شغف المعرفة

فلسفة العدالة والأخلاق من مختلف المدارسة الفلسفية والفكرية #6

أطروحة الفيلسوفين جيرمي بنثيام وجون ستيوارت ميل

كان الفيلسوف السياسي الإنجليزي جيرمي بنثيام الذي عاش في القرن الثامن عشر أول من أعطى تعبيراً منهجياً واضحاً عن النظرية الأخلاقية النفعية، فكرته الأساسية بسيطةٌ جدًا وتنطوي على الكثير من الأخلاق البديهية التي تغري المرء بتقبلها.

فكرته هي أن الأمر الصائب الذي يجب عمله، الأمر المنصف الذي يجب عمله هو زيادة المنفعة إلى أقصى حد. وعنى بهذه المنفعة موازنة السرور على حساب الألم، والسعادة على حساب المعاناة. هكذا وصلنا إلى مبدأ زيادة المنفعة إلى أقصى حد.

بدأ فكرته بملاحظة أننا جميعًا يحكمنا سيدان مستقلان هما “الألم” و”السرور”، نحن كائنات تحب السرور وتكره الألم، لذلك يرى بنثيام أنه يجب علينا أن نضع أساسًا أخلاقيًا سواءً كنا نفكر بما سنفعله في حياتنا الشخصية أو بما سنفعله كمشرعين أو مواطنين، نحن نفكر بما يجب أن يكون عليه القانون، الأمر الصائب الذي يجب أن نعمله فرديًا أو جماعيًا هو أن نتصرف بطريقة تساهم بزيادة المستوى العام للسعادة إلى أقصى حد.

يتلخص مذهب النفعية عند بنثيام أحيانا في شعار “المصلحة الأكبر للعدد الأكبر من الناس”. أي أن المبدأ الأسمى للأخلاق سواء الشخصية أو السياسية هو أن نرتقي إلى أقصى حد بالمصلحة العامة أو السعادة الجماعية أو التوازن العام للسرور على حساب الألم. أهم شيء هو زيادة المنفعة إلى الحد الأقصى سواءً عند تحديد السياسة الأفضل أو ما يجب أن يكون عليه القانون أو ما هو منصف وعادل لهذا يجب أن يسأل المواطنون والمشرّعون أنفسهم دائمًا السؤال التالي، إذا أضفنا جميع فوائد هذه السياسة وطرحنا جميع التكاليف، يكون العمل الصائب هو العمل الذي يزيد إلى أقصى حد السعادة على حساب المعاناة وهذا هو ما تعنيه زيادة النفعية إلى أقصى حد.

توصل بنثيام إلى هذا المبدأ من خلال التعليل الوارد في المقتطف التالي:

جميعنا محكومون بالألم والسرور، هما السيدان المستقلان اللذان يسيطران علينا، ولذلك يجب على أي نظام أخلاقي أن يأخذهما في الحسبان والطريقة الأمثل للقيام بهذا هي بزيادة السعادة أو المنفعة لأقصى حد.

غالبًا ما يُستخدَم هذا المنطق النفعي تحت اسم تحليل التكاليف والفوائد وهو ما تستخدمه الشركات وكذلك الحكومات طوال الوقت، ويتم ذلك من خلال وضع قيمة معينة للنفعية تتضمن التكاليف والفوائد لمختلف المقترحات.

سأعطي مثالين حول كيفية قيام الشركات والحكومات باستخدام هذا المنطق:

المثال الأول:

في جمهورية التشيك كان هناك مقترحٌ لزيادة الضريبة على السجائر، أجرت شركة التبغ فيليب موريس دراسة لتحليل التكاليف والفوائد للتدخين في التشيك وتبين من خلال هذا التحليل أن الحكومة تكسب إذا كان هناك مدخنين. بالتأكيد أن هناك تأثيرات سلبية على الميزانية العامة للتشيك بسبب ازدياد تكاليف الرعاية الصحية بالنسبة للأشخاص الذين يصابون بأمراض ذات علاقة بالتدخين لكن في المقابل هناك تأثيرات إيجابية شملت إيرادات الضرائب التي تحصلها الحكومة من مبيعات منتجات السجائر كما شملت أيضًا مقدار التوفير في الرعاية الصحية لصالح الحكومة عندما يموت الناس مبكرًا، والتوفير لمعاشات التقاعد حيث لا تعود الحكومة مضطرة إلى دفعها وكذلك التوفير في تكاليف المساكن الخاصة بكبار السن.

عند طرح هذا اكتشفت الدراسة أن الحكومة التشيكية ستجني ربحًا صافيًا للميزانية بـ 147 مليون دولار.

المثال الثاني:

في السبعينيات قامت شركة فورد بإنتاج سيارة فورد بينتو، وكانت سيارة صغيرة شائعة جدًا آنذاك غير أنه كان فيها مشكل واحد وهو أن خزان الوقود كان في مؤخرة السيارة، وكان خزان الوقود ينفجر أثناء تعرض السيارة للاصطدام من الخلف مما تسبب بمقتل بعض الأشخاص وتعرض آخرين لإصابات خطيرة. رفع ضحايا هذه الإصابات دعوى قضائية على فورد وخلال المحاكمة تبين أن فورد تعلم منذ زمن بعيد بشأن خزان الوقود غير الحصين، وقد أجرت تحليلًا للتكاليف والفوائد من أجل تحديد ما إذا كان الأمر يستحق وضع خذا الوقود ضمن درع خاص يحميه ويمنع انفجاره.

عند قيامهم بالتحليل للتكاليف والفوائد التكلفة لكل قطعة لزيادة الأمن في سيارة بينتو كانت الكلفة 11 دولار للقطعة، ما قاموا به هو ضرب 11 دولار للقطعة في العدد 12.5 مليون (عدد السيارات) ووجدوا أن التكلفة الإجمالية تبلغ 137 مليون دولار من أجل زيادة الأمن.

وبعد ذللك قاموا بحساب فوائد إنفاق كل هذه الأموال على سيارة أكثر أمانًا. قاموا بإحصاء 180 حالة وفاة وحددوا القيمة بالدولار 200 ألف دولار لكل حالة وفاة  زائد 180 حالة ضحايا بإصابات خطيرة وحددوا قيمة 67 ألف دولار زائد تكلفة الإصلاح أضرار 2000 سيارة ستتحطم بدون أداة الأمان بتكلفة 700 دولار للواحدة، وبذلك تبين أن الفوائد لا تتجاوز 49.5 مليون دولار، إذا لم يركبوا الأداة.

سيرى العديد من الناس القضية متوحشةً وغيرَ إنسانيةٍ في التعامل مع مثل هذه الحالات لكن الواقع يظهر أنه لو لم تقم هذه الشركات كفورد أو شركات أخرى بتحليل التكاليف والفوائد لعملها فسوف تفلس وستخرج من عالم الأعمال في النهاية، ولن تكون قادرة على تحقيق الأرباح وسيعجز ملايين الأشخاص من استخدام سياراتهم للذهاب للعمل أو لأي شيء تسهل السيارة عليهم فعله ولو أن العديد من العاملين في هذه الشركات سيصبحون عاطلين عن العمل، ولن يتمكنوا من توفير المعيشة الجيدة لأنفسهم ولعائلاتهم.

يرى مبدأ النفعية عند بنثيام أن كل الاشياء التي يفضلها الناس لها أهميتها وهي مهمة بغض النظر عما يريده الناس وبغض النظر عما يجعل مختلف الناس سعداء. بالنسبة لبنثيام كل ما يهم هو شدة ومدة السرور أو الألم، بالنسبة له أن ما يسميه الناس المسرات الأسمى أو الفضائل الأكثر نبلًا هي ببساطة تلك التي تنتج سرورًا أشد وأطول.

لديه عبارة شهيرة لتوضيح هذه الفكرة وهي:

“إن مقدار السرور الناتج عن لعبة الدبوس (لعبة أطفال)، هو كمقدار السرور الناتج عن قراءة الشعر”

ما يحاول توضيحه من خلال هذه العبارة هو الادعاء بأنه من الجرأة أن نقرر مسرات من هي فعليًا الأسمى أو الأجدر أو الأفضل، أي أن كل شخص لديه متعة شخصية معينة يعتبرها الأكثر جدارةً والأسمى.

تلقى مبدأ النفعية عند بنثيام العديد من الانتقادات والاعتراضات، ما حدث هو ظهور شخصية أخرى قامت بالدفاع على مذهب النفعية وتحسين بعض الفراغات في هذه الفلسفة والرد على الانتقادات والاعتراضات التي وجهها الآخرون له، وكان هذا الفيلسوف هو جون ستيوارت ميل الشهير.

ولد جون ستيوارت ميل سنة 1806 وكان والده جيمس ميل من أتباع بنثيام ووفر لولده تعليمًا نموذجيًا وكان جون ستيوارت ميل طفلًا عبقريًا، تعلم اليونانية في عمر الثلاث سنوات واللاتينية في سن الثامنة، وفي السن العاشرة ألف كتابًا عن تاريخ القانون الروماني.

حاول جون ستيوارت ميل جعل المذهب النفعي أكثر إنسانيةً من خلال معرفة ما إذا كان بالإمكان توسيع وتعديل الحسابات النفعية لكي تلائم المخاوف الإنسانية كالمخاوف المتعلقة باحترام حقوق الافراد ولتعالج أيضًا مسألة التمييز بين المسرات الأسمى والأدنى.

في سنة 1859 ألف ميل كتابًا شهيرًا “عن الحرية” وكانت النقطة الرئيسية فيه أهمية الدفاع عن حقوق الأفراد وحقوق الأقليات وفي عام 1861 ألف كتاب “مذهب النفعية” يوضح من خلاله أن النفعية هي المعيار الوحيد للأخلاقيات، ويؤكد فكرة بنثام بحيث يقول أن:

“الدليل الوحيد الممكن تقديمه بأن شيئًا ما مرغوبٌ به من الناس، هو رغبة الناس به بالفعل”.

هنا يتمسك ميل بفكرة أن رغباتنا الواقعية المعتمدة على التجربة العملية هي الأساس الوحيد للحكم الأخلاقي، وحاول توضيح أنه من الممكن للنفعيين التمييز بين المسرات الأسمى والأدنى، ويشير ميل نظرًا لأنه لا يمكننا عدم الأخذ بعين الاعتبار الرغبات والتفضيلات الواقعية حيث أنه من شأن ذلك انتهاك المقدمات المنطقية للنفعية، إذًا فالطريقة الأمثل للقيام بهذا القياس بين المسرات الأسمى والأدنى هو إن كان أحد الذين جربوا النوعين يفضلها.

ويوضح هذه الفكرة ميل في كتابه فيقول:

“لا يستطيع إلا الذين، أو تقريبًا كل الذين، جربوا هاتين المسرتين أن يقرروا أيهما الأفضل بصرف النظر عن أي شعور بالالتزام الأخلاقي لتفضيلها (بمعنى دون معيار خارجي أو مستقل) عندئذ تكون هذه المسرة هي المرغوبة أكثر”.

يرى ميل أن المسرات الأسمى تحتاج إلى ثقافة وإدراك وتهذيب لكن حالما يُثقَّف ويُهذّب الناس لن يروا الفرق بين المسرات الأسمى والأدنى لكن في الواقع سيفضلون المسرات الأسمى على الأدنى.

ويشرح هذا في كتابه بقول:

“من الأفضل أن أكون إنسانًا مستاءً على أن أكون خنزيرًا راضيًا، وأفضل أن أكون سقراط مستاءً على أن أكون أحمقًا راضيًا . وإذا كان للأحمق أو للخنزير رأي مختلف، فذلك لأنهما لا يعرفان إلا جانبهما من المسألة”.

يوافق ميل على أننا قد نستسلم أحيانًا للإغراءات وعند أخذنا لاختيار الأشياء المسلية القيام بها ممكن أن نختار شيء يُعتبر من المسليات الأدنى، لكن حتى عندما نقوم بذلك نتيجةً للتراخي والكسل نعرف أن السرور الذي نحصل عليه لا يمكن مقارنته بالسرور عند اختيار المسلات الأسمى.

  • إعداد: محمد مطيع
  • تدقيق لغوي: رأفت فياض
تعليقات
جاري التحميل...