شغف المعرفة

عقود غير مكتملة

إذا قمت بتوظيف عامل جديد في مقاولتك، بناء على سيرته الذاتية التي تتضمن تجاربه المهنية السابقة وشواهده التي حصل عليها وعلى المقابلة التي أجريتها معه، فإنه رغم كل المعلومات التي جمعتها حوله لا تضمن أن تكون إنتاجيته في المستوى الذي تتمناه، لهذا تضعه في العادة موضع اختبار قبل أن ينتقل عقده من عقد مؤقت قابل للفسخ في أي لحظة إلى عقد دائم، وهناك من المتعاقدين من يحافظ على مستوى مرتفع من العمل في المرحلة التجريبية إلى أن يتحول عقده إلى عقد دائم فيتراخى إن لم يتكاسل في عمله.

إن المشغل يكون معرضا لما يسميه الاقتصاديون بمشكلة “عدم تناظر المعلومات” الذي تتفرع عنه مشكلتنا رئيسيتان في الاقتصاد والأسواق: “مشكلة المخاطر الأخلاقية” و”مشكلة سوء الاختيار”، ويدرس الموضوعان من طرف الاقتصاديين المتخصصين في “نظرية العقود غير المكتلمة”.

بدأت مغامرة دراسة العقود وطبيعة نظام التبادل (السوق) من طرف اقتصادي بريطاني شاب مغمور في حينه اسمه رونالد كوس (1910-2013) نشر في العشرينيات من عمره مقالا عن “طبيعة المقاولة”، ثم ما لبث أن تطور عمله خلال العقود التالية إلى أن أصبح تيارا قائم الذات في الاقتصاد السياسي، تقف خلفه اليوم أسماء اقتصادية كبيرة متوجة بجائزة نوبل في الاقتصاد، بدءا من رونالد كوس نفسه (نوبل 1991)، وأوليفر ويليامسون (نوبل 2009)، وأوليفر هارت وبنغت هولمستروم (نوبل 2016)، ويجمع أغلب الباحثين من هذا التيار على أن المتغيرات المستقبلية غير المتوقعة هي ما يجعل العقود غير مكتملة، وتقف “آليات التحكيم والمحاكم” عاجزة عن فحص المتغيرات التي تبنى عليها العقود بين الأطراف المتعاقدة، وعن قدرتها على عدم خفض مكاسب طرف ما من تلك الأطراف.

تمتد دراسات هؤلاء الاقتصاديين من أسواق التأمين وأسواق القروض إلى أسواق العمل، ففي الأخيرة يكون المشغِّل عرضة لأن يخل من يتم تشغيلهم بشروط العقد وأن يتحولوا إلى مجرد موظفين غير منتجين أو أجراء دون مردودية تذكر. وتستفحل هذه الظاهرة في القطاعين العام والخاص، ولكنها أشد وطأة في القطاع العام حيث الرقابة أقل، وتكاد تكون ظاهرة عامة في الاقتصادات النامية الريعية المحكومة بالفساد والرشوة والافلات من المحاسبة من أعلى سلم البيروقراطية إلى أدناه.

في السنوات الأخيرة وتحت تأثير ما قدمه رواد “نظرية العقود غير المكتملة”، الذين يشكلون بدورهم جزءا من تيار أعم يعرف ب”تيار الاقتصاد المؤسساتي الجديد” أصبحت بعض المؤسسات المالية الدولية المقرضة والمانحة والمراكز البحثية تنصح وتوجه الدول النامية إلى اعتماد صيغة التعاقد في التوظيف في بيروقراطية الدولة لتحقيق مستوى محترم من الإنتاجية، سواء سيرا على نهج بعض الاقتصاديات المتقدمة المعروفة بمرونة أسواق العمل (مرونة في التوظيف وفي التسريح) أو تحت تأثير هؤلاء الاقتصاديين، وقد بدأت بعض الدول في نهج ذلك فعلا، إلا أن هذه الصيغة الجديدة تتطلب شروطا أعمق من مجرد نصائح مكاتب الدراسات والخبرة العالمية، ومنها شرط أن يكون “العقد الاجتماعي” واضحا وعادلا ويقدم ضمانات للأفراد ومبنيا على أسس المواطنة وحقوق الإنسان وحكم القانون.

قبل أن تفكر هذه الدول النامية في تطبيق حلول تقنية لمعالجة مشاكل تنموية هيكلية، عليها أولا أن تضمن الشروط السياسية الضرورية لذلك. ففي بلدان يتم فيها التلاعب بالمؤسسات السياسية والدساتير المؤطرة للعقد الاجتماعي، الذي يعتبر العقد الأسمى من بين كل العقود، لا تمرر الإصلاحات الاقتصادية إلا بالقوة، وفي تلك الحالة تكون قد فشلت في تحقيق أهداف كثيرة في الطريق قبل أن تصل إلى مرحلة التطبيق، وتتحول التنمية إلى مجرد حبر على ورق تقارير الخبرة وليس واقعا يعيشه المواطن.

تعليقات
جاري التحميل...