شغف المعرفة

رأس المال التاريخي، بين الشرق والغرب

أدى تفكك الإمبراطورية الرومانية -والذي حدث تدريجيًا؛ نتيجةً طبيعيةً لبحث الناس عن النظام هربًا من الفوضى والهمجية- إلى خلق نوع من المدن أو الدويلات ندعوها: الإقطاعيات الأرستقراطية. ويحكم هذه الإقطاعيات مجموعةٌ من الناس، ضمن حكومة أرستقراطية تعني حرفيًا: “حكم الأفضل”، لكن من هو الأفضل؟ وكيف يُحَدّد؟

إن نشأةَ المدن -إذعانًا لظهور معطيات جديدة في الحياة البشرية تمثلت بالثورة الزراعية- جعلت البشرَ يتقبلون العيشَ بعضهم مع بعض بشكل أكثر توسعًا من مفهوم القبيلة أو العشيرة سابقًا، لهذا؛ ارتفع هامشُ الخلاف بين الناس، خصوصًا مع تطور مفهوم الملكية الخاصة إلى ملكية الأرض والمحاصيل والأدوات الزراعية والبيت والحيوانات وما شابه ذلك؛ فمثلاً: يضعُ الخلافُ بين فلان وفلان على ملكية قطعة أرض معينة المتخاصمَين أمام اختيار شخصٍ ثالثٍ لا علاقة له بالخلاف كي يحكم بينهما بطريقة عادلة بدلًا من سفك الدماء.

لا يكون هذا الشخص الثالث معتوهًا يسهل خداعه؛ إذ ليس من مصلحة المتخاصمَين أن يحكم بينهما شخصٌ معتوه بل على العكس؛ إن هذا الاختيار، وفقًا للمصلحة الخاصة، سيكون بالطبع لأكثر الناس نزاهةً ومنجزاتٍ شخصيةً وقدرةً على تحكيم العقل والمنطق، وصفاته قيادية، وكلمته مسموعة، وحكمه يسري على الناس دونما مخالفة أو تشكيك.

هذا الشخص الثالث هو من يُطلق عليه لقب الأرستقراطي، وحكمُه لم يكن نتاجًا للصدفة؛ بل وفقًا لمعطيات واضحة تُفيد بأحقيته في ذلك الحكم، وسلطانُه لم يكن قسريًا؛ بل إن الناس لجؤوا إليه بمحض إرادتهم الخاصة لا بالقوة.

يختلفُ تحديدُ الأفضل من مكان إلى آخر بالتأكيد، وذلك وفقًا للثقافات المختلفة، لكن بالعودة إلى أوروبا لم يكن من الصعب عليهم تحديد من هو الأفضل؛ فبالنسبة للأوروبيين، يُشير لقب الأرستقراطي -كما ورثوه من الحضارة اليونانية وهم أبناؤها بالطبع- إلى النبيل الأكثر شجاعةً وكفاءةً في الحكم، والقوي الشخصية، والحكيم القرار، والأكثر حفاظاً على الأخلاق، من يدافع عن الذين يمثلهم من الناس ويضع مصلحتهم العامة أمام مصلحته الخاصة دومًا بما أنهُ يتصدر مجالسهم، ومن يملك حسًا عاليًا بضرورة الحفاظ على نَسَب الدم وتاريخ الأمة.

كانت الإقطاعياتُ أشبه بالأنظمة اللامركزية؛ حيث يستطيع الفلاح العيش في إقطاعيةِ أرستقراطي آخر إذا كان حكم الأول جائرًا بالنسبة له.  يجتمع هؤلاء الإقطاعيون غالبًا لاختيار ملك إقطاعي منهم ولكنّ الموتَ الذي سيطال الملك في نهاية المطاف سيتسبب بأزمة حقيقية وتنازُعٍ على السلطة بين أفراد مجموعة النبلاء؛ إذ من الصعب اتفاقهم على اختيار ملك واحد وبالتالي سيجمع كل نبيل رجاله مستعدًا للحرب الشاملة ومعلنًا أحقّيته في التاج الملكي (مثلما حدث في مسلسل Game of Thrones تمامًا إذا كنت من متابعيه)، وبالتالي كان الحل الأكثر منطقية لتفادي الحروب العبثية بين الحين والآخر هو تبني النظام الوراثي؛ يموت الملك والابن يستلم الحكم.

أدى هذا التحول في آلية اختيار الخليفة نهايةً إلى خلق نوع جديد من الملكية ندعوه: الملكية المطلقة؛ ابدأ لملك المطلق من موقف ضعيف إذا كان لا بد من إرضاء النبلاء أولًا وإعطائهم أراضٍ أوسع واعتبارها مُلكية شخصية لهم غيرَ خاضعة لسلطان الملك، ثم إن نفوذه مهما تصاعد لن يصل إلى حد مصادرة أموال الرعايا بالإجبار؛ فليس كل شيء ملكًا للملك، والملك الذي فعل ذلك ستتم تنحيته عن السلطة من طرف حاشيته وعائلته؛ لأنهُ يهدد ديمومة الحكم ويثير سخط الرعايا؛ مما ينذر بذهاب التاج الملكي إلى عائلة أُخرى.

بتعبير جون هيرست:

“كان هذا الأساسَ لفكر الأوروبيين عن الحكومة، ومن حق الملكية الخاصة اشتُّقَ مفهوم الحقوق الشخصية، وهي مكون رئيس في التراث الأوروبي؛ فقد ظهر المفهومُ الدالُّ إلى أن الحكومة يجب تكون مقيدة جلياً؛ لأنّ الحكومة كانت منذ البداية مُقيدة في ممارستها للسلطة. كانت هذه القيود المفروضة على الحكومة مهمة للتنمية الاقتصادية أيضًا، وهذا الضمان الذي تمتع به التجار كان سببًا حيويًا لنمو اقتصادي في أوروبا لم يضاههِ نمو في اَي مكان آخر”.

وهكذا نما في أوروبا ما يسميه الفرنسي غيوم فايي: “الرأسمال التاريخي” للدولة، وهو الإنتاج الإبداعي المُتراكم (الثقافي والمادي) الذي يعتمد على التفاعل بين الدولة والمجتمع، وعلى إدراك أنهما يشكلان معًا وحدة إثنية تاريخية. غرس الرأسمال التاريخي في العقل والثقافة الأوروبية أمرًا مهمًا جداً: الدولة مؤسسة حكيمة أُقيمت لحماية الأفراد بعضهم من البعض الآخر، ولتطبيق القوانيين الطبيعية المُكتشفة لا المُبتدعة، وبالتالي لا يحق لها التدخل في الشؤون الاقتصادية ولا مصادرة حريات الناس بالكامل.

يدعم هذا الميزة التاريخية التي حظيت بها أوروبا؛ طبيعة شعوب الصقيع، التي جعلها البرد القارص ميالةً دومًا إلى الادخار؛ تحسباً لما هو قادم بالإضافة إلى المبادرة الشخصية وروح المغامرة والاستكشاف. ومع تفجر الثورة الصناعية بدأ الاقتصاد الأوروبي يتغير من اقتصاد قديم يعتمد أساسًا على الزراعة الأفقية، حيث المساحة المزروعة ثابتة، والمحصول ثابت، وحيث زيادة ثروة طرف لا بد أن تسحب من ثروة طرف آخر، إلى اقتصاد معاصر؛ تتراكم فيه المُنتجات والثروة تراكمًا عموديًا.

مع هذا الازدياد المهول في مقدار السلع المنتجة والحاجة الماسة إلى المواد الخام انطلق عصر الاستكشافات الأوروبية للعالم. في الشرق ومع ظهور الإسلام، الذي جرف العمق الحضاري والتراكم الثقافي للأمم المجاورة، كانت الحكاية تختلف جذريًا عما حدث في أوروبا؛ فالخليفة ليس بملك أرستقراطي لجأ إليه الناس طوعًا وطمعًا في حكمه المستنير، بل على العكس، فرض الخليفة نفسه عليهم بالقوة، برغم أنهُ ليس منهم ولا يعرفونه، وقد خيّرهم بين الجزية أو القتل أو تغيير معتقداتهم، ثم إن ممتلكاتهم هي ممتلكاته ليُصادرها متى شاء بالقوة.

في حين إن الملكيات الاوروبية أقدم من المسيحية نفسها فإن مفهوم الخلافة في الشرق ظهر مع ظهور الإسلام نفسه، ولهذا فإن الخليفة ليس مجرد حاكم من خلفية نبيلة اُختير بناءً على منجزاته الشخصية؛ بل هو المطبِّق لشرع الله في أرضه، والذي بالمناسبة لا يرى إلا في الجهاد ونشر الدعوة طريقًا لزيادة الثروة، ألغت طبيعة الحكم هذه التمييزَ بين الحاكم والمحكوم ودمرت مفهومَ الحريات.

وهكذا عملت الخلافة على مصادرة الآراء والممتلكات، في حين ظلت الضرائبُ في الملكيات مساهماتٍ طوعيةً أو جباياتٍ استثنائية.

ومع أن البلدان الناطقة باللغة العربية شهدت فترات عظيمة تحت حكم الخلافة الإسلامية وخاصة في الخلافة العباسية، إلا أن أسباب التقدم الحضاري لا تعزى للخلافة نفسها، بقدر ما هي ناتج طبيعي لابتعاد الدولة عن الشريعة وتأثر العباسيين بطرائق الفرس والبيزنطيين في إدارة الدولة وتنظيم أحوالها؛ مما خلق نوعًا من التسامح الديني. فصارت بغداد قبلة للمناظرات الدينية بين المذاهب المختلفة وانتشرت حركات الترجمة وما رافقها من الاطلاع على التراث الإغريقي والتلاقح المعرفي مع الغرب.

لكن؛ لم تدم الحال هكذا، خاصة مع سقوط بغداد على يد المغول ودخول الشرق في عصر أقل ما يقال عنه ٱنه مظلم. وصولاً إلى العثمانيين الذين لم يروا في رعاياهم من العرب وغيرهم إلا عبيدًا مُلزمين بدفع الضرائب للوالي العثماني المخول من الخليفة بذلك.

استمر العرب وبقية الشرق-أوسطيين قابعين في غياهب السجن العثماني الكبير لمدة أربع قرون متتالية، قبل أن تنهار الخلافة وتتسع فسحة الأمل خصوصًا مع الاتصال البريطاني اللاحق مع مصر والعراق لتنشأ لدينا ملكيات دستورية عصرية على النمط البريطاني استبشرنا بها خيرًا. قبل أن يبدأ الانقلابيين من العسكر في الخمسينيات من القرن الماضي بقيادة جمال عبد الناصر في مصر وعبد الكريم القاسم في العراق بانقلابات دموية مُتسببين بسقوط الملكيات الفتية وقيام جمهوريات ذات طابع عسكري في اثنين من أكثر الدول تأثيرًا في الشرق الأوسط.

مع وصول الخميني إلى السلطة محملاً بباقات الورد من اليسار الغربي لحقت إيران والعراق ومصر في الانهيار. بعثت الخلافة من المقبرة بحلتها الجديدة “ولاية الفقيه” معلنة بذلك عن عودة صراعات طائفية دموية ليس لها مثيل. والحال لا تختلف كثيرًا بالنسبة لمعظم البلدان العربية المجاورة فيما عدا الخليج. ولهذا خرجت الشعوب الشرق أوسطية مفلسة حضاريًا وبدون ما أسميناه “رأس المال التاريخي“، بعد أن أجهض القوميون أحلامنا وسلب الاشتراكيون منا كرامتنا وتبعهم الإسلاميون في تخريب ما تبقى من مظاهر الدولة.

  • بواسطة: حسين حبيب
  • دققته لُغويا: نور عبدو
تعليقات
جاري التحميل...