياء وصلوا إلى ما وصلوا إليه عن طريق الإرث -منهم توماس بيكتي صاحب “رأسمال القرن 21”- وليس عن طريق الموهبة والمثابرة والمنافسة، وهنا أحب ان أشير إلى دراسة قامت بها جريدة The Sunday Times عن 1000 أغنى شخص في بريطانيا.

حصل ما يقارب 1000 شخص من “قائمة الأثرياء” على ثروتهم عن طريق العمل الشاق الخاص بهم وليس بسبب الحظ أو الميراث.

دليل مثير للاهتمام على أن تحليل توماس بيكيتي على الاقتصاد الحديث يعد خاطئًا وهذا تظهره قائمة الأغنياء السنوية في صحيفة The Sunday Times.

والتي نشرت أن نحو 94% من الأشخاص الألف الأكثر ثراء لم يحققوا هذا من خلال الثراء بالطريقة القديمة؛ أي بالزواج أو الوراثة، ولكن حققوا هذا من خلال صنعها بأنفسهم وبجهد عملهم وابتكاراتهم.

تتطابق نتائج صحيفة “The Sunday Times” مع تلك الواردة من مصادر أخرى، بما في ذلك بلومبرج وفوربس.

تدحض هذه الحقائق الواقعية حجة توماس بيكيتي الرئيسية وبذلك يقوض هذا مطلبه الرئيسي بموجب فرض ضريبة على الأغنياء.

إن المحاولات التي تبذلها الحكومات لتحقيق المساواة في الثروة أو الدخل هي محاولات تتسبب بالضرر لا النفع؛ فهي تدمر المحفزات التي تحث على الجد في العمل والاستثمار وتثبط عزيمة الناس عن تجميع رأس المال الذي يعزز إنتاجية المجتمع بأكمله.

“لا يتمثَّل هدف الرأسمالية في توفير الكثير من جوارب الحرير للأميرات؛ بل في جلب هذه الجوارب إلى متناول فتاة المتجر”.

– جوزيف شومبيتر

  • إعداد: محمد مطيع
  • تدقيق لغوي: نور عبدو
  • https://fee.org/articles/the-rich-list-is-evidence-that-capitalism-isn-t-broken/
  • https://www.mises.org.br/Article.aspx?id=2602
  • https://www.youtube.com/watch?v=J_Bzw8W1rS8&feature=youtu.be
  • https://www.visualcapitalist.com/2000-years-economic-history-one-chart/
  • https://www.mises.org.br/Article.aspx?id=2848
  • https://www.mises.org.br/Article.aspx?id=2764
  • https://www.mises.org.br/Article.aspx?id=2246
  • https://www.mises.org.br/Article.aspx?id=2012
تعليقات
جاري التحميل...