شغف المعرفة

فلسفة العدالة والأخلاق من مختلف المدارسة الفلسفية والفكرية #7

أطروحة الفيلسوف إيمانويل كانط

يتناول الفيلسوف إيمانويل كانط في كتابه “أسس ميتافيزيقيا الأخلاق” سؤالين أساسيين:

  • ما هو المبدأ الاسمى للأخلاق؟ و كيف تكون الحرية ممكنة؟

يقدم الفيلسوف كانط تفسيرًا مختلفًا عن سبب وجود واجب أخلاقي مطلق لدينا لاحترام كرامة الناس وعدم استغلالهم كوسيلة لتحقيق غاية حتى لو كانت نبيلة. يرفض مبدأ النفعية ويرى أن سبب قدسية الفرد وتمتعه بحقوق أساسية لا ينشأ من فكرة أننا نمتلك أنفسنا بل من أننا جميعا كائنات عاقلة ونفكر بمنطق وكائنات مستقلة يعني مؤهلون للتصرف والاختيار بحرية.

لا ينكر كانط ما قاله بنثيام حول الألم والمتعة ولكن ينكر أن يكونا السيدين المطلقين اللذين يتحكمان بحياتنا، بل يرى أن العقل هو الذي يميزنا ويجعلنا مختلفين ويضعنا في مرتبةٍ أعلى من الحيوانات والحياة المادية الشهوانية.

الحرية بالنسبة لكانط في نقده للنفعية: يرى أنه عندما نسعى وراء المتعة أو رغبتنا من أجل تجنب الألم وإشباع رغباتنا فنحن في الواقع لسنا نتصرف بحرية، لأننا نتصرف كعبيد لتلك الشهوات والدوافع الغريزية لأنني لم أختر هذا الجوع أو شهوة بالذات وعندما أعمل من أجل إشباعها فإنني أتصرف وفقًا لحاجاتي الطبيعية فقط إذا في نظره (الحرية نقيض الحاجة).

فيرى كانط أن الإرادة الحرة/الحرية تعني التصرف باستقلال ذاتي وتعني التصرف وفقًا لقانون أضعه بنفسي وليس التصرف للقوانين المادية الطبيعية أو قوانين السبب و الرغبة، و نقيض هذا الاستقلال الذاتي هو الانقياد/الإذعان لأنني أتصرف عن رغبة أو شهوة لم أخترها بنفسي.

  • الحرية كاستقلال ذاتي:

بالنسبة للأخلاق يرى أن التصرف بحرية لا يعني اختيار أفضل الوسائل للوصول لغاية معينة وإنما يعني الغاية نفسها لذاتها وهذا شيء يستطيع الإنسان فعله عكس مرة. إذًا عندما نتصرف بناءً على ميول أو نبحث عن متعةٍ فإننا في الواقع نجعل من أنفسنا أدواتٍ للوصول للغايات الموجودة خارجنا. ونصبح أدواتٍ وليس صناع لتلك الغايات التي نسعى لتحقيقها والعكس، أما الاستقلالية الذاتية فيرى أنها هي ما تعطي لحياة الإنسان كرامة ويصبح الإنسان غايةً في ذاته وليس أداة.

و لهذا السبب من الخطأ استغلال الناس من أجل سعادة ومصلحة أفراد آخرين. وهذا السبب الذي يجعل الفلسفة النفعية بالنسبة له خاطئة.

  • ما الذي يعطي التصرف الأخلاقي قيمة أخلاقية؟

يرى كانط أن ما يجعل الفعل أخلاقي لا علاقة له بالعواقب والنتائج الناجمة عنه، بل الدافع وراءه ونوعية الإرادة والنية التي انطلق التصرف منها ويجب أن يكون الدافع هو الأساس. ويقول حول هذا أنه:

“لا تُعتبر النية الحسنة أمرًا جيدًا بسبب الآثار أو النتائج التي تحققها بل إنها أمرٌ جيد بحدّ ذاتها حتى ولو لم تحقق النية الحسنة شيئًا بعد بذل أقصى الجهود فهي تبقى تشع كجوهرة بحد ذاتها مشيئة من يملك قيمته الكاملة لحد ذاته”.

والدافع الأهم للفعل والقيمة الأخلاقية هو دافع الواجب أي التصرف الصائب ويعطي العديد من الأمثلة لهذا كمثال شركة تعلن أن الصدق هو أحسن سياسة و لأنه أيضا الأكثر ربحية.

إذا كان الربح هو السبب الذي يدفع هذه الشركات للتعامل بصدق مع عملائها فإن تصرفهم يفتقر إلى القيمة الأخلاقية حسب كانط.

“الدافع المرتبط بالأخلاق لا يمكن إلا أن يكون دافع الواجب و ليس دافع النزعة و الميول”

عندما أتصرف بدافع الواجب وليس رغبةً شخصية في هذه الحالة أتصرف بحرية واستقلال ذاتي ولا تكون الاعتبارات الخارجية هي التي تقرر إرادتي، وهو ضد الدافع المبني على المصلحة الذاتية.

الإشكال في من يحدد هذا القانون الأخلاقي الذي يتكلم عنه كانط كأنه الدستور الأعلى لتحديد ماهية الأخلاق في كل شخص قد يكون له دافع و واجب و قانون أخلاقي خاص .

فإذا ما هو القانون الأخلاقي؟ ما الذي يضمن أننا لو حكّمنا عقولنا جميعًا سنصل إلى القانون الأخلاقي نفسه؟

جواب كانط على هذه الإشكالية كان أن المنطق الذي يقودنا إلى وضع القانون الذي نحدده لأنفسنا باعتبارنا كائنات مستقلة هو منطق من النوع العملي الذي نتقاسمه جميعنا ككائنات بشرية، أنه ليس منطقًا ذا طبيعة خصوصية بفرد أو جماعة، إن المنطق الذي يدفعنا لاحترام كرامة الأفراد هو أننا جميعا كائنات عاقلة ونتمتع جميعا بالأهلية للتفكير المنطقي والاحترام لهذه الأخيرة موجودة بدون تمايز لدينا جميعًا مما يجعلنا جديرين بالكرامة، ونظرًا لأننا نتمتع بالكلية نفسها للتفكير المنطقي ونظرًا لأنها الأهلية العامة نفسها الموجودة لدى كل الناس والتي تنتج القانون الأخلاقي من كل ذلك يتبين أن التصرف باستقلال ذاتي يعني التصرف وفقًا لقانون نضعه بأنفسنا من خلال تحكيم المنطق والذي نشترك فيه جميعا ككائنات عاقلة.

بالنسبة لكانط فلا مانع من أن يكون لديك مشاعر وأحاسيس تدعم القيام بالعمل الصائب شريطة ألا تكون سبب التصرف.

لتحديد المبدأ الأسمى للأخلاق يعرض كانط ثلاثة تناقضات أو ازدواجيات:

  • الاستقلال الذاتي مقابل الانقياد
  • الواجب مقابل  الميول
  • الأمر القطعي مقابل الأمر الافتراضي

هناك نوعان مختلفان من أوامر العقل/المنطق يشرح كانط كالتالي:

“إذا كان التصرف جيدًا كوسيلة لتحقيق شيء آخر فقط، فهذا التصرف هو أمر افتراضي، أما إذا كان التصرف جيدًا بحد ذاته وبالتالي كان ضروريًا، أي تحتمه ضرورة موضوعية لإرادة متوافقة بحد ذاتها مع المنطق في هذه الحالة يكون الأمر أخلاقيًا قطعيًا”.

ومن خلال الاستقلال الذاتي الحر والواجب والأمر القطعي يقنعنا كانط بطريقته باستنتاج الأمر الأخلاقي المطلق.

ولمعرفة الأمر الأخلاقي المطلق بجب علينا تعميمه، ويرد جون ستيوارت ميل على هذا بـ:

“لو أنني عممت المبدأ وجعلته شاملًا، ثم وجدت أن الممارسة الكلية للوفاء بالوعود سوف تتدمر عند تعميمها، فلا بد أنني أحتكم بطريقةٍ أو بأخرى إلى العواقب إذا كان ذلك هو السبب لعدم إعطاء وعد كاذب”.

لكن هذا ليس ما عناه كانط بل أسيء تفسيره، ما يعنيه هو أن هذا هو الاختبار الذي يبين ما إذا كان المبدأ الأساسي متوافق مع الأخلاق المطلقة ليس السبب.. إن السبب الذي يجعلك تعمم (من أجل معرفة الأخلاق المطلقة) مبدأك هو اختباره لمعرفة إن كنت تمنح امتيازًا لاحتياجاتك ورغباتك الخاصة على حساب احتياجات ورغبات الآخرين جميعهم.

يرى أن دوافع تصرفاتك أو تبريرها لا يجب أن تعتمد على رغباتك أو احتياجاتك أو ظروفك الخاصة و اعتبارها أكثر أهميةً من رغبات واحتياجات وظروف الآخرين. هذه هي البديهة الأخلاقية وراء اختبار التعميم.

-الصيغة الثانية للأخلاق المطلقة هي الغاية بحد ذاته و يقول: “أرى أنه الإنسان وبشكل عام، فإن كل كائن عاقل موجود كغاية بحد ذاته وهو ليس وسيلةً للاستخدام الاستبدادي من قبل هذه الإرادة أو تلك”، أي أن الإنسان يمتلك كرامة وكائن منطقي وليس بشيء وهو جدير بالاحترام وهذا ما يفسر الصيغة الثانية ويقول:

“تصرف بطريقة تعامل فيها الجنس البشري دائمًا، سواءً لشخصك أنت أو لأي شخص آخر ليس باعتباره كوسيلة على الإطلاق، وإنما دائمًا في الوقت ذاته كغاية بحد ذاته”

أما من أجل استخدام الناس كوسيلة، مثلًا الذهاب للمطعم لشراء شيءٍ ما هذا لا يتعارض مع المبدأ الأخلاقي المطلق لكانط لأنه يجب علينا عندما نتعامل مع الآخر من أجل إنجاز أعمالنا وغايتنا واهتماماتنا يجب التعامل معهم باحترام وانسجام مع الكرامة الإنسانية يحددهما الأمر الأخلاقي المطلق.

-التصرف بداعي الواجب هو اتباع القانون الأخلاقي الذي تفرضه على نفسك وهذا ما يجعل الواجب متوافق مع الحرية.

-كيف يكون ضميري هو ضميرك؟ أي يمكن أن يكون عدة قوانين أخلاقية. يجيب كانط بأن القانون الأخلاقي لا يتوقف على الظروف الذاتية بل إنه يتجاوز كل الاختلافات الخاصة بين الناس وهذا ما يجعله قانونًا كونيًا. وبهذا سيكون لدينا قانون أخلاقي واحد ويصبح هو القانون الأسمى.

يرى كانط بأننا إذا اخترنا القانون الأخلاقي بحرية وبوازع ضميرنا فمن المؤكد أننا سنتوصل إلى القانون الأخلاقي نفسه. لأنني عندما اختار فإنني لا اختار بصفتي أنا بل العقل المحض هو من يختار وهو غير خاضع للظروف الخارجية التي قد تفرض علينا.

إذًا العقل الذي يختار هو الذي يحكم إرادتي واختيار القانون الأخلاقي، الاختيار بملء الإرادة هو السبب نفسه الذي يجعلك تختار القانون الأخلاقي لنفسك.

-عندما نبحث في عواقب الفعل الأخلاقي نصبح في المذهب النفعي لهذا يعارض كانط الكذب عند طرح للمثال الشهير “القاتل والصديق”.

فبالنسبة لكانط اذا جاء قاتل يطرق بابك بحثًا عن صديق يريد قتله، فإذا كذبت وقلت له أن صديقي لا يوجد بالمنزل فبهذا تقوم بفعل غير أخلاقي لأنك كذبت، عكس المذهب النفعي الذي يرى بأنه يجب أن نرى عواقب الفعل لأنه إذا كذبت فصديقك لن يموت وهذا شيء إيجابي لك ولصديقك.

بالنسبة لكانط هناك فرق بين الكذب والحقيقة المضللة (المراوغة) وأن هذه الأخيرة تبدي احترامًا تجاه الواجب إذا قمت بتضليل الآخرين، بينما تقول الحقيقة في الوقت الذاته محترمًا القانون الأخلاقي فهذا مقبول بالنسبة لكانط.

-كانط والعقد الاجتماعي: بالنسبة لكانط فإن العقد الذي يفضي إلى مبادئ الحق هو عبارة عن فكرة المنطق لكنها تتمتع بحقيقة عملية لا شك فيها، لأنها تستطيع إلزام جميع المشرعين بتأثير قوانينهم بطريقة تجعل من هذه القوانين نتاج الإرادة الموحدة للأمة بأسرها، لا يعزو كانط منشأ القانون أو شرعيته إلى أي عقد اجتماعي وضعي.

  • إعداد: محمد مطيع
  • تدقيق لغوي: رأفت فياض
تعليقات
جاري التحميل...