شغف المعرفة

فلسفة العدالة والأخلاق من مختلف المدارسة الفلسفية والفكرية #3

أطروحة روبرت نوزيك:

يُعتبر نوزك فيلسوف ليبيرتاري، بمعنى أنه ينطلق من الحرية الفردية كمبدأ أولي للحق الإنساني والحرية على أنها المبدأ الأسمى للجميع. يندرج خلافه مع رولز حول منظور العدالة تجاه توزيع الثروات والممتلكات. ينطلق رولز من مبدأ إخضاع توزيع الثروات العامة والمناصب الرسمية لمبادئ العدالة، أما نوزك فينطلق من مفهوم استحقاق التملك، أي أن حق التملك داخل ضمن حرية الفرد الأساسية وبأن هذا الحق لا يمكن اختراقه أو تجاوزه.

 يضع نوزك ثلاثة مبادئ لنظريته في العدالة:

أولا: مبدأ التملك وهو أن كل شخص لديه الحق في امتلاك ما حصل عليه بشكل عادل.

ثانيا: مبدأ التحويل وهو أن الشخص يستحق امتلاك ما حصل عليه بناءً على تحويلٍ من شخص كان قد حصل عليه بشكلٍ عادلٍ، نقل الملكية من شخصٍ لشخص آخر أي كمثال عن طريق الميراث أو وصية من طرف شخص امتلك هذه الملكية بطريقةٍ شرعية وبجهده.

ثالثا: أنه لا يوجد استحقاق للملكية الخاصة دون أن تحقق واحترام المبدأ الأول والمبدأ الثاني.

من خلال هذه المبادئ نجد أن هذه النظرية تفرض الضرائب لغير غرض حفظ أملاك الأفراد وأمنهم وهذا ما يُسمى بدولة الحد الأدنى التي ينادي بها روبرت نوزيك وعددٌ كبير من المفكرين الليبرتاريين، أي الدولة التي تشرف فقط على تطبيق العقود بين الناس وتحفظ الأمن لا أكثر. لا يحق للدولة هنا فرض ضرائب لتوفير خدمات صحية أو تعليمية أو أي شيء آخر، وتُترك كل هذه الأمور للناس يقومون بها بحسب توافقهم الحر، هنا ليس لأحد فرض ضريبة على الآخرين لأغراض من هذا النوع، فكلّ عملٍ اجتماعي يجري طوعًا واختيارًا وليس إكراهًا من أحد للقيام بهذا العمل.

الليبراليون الكلاسيكيون والليبرتاريون ليسوا ضد مساعدة الأغنياء للفقراء، ولكنهم ضد أن تُفرض هذه المساعدة على الأغنياء بالإكراه وشرح آدم سميث هذا في مقولته التالية:

“إذا لم يقدم الناس يد العون للآخرين عند المقدرة أو عندما يعجزون عن رد الجميل، فحينها ندعوهم قساة القلوب أو ناكري الجميل، لكننا لا نعاقب الناس لإجبارهم على فعل الخيرات، وإنما تقتصر العقوبة على أفعال تتسبب في ضرر حقيقي أو تهدف إليه. إننا نجبر الناس فقط على الامتثال لقواعد العدل، لأن في المجتمع لا يمكنه الاستمرار دونها”.

إن المقصود بالعدل عند آدم سميث هو دفع الضرر، و ليس الوصول بالخير إلى أقصى درجاته.

فحين تقوم الدولة بفرض ضرائب لكي تعيد من خلالها توزيع المصادر داخل المجتمع فإنها تجبر أو تقوم بإكراه هذا المجتمع على الحركة في سياقات ثابتة تتعارض مع حرية الأفراد في الاختيار وحقهم في التملك، وبالنسبة لنوزيك فإن كل مجتمع يجب أن تترك له الحرية للاختيار والحركة والتعامل من دون تدخل الدولة.

في معارضة روربرت نوزيك لفكرة جون رولز للعدالة على أنها هي الإنصاف قدم تجربة فكرية جميلة بمثال حول كرة السلة الاحترافية في أمريكا.

كان ولت تشامبرلين أكثر لاعبٍ ذي شعبية كبيرة عندما أتى نوزيك بهذا المثال، فافترض نوزيك الآتي: ماذا لو أن تشامبرلين وهو على الأرجع أشهر رياضيي عصره قرر أنه لن يلعب إلا بشروط محددة؟ لو قرر تشامبرلين أن أسعار تذاكر المباريات التي يلعب فيها يجب أن تزيد بخمسة وعشرين سنتًا عن المباريات التي لا يلعب فيها، وعلاوةً على ذلك يجب أن يكون أجر تشامبرلين أكثر بمئة ألف دولار عن اللاعبين الآخرين. وبما أن تشاتمبرلين يتمتع بشعبية كبيرة، فإن الجميع يعلم أن عددًا أكبر من الناس سيحضرون لمشاهدة مبارياته حتى لو كان سعر التذاكر أعلى، لذا وبما أنه الورقة الرابحة أليس من حقه أن يطلب أجرًا أعلى من أجور زملائه في الفريق؟

يرى نوزيك أنه ليس باستطاعتنا ويجب علينا ألا نحاول أن نعادل فرص المساواة المتباينة بشكلٍ طبيعي، بالتأكيد نحن نبدأ حياتنا بمقادير متفاوتة من الأشياء لكن كل منا حسب رأي نوزيك مسؤول عن الأشياء التي يملكها ما لم يسرقها أو يحصل عليها بدون وجه حق، لذا إن كنت أشهر لاعب كرة سلة في العالم فإن لك الحق في أن تملك وأن ترغب بامتلاك أشياء أكثر حتى لو لم يمتلكها الآخرون، إذا كانت مهارات تشامبرلين في كرة السلة تفسح له المجال لتكديس الثروات بينما يجوع آخرون غيره ففي الواقع ذلك ليس خطأ تشامبرلين. (معلومة خارجية يُعتبر ويلت تشامبرلين محطم رقم قياسي في كرة السلة بتسجيله لـ100 نقطة في مباراة لوحده).

قام الليبرتاريون بنقد نظرية مبدأ الاختلاف لرولز وكانت حججهم كالتالي:

– الحوافز: هناك قضية الحوافز، فإذا قامت الحكومة برفع الضرائب على البعض لأنهم ناجحون وبارعون في عملهم فهكذا يُقتل الحافز لقيام الشخص بعمل ما والتطور.

– الجهد: ماذا عن الأشخاص الذين يعملون بجدٍ كبير ولهم الحق بما يكسبونه، لماذا ستقوم بإكراههم لإعطاء ما جنوه بجهدهم لشخص آخر لا يقوم بأي جهد ويقوم بإمضاء يومه في الراحة، والكسل، والاستجمام بأموال شخص آخر عمل بجهد من أجل هذا المال.

– الاعتراض الآخر من عند الليبرتاريين وهو ملكية الذات يقول فريدمان:

“الحياة ليست عادلة، ومن المغري الاعتقاد أن بإمكان الحكومة إصلاح هذا الخلل الذي أحدثته الطبيعة”.

يرد رولز:

“إن التوزيع الطبيعي (المواهب و القدرات الفطرية) هو ليس عدلًا و لا جائرًا، ليس في الأمر إجحاف إذا ولد بعض الأشخاص في مركزٍ معين. فهذه ببساطة حقائق طبيعية يكمن الإنصاف والإجحاف في الطريقة التي تتعامل من خلالها المؤسسات مع هذه الحقائق”.

ويضيف فريدمان ردًا على أفكار المساواتيين:

“إن المجتمع الذي يضع المساواة قبل الحرية لن يحقق أيًّا منهما، فاستخدام القوة لفرض المساواة سيدمر الحرية، كما أن القوة التي تُطبق لأغراض حميدة عادةً ما تثمر لدى أفراد يستخدمونها لتعزيز مصالحهم الشخصية”.

لكن لم يأتِ النقد الحقيقي لرولز من فريدمان بل من روبرت نوزيك حول فكرة ملكية الذات التي وضعها.

ويقول نوزيك ردًا على رولز: “ربما يكون من الجيد إنشاء برامج التربية المبكرة والمدارس الحكومية بحيث يتسنى للجميع الالتحاق بمدارس لائقة والبدء بخوض السباق من نقطة الانطلاق نفسها. قد يكون هذا الأمر جيدًا ولكنك إذا فرضت الضرائب على الناس لإنشاء مدارس حكومية واستطعت أخذ جزءٍ من دخلهم رغمًا عنهم، فإن ذلك إكراهٌ بالقوة ونوع من السرقة. والسبب في ذلك أنه يتوجب علينا التفكير بأنفسنا على أننا نملك مواهبنا و ملِكاتنا، لأنه خلاف ذلك سنعود لاستخدام الناس و إجبارهم بالقوة”.

  • إعداد: محمد مطيع
  • تدقيق لغوي: رأفت فياض
تعليقات
جاري التحميل...