شغف المعرفة

الرجال والنساء.. رحلة في تاريخ الإنسان

في هذا العصر الذي تنتشر فيه الأخبار بسرعة تكاد تضاهي سرعة الضوء، تمثل علاقة الرجل بالمرأة موضوعاً رائجاً ومهماً يختلف حوله العلماء والمفكرون والسياسيون ورجال الدين، فكل فكرة عنه تحمل خلفها مصالحاً سياسيةً واقتصاديةً عظيمة لحزبٍ أو شركةٍ ما، لذلك فإن الدعاية الكاذبة والأفكار الغبية بخصوص هذا الموضوع تنتشر بشكل واسعٍ ومدعومٍ عبر آلاف الطرق؛ تاركة مجتمعاً يحير جنسيه بكيفية التعامل مع بعضهما، لذلك فإن رحلةً مثل التي سأعرضها عليكم الآن، ضروريةٌ لفهمٍ أفضل ومجتمع أصح، فهي رحلةٌ في تاريخ الإنسان نتقصى خلالها كيفية تفاعل جنسيه مع بعضهما بعيداً عن الأفكار المسمومة والدعايات السياسية المغرضة، وإنها كما أكد لي غروري ستحمل لكم في جولاتها فائدة ومتعة بنفس الوقت.  

الجولة الأولى: مجتمعات ما قبل الزراعة.

تبدأ رحلتنا مع بداية وجود الإنسان العاقل (الهومو سابين) على الأرض، أي قبل حوالي ثلاثمائة ألف عام، عاش البشر في معظمها ككائنات متوحشةٍ لا تختلف كثيرا عن الحيوانات، فباستثناء آخر عشرة آلاف سنة اعتمد فيها الإنسان على الزراعة،  حصلت التجمعات البشرية على قوتها بواسطة الصيد وجمع الثمار وحدهما، وقد كان النظام القبلي هو التنظيم الاجتماعي السائد في تلك الأيام، حيث كان تقسيم المهام على الأفراد بسيطا: يقوم الرجال بالصيد وتقوم النساء بكل الأعمال عدا الصيد، فبينما كان الرجل يسترخي لعدة أيام بعد أن يخاطر بحياته في عملية اصطياد متعبة (مثلما يحب أن يسترخي الآن بعد يوم عمل متعب)، كانت النساء تعتني بالأطفال وتجمع الثمار وتبني البيوت وتصنع الأحذية والملابس، وقد كانت الغالبية العظمى من الاكتشافات المهمة والأدوات المفيدة في تلك الفترة من إبداع المرأة.

أما في ما يخصّ الجنس، فقد كانت الاشتراكية هي الفلسفة السائدة، من لكلٍ حسب زوجته الى لكل حسب شهوته، فلم يكن الشريك ملكيةً خاصةً في تلك الأيام، وكانت معرفة والد المولود الجديد مهمة شبه مستحيلة في ظلّ العلاقات الكثيرة التي تمارسها الأم، لذلك فإن دور الأب كان شبه معدوم في مجتمعات الصيد، هذا إن كان معروفاً أصلاً، فنسبةٌ لا يستهان بها من القبائل البدائية لم تكن تعلم أن الإخصاب يحصل بواسطة الرجل أصلاً، بل كانت تظن أن شبحاً أو روحاً غريبة تسببه، وبينما كان الرجل – مثله مثل بقية ذكور الثدييات- لا يهتم بحال أطفاله ومصيرهم؛ امتلكت النساء غريزة أمومة قوية حمت البشرية من الانقراض.

بالتالي فإن نسبَ الأطفال كان يحدّد عن طريق أمهاتهم، فالأم كانت تربي أطفالها في قبيلة والدها لا قبيلة زوجها، وقد سميت تلك المجتمعات بالأمومية لأن الأطفال فيها ينسبون لأمهاتهم لا لأنها حُكمت بواسطة النساء، نعم لقد أعطى النسب بعض النفوذ الى المرأة ولكنها رغم ذلك كانت خاضعة للرجل بشكل كامل في تلك المجتمعات الأمومية التي لم تكن تعرف شيئا عن الثقافة الذكورية، وهذا دليل قاطع على أن سيطرة الرجال على النساء لها أساس بايلوجي وليست نتاج الثقافة فقط. بل إن شكل المجتمع في حقبة الصيد والجمع بكل تفاصيله هو الشكل الذي تنتجه طبيعة الإنسان إن تُركت لوحدها دون تدخلات ثقافية، لذلك فإن سلوك الإنسان في مجتمعات الصيد والجمع هو أقرب سلوك لطبيعته.

ورغم أن شكل المجتمع البدائي هذا أنتجته الطبيعة البايلوجية للرجل والمرأة، إلا أنه هو أيضاً ساهم بتشكيل طبيعتهما في علاقة جدلية استمرت مئات آلاف السنين، فقد عمل المجتمع بشكله هذا كأداة انتخاب طبيعي رسخت الصفات المفيدة للصيد في الرجل بينما طورت في المرأة صفات تلائم مهامها المتعددة، إذ جعلت الرجل أكثر حسماً في قراراته، أكثر تركيزا على أهدافه، أشجع، أسرع، أعنف، وأكفأ في حل المسائل المعقدة، في حين كانت المرأة أنشط، وأكفأ في الأعمال الدقيقة، أذكى عاطفياً ولغويا، وذات قابلية أكبر على القيام بمهام متعددة بنفس الوقت.

ولا حاجة للقول بأن هذه الفروقات لا تسري على كل الأفراد، فواضح جداً أن هناك نساءً أعنف من معظم الرجال، وأن الرجال الأكثر تعاطفا من النساء لم ينقرضوا بعد، فهذه الفروقات تحسب بالمتوسط الحسابي لكل الرجال مقابل المتوسط الحسابي لكل النساء ، لذلك فإن أي تمييز بين الأفراد يُقام على أساس الجنس هو تمييز باطل بالتأكيد، ولكن دراسة الفوارق الطبيعية بين الجنسين تعطينا فهماً أفضل للمجتمع والناس، فبدل أن نعلّق كل اختلاف اجتماعي او اقتصادي بين الرجال والنساء على شماعة المؤامرة الذكورية يمكننا في كثير من الأحيان تفسيره عن طريق الفوارق البايلوجية بين الجنسين.

الجولة الثانية: المجتمعات الزراعية البدائية

لقد تناولنا في جولتنا الأولى فترة الصيد والجمع، أي حوالي ثمانية وتسعين بالمئة من تاريخ البشر على هذا الكوكب، أما بقية الجولات، فسنتناول بها النسبة الضئيلة المتبقية من تاريخ الإنسان، وذلك لأن حياة الناس في مجتمعات الصيد كانت راكدة ومملة إذا ما قيست بالتطورات المذهلة التي حدثت بعد الزراعة، ومن أجل أن لا نضيع مزيداً من وقت مرافقينا في هذه الرحلة، فلنبدأ بجولتنا الثانية الآن، متى تحول الصياد الى مزارع؟ لقد استمر الإنسان يصيد ويجمع الى أن اكتشفت النساء الزراعة وجعلتها المصدر الأول لغذاء البشر، أي قبل عشرة آلاف سنة تقريباً، وباكتشافها الزراعة حصلت المرأة على منزلة لم تحلم بالوصول إليها في عصورها السابقة، فقد أصبحت المسؤولة عن أكبر مصدر للقوت في تاريخ الإنسان، وبسبب مركزها الحساس هذا علا شأنها في القبيلة وقل خضوعها الى الرجل بشكل كبير جداً، فبينما استمر الرجال بمطاردة الحيوانات أوصلت المرأة الزراعة والصناعة والتجارة الى مراحل متطورة وصنعت ثروة لم ير الإنسان مثيلها من قبل، ولكن هذه الثروة هي التي قضت على نفوذ المرأة وأرجعتها تابعة للرجل، وهي التي أفرزت المجتمع الذكوري الذي نقل الإنسان من الهمجية الى الحضارة.

تساؤلات كثيرة ربما تركتها الفقرة السابقة دون إجابة في ذهن من رافقوني بهذه الرحلة: كيف قضت ثروة المجتمع الزراعي على نفوذ المرأة؟ وبأي طريقة أنتجت المجتمع الذكوري؟ وكيف يمكن لهذا الأخير رفع البدائيين الى الحضارة؟ أما بالنسبة للسؤال الأول، فيمكن حله عن طريق فهم تأثير  الثروات على الناس، إذ إنها تثير الجشع الكامن في الطبيعة البشرية وتجذب غارات الطماعين والبرابرة إليها، لذلك توجب على المجتمعات الزراعية أن تحمي نفسها بتنظيم عسكري منضبط، وقد قام بهذه المهمة الجنس الأقوى والأشرس والأعنف: الرجال، ومن أجل حماية المجتمع قام الرجال بالسيطرة عليه شيئا فشيئا مدفوعين بجشعهم الخاص وخوفهم من جشع الآخرين. ولطالما أخبرنا التاريخ أن مكانة المرأة في المجتمع تنزل كلما علت مكانة الرجل في الحرب.

ولكن الثروة لا تثير جشع رجال القبائل الأخرى فقط، بل تثير الجشع والتنافس بين رجال القبيلة الواحدة أيضاً، ومن أجل أن لا يتحول تنافسهم الى حرب أهلية وضع الناس حدودا وقوانين تفصل ثروة كل رجل عن بقية رجال قبيلته، وولد نتيجة لذلك مفهوم الملكية الخاصة، وبعد أن أصبح الرجل مالكاً؛ لم يكن منطقياً بالنسبة إليه أن يترك أرضه ويلتحق بقبيلة زوجته، لذلك أصبحت الزوجة هي من ينتقل الى بيت الزوج، وبعد أن أدرك دوره في الإخصاب لم يقبل أن يورث تعب عمره لأولاد لا يضمن أنهم من صلبه، لذلك طالب زوجته بالعفة الكاملة، واهتم بأولاده وأورثهم اسمه وأملاكه، وهكذا نشأت الأسرة الأبوية وتطور المجتمع الذكوري نتيجة الثروة المتراكمة من الزراعة، وهذا جواب سؤالنا الثاني.

الجولة الثالثة: على مشارف الحضارة

أما بالنسبة للتساؤل الأخير، فإنّ مساهمة المجتمع الذكوري في إنشاء الحضارة مساهمة أساسية لا يمكن الاستغناء عنها أبداً، فالأسرة الأبوية هي الطابوق الذي تُبنى بواسطته الحضارات، حيث لم تنشأ حضارة واحدة في التاريخ كله دون مجتمع ذكوري وأسرة أبوية قوية، والسبب في ذلك يعود الى انسجام النظام الأبوي دون غيره من الأنظمة الاجتماعية مع الملكية الخاصة، فالمجتمع الذكوري يمكن كل عائلة من تحديد ممتلكاتها وحمايتها وتوريثها إلى أطفالها، وهذه الإمكانيات الثلاث هنَّ أهم محفزات الإنسان على العمل، والحضارات تبنى بالعمل الشاق.

وعن طريقة تحديد ممتلكات الناس وحمايتها خلق المجتمع الذكوري إمكانية تبادل السلع والخدمات بينهم؛ منتجاً بذلك سوقاً حرة تسمح للملكيات الخاصة بالازدهار والتطور لإنشاء الحضارات. ولقد كان هذا السوق الحر البدائي بالنسبة للحضارة ماءً يسقي بذورها التي لا يمكن أن تنمو بدونه.

وبالطبع فإنّ احتضان الملكية الخاصة وتطويرها لم تكن مساهمة المجتمع الذكوري الوحيدة في بناء الحضارة، فالأسرة الأبوية أثبتت نفسها كأفضل وسيلة ابتدعها الإنسان للعناية بالأطفال، حيث حمّلت الرجل مسؤولية أطفاله وأجبرته على حمايتهم وإطعامهم وتوريثهم ما يستطيعه من ثروة ترفع مكانتهم في المجتمع، بعد أن كان كل ما يمنحه لهم في مجتمعات الصيد نطفاً تلقح أمهاتهم، و عندما سمت الصغار بأسماء آبائهم؛ جعلتهم الأسرة الأبوية ممثلين لأسرهم بالمجتمع، مما دفع الآباء والأمهات لتوفير قدر كبير من الاهتمام بأخلاق الأطفال وطريقة تفاعلهم مع الناس. وقد أدى ذلك الى مجتمعات أسمى أخلاقاً وأكثر تحضراً.

ولأنّ الدول لا تقوم إلا بالأخلاق، كانت الأسرة -مع الدين والمدرسة- أهم الروافد التي تنقل تقاليد احترام سلطة الدولة والولاء لها الى الأجيال الصغيرة الطائشة.

لهذه الأسباب وغيرها، اختارت جميع المجتمعات الزراعية في العالم التنظيم الذكوري كأسلوب لحيواتهم (غالبا بشكل منفصل ودون أن يؤثر مجتمع على آخر) وهذا إن دل، فيدل على أن المجتمع الذكوري ليس قواعداً اعتباطية ابتدعها الرجال للسيطرة على النساء، بل هو نظام عالمي ارتضاه الناس بعد مئات السنين من الانتخاب الثقافي.

وبعد هذه المحاضرة المملة عن مميزات المجتمع الذكوري، لابد أنّ رواد هذه الرحلة متشوقون لاكتشاف الكيفية التي عاش بها الرجال والنساء في تلك الأيام، لقد كانت علاقة الرجل بالمرأة علاقة مالك بمملوك في المجتمعات الذكورية البدائية، حيث كان الرجل حراً في أن يفعل كل ما يحلو له بزوجته وأطفاله، لا يقيده في ذلك شيء إلا أعراف المجتمع وتقاليده، ولكن الرجل لم يعذب أفراد أسرته بشكل ساديّ كما يحب أن يتصور البعض، نعم صحيح أنه غالبا ما كان يظلم زوجته ويضغط عليها في العمل، ولكنه أيضاً كان يحبها ويحميها ويوفر لها قوتها، فقد كانت تملك هي وأطفالها قيمة اقتصادية عظيمة تجبره على الاهتمام بهم، ومع ذلك فإن الفجوة بين مكانة الرجل ومكانة المرأة قد وصلت ذروتها في المجتمعات الذكورية الأولى، فالمرأة لم تكن أكثر خضوعاً وأقل نفوذاً في أي وقت من تاريخ الإنسان مثلما كانته في تلك الأيام، ولكن حالتها المادية والصحية في المجتمعات الذكورية الزراعية كانت أفضل كثيراً من حالتها في مجتمعات الصيد الأمومية المضطربة، لذلك لم تشتك النساء من خضوعهن للرجال أبداً في تلك الأيام.

أما تقسيم العمل، فقد تغير هو الآخر باكتشاف الزراعة، حيث تحول الرجل من صياد الى مدير مزرعة، أو حاكم أو تاجر، أما المرأة فقد صارت ربة بيت مسؤولة عن العناية بالأطفال وتربيتهم بالإضافة الى كونها مديرة الصناعات البدائية الصغيرة، كصناعة السلال والملابس والأحذية والأدوات، ولكن تقسيم العمل هذا لم يكن صارما جدا مثل سابقه، فقد شاركت النساء في الزراعة والتجارة مثلما شارك الرجل في الصناعة والتربية، ولكنهما لم يعملا بنفس الطريقة، فقد كان الرجل مديراً في كل عمل يشارك به في حين كانت المرأة عاملة مطيعة للرجل في كل أعمالها.

الجولة الرابعة: حضاراتنا وتعقيداتها.

ولكن سيادة الأب المطلقة هذه لم تكن الوضع الدائم عند الأقوام المتحضرين، فقد ذبلت في حضارات وتطورت في حضارات أخرى، بل إنها اختلفت حتى بين الفترات المتباعدة لنفس الحضارة، لذلك فإنّ أي تعميم يطلق لوصف علاقة الرجل بالمرأة في حضارات الإنسان المتنوعة لهو تخمين متهور أكثر من كونه حقيقة تاريخية. وسيكون طموحنا في هذه الجولة تغطية العوامل الكثيرة المسؤولة عن هذا التباين الشاسع في علاقة الرجل بالمرأة عبر تاريخ الحضارات الطويل. ويا له من طموح جامح ومتهور.

إن أحد أهم هذه العوامل هو قبض الدولة على مقاليد الحكم في الحضارات الكبيرة، فبدل أن تقع مسؤولية تنظيم المجتمع وحفظ استقراره على الآباء والأسر أخذت الدولة تقوم بمعظم هذه المهمة، وهذا بدوره قلل الحاجة لسلطة ذكورية مطلقة في الكثير من الأحيان، فالثابت في التاريخ دائماً أن السلطةالذكورية تعظم في المجتمعات كلما ضعُف سلطان الدولة فيها. غير إنّ دولة في التاريخ لم تستطع القيام بمهام الأسرة كلها.

وكان انتقال الناس من الريف الى المدينة عاملا مهماً آخر في الحد من سيطرة الرجال على النساء، فقد قلل هذا الانتقال من القيمة الاقتصادية للأطفال، إذ إنّ فائدتهم في الطب والمحاماة والكتابة وبقية مهام المجتمع المدني أقل كثيرا من فائدتهم في المزارع، لذلك تحولواّ من ثروة اقتصادية إلى عبء لا يخف ثقله إلا بسن الرشد، بالتالي لم يكن على المرأة أن تكون ماكنة للتفريخ في المجتمعات المدينة، بل تمكنت من الخروج الى المجتمع التفاعل معه.

وبما أن للثروة يدٌ في كل تغيير يطرأ على حياة الإنسان الاجتماعية، فلابد ليدها أن تمس طرائق تفاعل الرجال مع النساء، إذ ترتفع مكانة المرأة في المجتمع كلما ثقلت جيوب الناس فيه، وربما يعود السبب في ذلك الى أنّ الثروة تشبع الرجال وتتركهم أحرارا في ملاحقة النساء والوقوع بغرامهن كما يقول ويل ديورانت، أو ربما لأنها تساهم بتليين الصفات الذكورية في الرجال، أو لأنها ترفع بعض الواجبات عن المرأة وتلقيها على الخدم والجواري والعبيد، أو ربما نتيجة كل الأسباب السابقة، لست متأكدا من ذلك، ولكني متأكد بأن التاريخ يشهد بما للأموال من قدرة على رفع شأن المرأة وتقليل السيطرة الذكورية عليها.

وهنالك عامل مهم آخر غالبا ما يتم تناسيه رغم وضوحه وسهولة كشفه، وهو ثقافة المجتمع وتقاليده، فبعض المجتمعات تملك ثقافة تنتج علاقة صحية بين الرجال والنساء، في حين تنتج أخرى علاقات مختلة تساوي المرأة مع العبد، وهناك ثقافات تحول النساء الى رجال مشوهين وتنتج مجتمعات معوقة، إلا أن السمة العامة لثقافات المجتمعات المتحضرة هي الثقافة التي تعلي من شأن الأسرة وتبجلها، فهي الثقافة التي أثبتت نجاحها لعدة أسباب ذكرناها في جولاتنا السابقة، وإن كل الحضارات التي طورت ثقافات معادية للأسرة لم تلبث أن انهارت الى همجية تشبه همجيتنا الأولى.

وإن تفاعل هذه العوامل مع بعضها ومع طبيعة البشر هو ما يرسم شكل العلاقة بين جنسي الإنسان، وإذا أردنا أن نخالف ما حذرنا منه سابقا ونطلق بعض التعميمات على مجتمعات الحضارات، سنقول إنها كلها كانت ذكورية حتى رغم المؤثرات التي مررنا عليها، فصحيح أن الآباء تنازلوا عن بعض سلطانهم الى الدولة، وصحيح أن الثروة هزت المجتمع الأبوي وأضعفت سلطانه، ولكن الرجل ضلّ مسيطرا على المجتمع في جميع تلك الحضارات، وبقيت المرأة في بيتها تعتني بالمنزل وتربي الأطفال، بل وندر أن تلقت تعليما أو اهتماما يوازي ما تلقاه الرجل، ولكنها رغم ذلك كله لم تشتك من وضعها هذا إلا نادراً، وليس السبب في ذلك أن النساء مُنعن من التعبير عن رغباتهن في تلك الأيام كما تريدنا النسويات أن نعتقد، فأغلب الأميرات والملكات والمثقفات ساندن النظام الذكوري والسلطة الأبوية، ولكن السبب في ذلك يعود الى أن النساء والرجال أدركوا جيدا أهمية هذا النظام لمجتمعاتهم، فوظيفة المرأة في منزلها كانت وظيفة حساسة ومهمة لا تسمح بخروجها كثيراً منه، بالتالي لم تحتج التعليم الذي احتاجه الرجل الذي توجب عليه أن يصبح تاجراً ومحامياً وعالماً وحداداً ومحارباً من أجل عيون المجتمع المتحضر.

أما بالنسبة لسكان الريف (الذين يمثلون أغلبية الناس في كل الحضارات السابقة للثورة الصناعية)، فقد أغمضوا أعينهم وسدوا آذانهم عن التغيرات الغريبة التي افتعلها المجتمع المدني، واستمروا يحرثون ويزرعون كما كان أجدادهم في المجتمعات الزراعية البدائية، إذ احتفظ الأطفال بقيمتهم الاقتصادية، ولم تمتد يد الدولة الى مناطقهم، ولم تكدس التجارة ثرواتهم، لذلك حافظ الآباء على سلطانهم كاملاً دون أن يتأثروا بمغريات الحضارة وعواقبها.

الجولة الأخيرة: الثورة الصناعية.

ولكن الدولة أبت إلا أن تمد سلطانها الى المزارع كما مدته في المدن، وقد كانت الثورة الصناعية وسيتلها لذلك، إذ مكّنتها الأجهزة المتطورة من السيطرة على الريف ومكننة الزراعة بتحويلها من مزراع صغيرة تديرها الأسر الى أراض شاسعة تسيطر عليها شركات عملاقة، فاستطاعت بذلك حرمان الأسرة من كل سلطان اقتصادي على أبنائها، وقد كانت هذه ضربة موجعة للسلطة الأبوية في المزارع، زاد من قوتها أن الثورة الصناعية قضت على قيمة الأطفال الاقتصادية تماما، حيث كانت المكائن الزراعية أعقد من أن يتمكنوا من العمل عليها. وساهم كل ذلك بتحرير بنت الريف من تعب الإنجاب المستمر تاركا إياها حرة (ولو نسبيا) لأول مرة منذ عشرة آلاف سنة.

ولم يكن تأثير الصناعة في المدن أقل ثورية منه في المزارع، بل ربما فاقه بأضعاف، فقد عظمت الثورة الصناعية تأثيرات الحضارة على علاقة الرجل بالمرأة لأقصى حد ممكن، حيث تمكنت الدول الصناعية بفضل أجهزتها الحديثة من فرض سيطرة كاملة على الناس، مما جعل الحاجة الى الآباء في فرض القوانين تصل الى حدها الأدنى، وقد قضت على قيمة الأطفال الاقتصادية تماما، مما أدى الى انتشار وسائل تحديد النسل وتقليل الأطفال، محررة المرأة بذلك من واجبات الأمومة القاسية أو جزء كبير منها على الأقل، وبالتأكيد فقد ضاعفت الصناعة والنظام الرأسمالي ثروة الأثرياء وزادتهم عدداً، بل إنها أغنت كل الطبقات وزودت أموالهم، مما أدى الى رفع المرأة لأعلى مكانة تبوأتها منذ أن وجد الإنسان. لقد كانت الثورة الصناعية أعظم ناشطة نسوية في التاريخ.

ولم تكتف الصناعة بمضاعفة حجم المؤثرات القديمة فقط، بل كان لابد لها أن تضع لمستها الخاصة، فقد تمكنت بالتعاون مع السوق الرأسمالي الحر من خلق آلاف الوظائف التي رحبت بالمرأة ومكنتها من إعالة نفسها دون اللجوء الى الأسرة، وهذه كانت خطوة ثورية أخرى في تحرير المرأة من سيطرة الرجل الاقتصادية.

ولكن المرأة من أجل أن تنجح في وظائفها الجديدة كان عليها إيجاد وقت بين مسؤولياتها القديمة، وقد استطاعت تقليص واجبات الأمومة بتقليل عدد الأطفال كما شاهدنا سابقاً، أما واجباتها الباقية، فقد تكفل السوق الحر بأدائها جميعا وبنصف التكلفة، إذ وفرت المصانع ملابسا وأدوات أفضل وأرخص من تلك التي كانت تصنعها النساء، بذلك تخلصت المرأة من واجبات الخياطة والصناعة ولم يبقى لها سوى العناية بالمنزل، ولكن شهامة السوق الحر لم تسمح له بترك النساء ينظفن ويطبخن بالطريقة المتعبة القديمة، فوفر لهن أجهزة كهربائية تقوم بمعظم الأعمال المنزلية بكبسة زر وبأقل وقت ممكن. بذلك تمكنت المرأة من ترك أغلب وظائفها الروتينية القديمة معلنة أن مواهبها لا تقتصر على الإنجاب والرضاعة، فأصبحت طبيبة وعالمة ومحامية ونافست الرجل على كل وظائف المجتمع الحديث.

إن هذا التقدم العلمي والأخلاقي مدعاة للفخر حقا، فهو بناء مذهل ضحى من أجله ملايين الجنود والملوك والأمهات والعلماء والفنانين والفلاسفة، ولكنه لشدة ارتفاعه يمنعنا أحياناً من رؤية الأساس الذي قام عليه، وإن عدم إدراكنا لأساسه يطلق العنان لاستهتارنا به معرضا كل ما بنيناه لخطر الانهيار. لذلك فإن أفضل ختام لهذه الرحلة الطويلة هو محاولة تذكر أساس التقدم الإنساني البعيد عن عيوننا التي لا تحب النظر إلا الى الأمام.

نعم إن أساس كل إنجازات الجنس البشري هو تنظيم الأسرة كما خمن النبهون منكم، فرغم إن أسلوب الحياة الحديثة قد سلبها سلطانها الاقتصادي، إلا إن الأسرة لا تزال أهم تنظيم لحياة الإنسان، فهي الطريقة الوحيدة الناجحة للعناية بالأطفال، والوسيلة الوحيدة لتوارث الملكيات دون مشاكل، وأنجح أسلوب في نقل الأخلاق الى الأجيال الجديدة، وحتى رغم ما يوفره رجال الدولة من أمان؛ يبقى الأب جدار حمايتنا الأخير وملجأنا الأول من أخطار الطبيعة والناس، لذلك فإنّا إن تطاولنا على تنظيم الأسرة العظيم هذا لا شيء يمنع حضارتنا من الانهيار تاركة إيانا نعود لحياة الهمجية القسية. 

انتهت رحلتنا هنا… أملي أنها كانت رحلة مفيدة.

تعليقات
جاري التحميل...