شغف المعرفة

فلسفة العدالة والأخلاق من مختلف المدارسة الفلسفية والفكرية #4

رد الليبرتاريين على فكرة العدالة كإنصاف

بالنسبة لليبرتاريين فـ:

أولًا: يجب ألا تلعب الدولة دور الأب في تعاملها مع المواطنين.

ثانيًا: يجب عليها ألا تلعب دور الإله في المجتمع وتقرير ما هو صحيح وخاطئ، وألا  تقوم بنشر الأخلاق في المجتمع حسب نظرة الدولة أو الحكومة لهذه الأخلاق.

ثالثا: يجب عليها عدم التدخل من أجل إعادة توزيع الثورة من الغني إلى الفقير، وفي هذا الطلب الأخير يؤكد “نوزيك” أنه يجب أن تكون كل تلك الأدوات التي ساعدتهم في جمع الثروة أخلاقية أي بدون سرقة أراضي أو بضائع.

إذا كان التوزيع نتيجة قيام أشخاص بملء إرادتهم بالشراء و التجارة في السوق، فإذا وجدت هذه القرارات الثلاث فلا يجوز التدخل في ثروة الشخص وإكراهه على توزيعها.

لا يجب فرض الضرائب على شخص ثري بسبب امتلاكه للعديد من المال لأن هذا سيكون عدم احترام لحقوقه وحريته، حيث يُعد ذلك المال ملكه حتى لو كان فرض هذه الضرائب من أجل مساعدة الفقراء.

بالنسبة لنوزيك (الضرائب مثل أخذ ثمار عملي) عندما تقوم الحكومة بهذا فهذا يعني عمل قسري يعني أخذ وقتي وجهدي تمامًا، مثل ما تقوم به الضرائب لأخذ أموالي التي أكسبها بعملي أي كأخذ ساعات معينة من عملي وحياتي، وهذا يجعلني عبدًا.

نحن ملكٌ لأنفسنا وليس لأحد آخر، لهذا مبدأ النفعية يهدم هنا لأنه يخدم مصلحة الأغلبية على مصلحة الأقلية.

كان ميلتون فريدمان أيضًا ضد فكرة الضمان الاجتماعي (التقاعد إلى ما غيره من سياسات اجتماعية) ويعتبره خطأً وانتهاكًا لحرية البشر أن تجبر الحكومة الجميع على ادخار بعض أموالهم من أجل مرحلة التقاعد. لا يجب إكراه شخص ما واستغلاله من أجل المصلحة العامة لأن ذلك ينطوي على التشكيك بحقيقة أننا نملك أنفسنا.

هناك البعض ممن يبررون فرض الضرائب على الأغنياء بقول: “ألا يدين الأغنياء بنجاحهم للمجتمع؟”.

لا يُعتبر هذا حجةً من أجل القيام بهذا العمل الإكراهي، لأن المجتمع أيضًا انتفع من مشاهدة أدائه ومَن ساعده قد تلقى أجرًا لهذا.

هناك أيضًا من يفترض أنه خطأ أن يكون لكل شخص الحق بملك ذاته بينما يعيش ضمن مجتمع، وعند التواجد في مجتمع يجب التخلى عن هذا الحق، لأنه إذا أردت قتل أحدهم لأنه أساء إلي فهو ملك للذات ولأنني أعيش في مجتمع لا يمكنني فعل هذا، أي لا يجب علي تجاهل الناس في هذا المجتمع الذي أعيش فيه. نفتقد حقنا في ملك الذات اذا اخترنا العيش ضمن مجتمع.

يحارب الليبراليون فكرة بناء مجتمع العدالة به تسمح باستغلال بعض الناس من أجل مصلحة أشخاص آخرين أو مصلحة العامة، ويحاربون هنا فكرة النفعية المتمثلة باستغلال الناس كوسيلة للسعادة الجماعية ويضعون حد لهذا المنطق النفعي لاستغلال الناس عن طريق ترسيخ فكرة أننا نحن من نملك أنفسنا.

– ما هي العواقب المترتبة على التشكيك بصحة فكرة ملكية الذات بالنسبة لنظرية العدالة والحقوق؟ هل يعني هذا أننا عدنا إلى مبدأ النفعية واستغلال الناس وتجميع التفضيلات؟

–  قال لوك: “تنشأ الملكية الخاصة لأنه عندما ندمج عملنا مع الأشياء غير المملوكة نصل إلى اكتساب حق ملكية تلك الأشياء، والسبب هو أننا نملك عملنا، والسبب في ذلك أننا مالكون لأنفسنا”، يقوم لوك بالتأكيد على أنه يمنع كليًا أن تقوم حكومة ما حتى لو كانت منتخبةً ديمقراطيًا بالتدخل في الحقوق الطبيعية للمواطن (الحياة، والحرية، والملكية) ويذهب لأبعد من هذا، ويقول بأن حق الملكية حق طبيعي وُجِد قبل النظام السياسي وهو حق يرجع للبشر قبل نشوء الحكومة، وبالنسبة له في حالة الطبيعة هناك أيضًا قانون وهو قانون الطبيعة.

لا نستطيع التخلي عن الحقوق الطبيعية ولا حرمان شخص آخر منها، أي لست حرًا في قتل شخصٍ آخر أو أخذ حريته أو ملكيته أو جعل شخص آخر عبدًا لك.

اقرأ أيضا: الحقوق الطبيعية عند جون لوك

بالنسبة لجون لوك، فإن ما يتطلبه الأمر لتصبح عملية فرض الضرائب مشروعة هو أن تكون عبر الموافقة، ليست موافقة بيل غيتس نفسه على أنه هو من يجب أن يدفع الضريبة وإنما موافقتنا جميعا هو ونحن الذي خرجنا من حالة الطبيعة وأسسنا الحكومة.

بالنسبة لِلوك فإن موافقتك الضمنية من خلال الاستفادة من الخدمات الحكومية طوعًا فإنك تمنح موافقتك ضمنًا على أن تأخذ الحكومة منك بعض الأشياء مقابل ذلك. هذا جواب على أننا لم نوقع أو نقبل على العقد الاجتماعي بل فقط ولدنا ووجدنا نفسنا هنا وسط المجتمع المدني. ويعني لوك بهذا أنه لا يمكن أن تأخذ من الحكومة خدمةً ما بدون مقابل، ولهذا يجب عليك إذا أردت حالة الطبيعة ألّا تتمتع بخدمات حكومية.

تكلم جون لوك حول سياسة التجنيد الإجباري وعارض فكرة عملية انتقاء مواطن أو مجموعة محددة للتجنيد لأن هذا إجراء تعسفي، لكن طالما لا توجد سيادة تعسفية للقانون، فهذا الأمر مسموح به، بل يقبل بحكومة شرعية تأخذ بقانون عام على الجميع وهذا بتصويت عام و قرار أغلبية، تكبح الحكومة القائمة على الموافقة بالنسبة لوك جماح الملوك والحكام التعسفيين.

يعارض الليبيرتاريون لوك في نقطتين:

  • حدود الحكومة التي لا يمكن تجاوزها حتى بموافقة الأغلبية.
  • التجنيد الإلزامي ضد الحق في الحياة وامتلاك الذات.

يمكن للرقيب بأن يقوم بفرض على ضابط عسكري الوقوف في وجه دبابة أو الموت أو عصيان أمرٍ ما ولكن ليس لديه الحق في القيام بأخذ أمواله لأنه لا يمت بأي صلة بالسلطة الشرعية و سيكون أمر تعسفيًا وفاسدًا.

إذًا مسألة الموافقة عند لوك لا يُقصد بها موافقة الفرد على فرض ضريبةٍ معينةٍ أو إطاعة أوامر عسكريةٍ وإنما الموافقة على الانضمام إلى الحكومة والالتزام بالأغلبية في المقام الأول، تُعتبر الموافقة أداةً أخلاقيةً قويةً في تشكيل السلطة السياسية والالتزام بالطاعة.

بالنسبة لليبرتاريين فإنه لدينا حق الحياة وامتلاك الذات، والحكومة تنتهك هذا الحق من خلال التجنيد الإلزامي وهناك من يقول أن الحكومة منتخبةٌ ديمقراطيًا وأنها تتمتع بسلطةٍ شرعيةٍ ويلزمنا طاعة أوامرها، وهذه الطاعة من أكثر الاشياء التي تحاربها وتنتقدها الليبرتارية والليبرالية الكلاسيكية.

في الحرب الأهلية الأمريكية كان يمكن للشخص بأن يرفض التجنيد الإلزامي الذي يكون بطريقةٍ عشوائيةٍ بالقيام بدفعٍ لشخص آخر ثمن معين من أجل المحاربة بدلًا عنه. يُرى هذا الفعل من ناحيةٍ غيرَ أخلاقي بسبب أننا نعطي قيمةً لحياة الإنسان، ومن ناحيةٍ هو فعلًا أخلاقي بسبب أن الشخص يقوم بالاختيار بإرادته إذا كان المبلغ يناسبه أو لا من أجل المخاطرة بحياته. أما بالنسبة لنظام تجنيد تطوعي فتكون القضية الأولى هي الوطنية والدفاع عن الوطن وبعدها المال.

يدمر هايك بشكلٍ سلسٍ فكرة العدالة هي الإنصاف (العدالة الاجتماعية) بحيث يقول:

“العدالة الاجتماعية هي مطالبة الحكومة بمعاملة أناس مختلفين بطريقةٍ مختلفةٍ لكي تضعهم في نفس المكان. تنطبق قاعدة المعاملة المتساوية فقط على الأشياء التي يتوجب على الحكومة عملها على أي حالٍ لكن جعل الناس متساويين كهدف لسياسة الحكومة سيجبر الحكومة على معاملة الناس بطريقةٍ غير متساوية بالفعل”.

تظهر هذه المقولة واقع السياسات الحكومية من أجل فرض العدالة الاجتماعية والمساواة الشيء الذي دائمًا يؤدي لمعاملة مواطنين بطريقةٍ أفضل من مواطنين آخرين، وتصبح الحكومة بتدخلها من أجل فرض المساواة والعدالة الاجتماعية تستعمل وسائل غير عادلة ولا مساواتية من أجل الوصول لغايتها.

  • إعداد: محمد مطيع
  • تدقيق لغوي: رأفت فياض
تعليقات
جاري التحميل...