شغف المعرفة

تحطيم الأساطير الشائعة عن اللامساواة والعدالة الاجتماعية

سيطرت قضية اللامساواة على جميع النقاشات السياسية والاقتصادية مؤخرًا، والمشكلة هي أنه في حين ما زال هناك خلافات وعواطف، فإنه يوجد نقص في الوضوح والعقلانية عند طرح هذا الموضوع. ويمكن رؤية عدم الوضوح واللاعقلانية لدى من يقولون إنهم يريدون القضاء على الفقر واللامساواة في خلط واضح بين الفقر وعدم المساواة، وهذا خطأ يقع فيه العديد من الأشخاص.

 هل سنساعد الفقراء حقًا إذا واصلنا التركيز على قضية عدم المساواة؟

من الأفضل التركيز على الفقر وفي النهاية ستُوَزّع جميع الثروة تلقائيًا كما سنوضح في المقال الآتي.

انعدام المساواة لصيقٌ بطبيعة المجتمعات البشرية

المساواة الكاملة والمُطلقة لا تحمل معها أي حافز يدفع للتقدم والتميز والإنجاز الفردي. في مجتمع مثل هذا، لا يجد البشر ما يدفعهم للاجتهاد ليصلوا إلى ما يريدون، ثم إنهم لا يجدون المكانة الاجتماعية والمهنة التي يتمنوها لأنفسهم، فلهذا لا بد من التمييز في رواتب ومكانة الناس وفقًا لجهودهم وقدراتهم ومهاراتهم الخاصة.

إننا -طبيعيًا- نختلف بعضنا عن البعض؛ يولد الناس غيرَ متساوين؛ فتختلف مواهبنا وقدراتنا وذكاؤنا واستعدادنا للعمل الشاق، وغيرها من العوامل التي تحدد مكانتنا ودخلنا المستقبلي، من شخص لآخر. وفي المجتمع الحر، يتيح هذا أمام الجميع الاستخدامَ الأفضل للمواهب والحظ والمهارات من أجل خدمة الآخرين. يمكن أن نلخص هذه الفكرة على نظرية تقسيم العمل والتخصص التي طرحها الاقتصادي آدم سميث.

يجب أن نوجه الأفراد إلى الاعتناء بمصلحتهم الشخصية؛ حتى تكون عواقب أفعالهم الأنانية في صالح الجميع. سيُوجَّهون كأنهم يدٌ خفية للترويج للنفع العام للجميع، الطريقة للقيام بذلك بالطبع هي من خلال نظام السوق الحر.

أثناء السعي إلى الثروة؛ ينتج أصحاب المشاريع الفردية والرأسماليون السلعَ والخدماتِ في منافسة بعضهم البعض. ومع مرور الوقت، يمكن أن يؤدي ذلك إلى انخفاض الأسعار وتحسين جودة السلع والخدمات.

علاوة على ذلك، بينما ينافس أحدهما الآخر لتحقيق الربح، سيوظف روادُ الأعمال والرأسماليين موظفين، ويؤسسون مشاريع جديدة. هذا يضمن -حتى لأولئك الذين لا يملكون الثروة- ليصبحوا رأسماليين وأن يتمكنوا من وضع الطعام على مائدتهم والاستفادة تدريجيًا من نتائج عمليات السوق التنافسية.

أشار هايك إلى أن رجال الأعمال والرأسماليين، الذين يصبحون أثرياء في ظل نظام السوق الحر، ليسوا بالضرورة أكثر جدارة من الآخرين. لقد قاموا ببساطة بعمل أفضل في تفسير القيمة التي ينسبها الأفراد إلى مجموعة معينة من السلع والخدمات وقد وفروها بطريقة فعالة. قد يفشل أصحاب المشاريع والرأسماليون الآخرون، ناهيك عن العمال؛ لأنهم كانوا ببساطة سيئي الحظ أو غير مهرة على وجه الخصوص.


ما يهم حقًا من الناحية الأخلاقية هو ما إذا كان الفقراء يملكون سقفًا للنوم؛ ما يكفي من الطعام  وفرصة الدراسة والوصول إلى خدمات الصرف الصحي الأساسية والمعاملة المتساوية من قبل الشرطة والمحاكم.

يقول الفيلسوف هاري فرانكفورت من جامعة برينستون:

“ليست المساواة الاقتصادية في حد ذاتها ذات أهمية أخلاقية، وبدلًا من ذلك، ينبغي أن نوجد ترتيبات تُمكن الفقراء من الارتقاء إلى المستوى الذي يمكنهم فيه أن يعيشوا حياتهم بأفضل الأحوال”.

إن الحد من نجاح أولئك الذين حققوا النجاح من خلال السوق الحرة؛ أي النجاح من خلال تلبية متطلبات ورغبات المستهلكين، يتطلب حتمًا استخدام الإكراه والعنف، أكثر من ذلك يجب على الحكومة أن تعرف بالضبط من ستجب مهاجمته. والاعتقاد أن هناك حكومة حتمًا مكونة من أشخاص لديهم مصالح ذاتية قادرة على جعل إعادة التوزيع هذه أخلاقية يُعدُّ أمرًا ساذجًا تمامًا.

إذا تُبنِّيَت المبادئ الليبرالية الكلاسيكية، فذلك سيؤدي إلى عالم بدون مساواة في النتائج؛ بحيث يتسلق بعض الأفراد التسلسل الهرمي الاجتماعي أكثر من الآخرين. ولكن طالما أن عدم المساواة هذا هو نتيجة للاختلافات في المواهب الطبيعية وأخلاقيات العمل فهو مبرر أخلاقيًا؛ لأن أوجه اللامساواة تستند إلى الجدارة والاستحقاق.  

في الواقع يظن العديد من الليبراليين الكلاسيكيين أنه من الخطأ أخذ الموارد من أولئك الذين عملوا ليصبحوا ناجحين؛ من أجل تحقيق المساواة في النتائج نيابة عن الضحايا الذين ليس لديهم الكفاءة ولديهم القليل من المواهب الفعلية أو الدافع إلى العمل الجاد. في جوهر هذا الادعاء هو التأكيد على الجدارة الفردية، ينبغي تقييم الناس لما يساهمون به كونهم أفرادًا لا أفرادًا تعسفيين في مجموعة معينة تطالب المجتمع بالتعويض عن الأخطاء التي مضى عليها الزمن.

قام الفيلسوف الليبرتاري روبرت نوزيك  بتجربة فكرية من خلال مثال عن كرة السلة الاحترافية في أمريكا؛ لكي يعطي فكرةً حول اللامساواة وتدخُّل الحكومة من أجل فرض العدالة الاجتماعية.

كان وَلت تشامبرلين لاعبًا ذا شعبية هي الأكبر، وعندما أتى نوزيك بهذا المثال، افترض الآتي: ماذا لو أن تشامبرلين وهو على الأرجح أشهر رياضي عصره قرر أنه لن يلعب إلا بشروط محددة؟ لو قرر تشامبرلين أن أسعار تذاكر المباريات التي يلعب فيها يجب أن تزيد بمقدار خمسة وعشرين سنتًا عن المباريات التي لا يلعب فيها، وعلاوة على ذلك، يجب أن يكون أجر تشامبرلين أكثر بنحو مائة ألف دولار عن اللاعبين الآخرين.

وبما أن تشامبرلين يتمتع بشعبية كبيرة، فإن الجميع يعلم أن عددًا أكبر من الناس سيحضرون لمشاهدة مبارياته، حتى لو كان سعر التذاكر أعلى لذا؛ وبما أنه الورقة الرابحة، أليس من حقه أن يطلب أجرًا أعلى من أجور زملائه في الفريق؟

يرى نوزيك أن ليس بإمكاننا، ويجب علينا ألا نحاول أن نعادل فرص المساواة المتباينة بشكل طبيعي، بالتأكيد نحن نبدأ حياتنا بمقادير متفاوتة من الأشياء، لكن لكلٍّ منا، حسب رأي نوزيك، مسؤولية عن الأشياء التي يملكها ما لم يسرقها أو يحصل عليها بدون وجه حق لذا؛ إن كنت أشهر لاعب كرة سلة في العالم فإن لك الحق في أن تملك وأن ترغب بامتلاك أشياء أكثر حتى لو لم يمتلكها الآخرون، إذا كانت مهارات تشامبرلين في كرة السلة تفسح له المجال لتكديس الثروات بينما يجوع آخرون غيره ففي الواقع ذلك ليس خطأ تشامبرلين. (معلومة خارجية: يعد ويلت تشامبرلين محطِّمًا للرقم قياسي في كرة السلة بتسجيله لـ 100 نقطة في مباراة وحدة.)

في مجتمع يوجهه التبادل الحر، من المرجح أن يصبح أولئك الذين ينتجون السلع والخدمات التي يفضلها الآخرون أغنياءً. قد لا يستحق هؤلاء الأفراد ثرواتهم بالمعنى القوي، لكنهم يستحقون ذلك لأنهم اكتسبوه بحرية وبدون إكراه. إن إجبارهم على التخلي عن هذه الثروة التي جنوها بجهدهم وأفكارهم، سيكون خطأً كبيرًا وعملًا غير أخلاقي. للقيام بهذا سوف يستلزم تأسيسَ دولة شمولية تستعملُ القوة القسرية لإجبار الأفراد على إعادة توزيع الثروة وفقًا لنظرية العدل التي قد لا يتفقون معها.

وفقاً لنوزيك؛ لا يمكن تبرير مثل هذه الدولة لأنها تتدخل جوهريًا في الحرية، الأمر الذي يعطل جميع نظريات العدالة المزخرفة وتصبح معاملة الأفراد وسيلةً لأهداف الآخرين.

السؤال الذي يجب أن يطرحه كل من يهتم بالعيش في مجتمع عادل هو نفس السؤال الذي كان يسأل عنه أنصار عصر التنوير؛ هل هذه الحالة من عدم المساواة ناتجة عن عدم المساواة في المعاملة أمام القانون؟ إذا كان الأمر كذلك، فدعنا نتناولها. إذا لم يكن كذلك، فدعنا نتوقف قليلاً ونفكر في الأمر أكثر من ذلك.

  • إعداد: محمد مطيع
  • تدقيق لغوي: نور عبدو
تعليقات
جاري التحميل...