شغف المعرفة

فلسفة العدالة والأخلاق من مختلف المدارسة الفلسفية والفكرية #2

أطروحة جون رولز:

يرى الفيلسوف جون رولز بأن كلّ شخصٍ يتمتع بحصانةٍ تقوم على العدالة ولا يجوز انتهاكها أو تغليب أيّ مصلحةٍ عليها حتى لو كانت رفاهية المجتمع، فالحقوق التي تضمنها العدالة لا تخضع للمساومة السياسية أو لحسابات المصالح الاجتماعية.

يقول بأنه يمكن استخلاص مبادئ العدالة إذا فُهِمت بالشكل الصحيح من العقد الاجتماعي الافتراضي وليس من العقد الفعلي.

يرى رولز أن طريقة الحصول على هذه الحقوق الأساسية التي يجب علينا أن نحترمها، الإطار الرئيسي للحقوق والواجبات هي أن نتصور أننا اجتمعنا معًا في محاولةٍ لاختبار المبادئ التي تحكم حياتنا الجماعية دون أن نعرف بعض الحقائق المعينة والمهمة حول أنفسنا. هذه هي فكرة جون رولز لحجاب الجهل. Veil of Ignorance

لشرح أكثر فكرة حجاب الجهل لجون رولز فهو يعني بها أن الأطراف فيما يُسمى بـ “الموضع الأصلي” لايعلمون شيئًا عن قدراتهم، وأذواقهم، وطبقاتهم داخل المجتمع. فحجاب الجهل يحجب هذه المعرفة، بحيث أن المرء لا يعرف ما هو العبء أو الامتيازات الاجتماعية التي سترسو عليه بعد أن يُكشف هذا الحجاب.

مع حجب هذه المعرفة، يجب على هذه الأطراف في “الموضع الأصلي” أن تقرر تلك المبادئ التي يقوم عليها توزيع الحقوق، المناصب، والموارد في المجتمع. كما قال راولز:

“لا يوجد أحد يعرف موقعه في المجتمع، ولا طبقته الاجتماعية أو حالته، ولا يعرف حتى نصيبه من التوزيع للموارد الطبيعية ولا القدرات، ولا ذكاؤه ولا قوته ولا هيئته”.

تكمن الفكرة إذن في نزع القيمة من هذه الاعتبارات الشخصية، والتي، أخلاقيًا، لا علاقة لها بعدالة أو لا عدالة المبادئ التي يقوم عليها توزيع ميزات أو عوائد التعاون الاجتماعي.

على سبيل المثال، في المجتمع الخيالي، قد يكون المرء ذكيًا غنيًا أو مولودًا في طبقة اجتماعية أعلى وربما يكون بالعكس أي يكون ذا قدراتٍ ذهنيةٍ محدودةٍ وفقيرًا وفي طبقةٍ اجتماعية أدنى. بما أن المرء قد يكون في أي موضع في المجتمع عندما يُرفع الحجاب فهذه الأداة ستجبر الكل ليرى المجتمع من وجهة نظر الأفراد الأسوأ حالًا داخل المجتمع.

يرى رولز أنه عند اجتماعنا لعقد اجتماعي ستكون عدة اختلافات مبنيةً على المصالح (واحد ضعيف والآخر قوي، واحد غني والآخر فقير…) لهذا يجب أن نكون في مساواةٍ لتحديده، وستكون هذه المبادئ هي حق مبادئ العدالة.

لا يعني الاتفاق الجماعي أن تلك القوانين التي اتفقوا عليها جميعًا كانت عادلة مثال العبودية مع دستور أمريكا.

ما هي إذا القوى الأخلاقية للعقود الفعلية؟

الحدود الأخلاقية للعقود الفعلية:

الاتفاق الفعلي ليس شرطًا كافيًا ليكون ملزمًا، هناك أيضًا الالتزام القائم على الموافقة والمنفعة، ويجب تمييز الفرق بين الجانبين المختلفين بحجج العقود:

العقود الفعلية تتمتع بقوتها الأخلاقية بموجب مفهومين مميزين هما الاستقلالية والتبادلية (المعاملة بالمثل).

لكن في الواقع قد تكون جميع العقود الفعلية قاصرةً وتفشل في تحقيق هذين المفهومين اللذين يمنحنان العقد قوته الأخلاقية.

قد يكون مفهوم الاستقلال هو وجود اختلاف في القوة التفاوضية للأطراف، ومفهوم التبادلية هو وجود اختلاف في المعرفة بين الطرفين. والآن لنرى أنه لا يوجد تضارب بين الطرفين، وكان الأشخاص متطابقين في العقد. هذه نظرة رولز للعقد الافتراضي خلف ستار الجهل الذي يخلق حالةً من المساواة تجعلنا ننسى الاختلافات بيننا في القوة والمعرفة التي قد تؤدي لنتائج غير عادلة.

يرى رولز أن أفضل مبادئ العدالة هي التي نستخلصها من العقد الافتراضي مع التأكيد على أهمية التوصل لهذا العقد الافتراضي من موقع يكون جميع المشاركين فيه على قدم المساواة، أي من موقع ستار الجهل.

المبادئ هي:

– أن نرضى بأن نقايض حقوقنا وحياتنا الأساسية مقابل أي من المزايا الاقتصادية. (ضد مذهب النفعية)

-مبدأ الاختلاف: الذي ينص على السماح بوجود تباينات اجتماعية واقتصادية فقط إذا عادت بالفائدة على الأشخاص المعدمين. يعني أن نعترف بالاختلاف في الدخل والثروة اذا كانت تعمل لصالح الجميع.

-رأي رولز في نظام الجدارة هو أن هذا النظام لا يذهب بعيدًا بما فيه الكفاية لمعالجة أو تناول مسألة الاعتبارية الأخلاقية للقرعة الطبيعية. رولز يقول أن:

“أولئك الذين منحتهم الطبيعة مهاراتٍ معينةً، يمكنهم أن يجنوا الأموال، ولكن فقط وفقًا لشروط من شأنها أن تحسن حالة الأشخاص الذين يفتقرون لتلك المواهب”

وهذا هو مبدأ الاختلاف.

يرى رولز بأنه حتى الجهد الذي يبدله بعض الناس، كالاندفاع الواعي والأخلاق المهنية، حتى الجهد يعتمد بشكلٍ كبير على الظروف العائلية المحظوظة التي لا يمكننا الادعاء بأن لنا أي فضل فيها.

من بين السياسات التي طُبِّقت في أمريكا من أجل تطبيقٍ فعلي لفكرة العدالة كإنصاف كانت سياسة التمييز الإيجابي Affirmative Action التي تقوم بها مختلف الجامعات الأمريكية اليوم.

هذه السياسة تأخذ بعين الاعتبار مسألة العرق والخلفية العرقية لكل طالب يريد الالتحاق بالجامعة.

كمثال فإن جامعة تكساس تعمل بمقتضاها، وتقول بأن ما يقارب 40% من سكان تكساس هم أفارقة ومكسيكيون، لذلك من المهم جدًا لنا في كلية الحقوق أن يكون لدينا مجتمع طلابي متنوع، وبالتالي لن نأخذ بعين الاعتبار مسألة الدرجات ونتائج اختبارات القبول فقط، وإنما التركيبة السكانية للصفوف بما في ذلك الجانب العرقي والإثني.

وهناك مثال لإشكالية حدثت بسبب هذه السياسة كانت هناك طالبة أمريكية تسمى هوبوود  تريد الالتحاق بالجامعة فرُفِضت بالرغم من كونها متفوقة ومتعادلة مع نقاط أشخاص آخرين، وسبب رفضها كان أنها بيضاء، وقامت برفع دعوة ضد الجامعة لأنه لو كانت من الأقليات لقُبِلت.

ووصلت الإحصائيات إلى المحكمة، ووُجِد أنه قد قُبل بعض الأفارقة والمكسيكيين ممن كان لديهم نفس درجة هوبوود.

-يرى المدافعون عن التمييز الإيجابي أنه من العدل القيام بهذا الأمر، لأن بعض الأقليات قد لا يجدون نفس إمكانيات التي تتوفر للبيض في الدراسة لأنهم أغنياء يلتحقون بمدارس جيدة، ولهذا يتمكنون من تحقيق معدلات جيدة من أجل القبول بعكس الأقليات لهذا يجب علينا أن نتدخل لمساعدتهم و لكن بالنسبة لي (للإجابة على هذا الأمر فيجب أن نرى إحصائيات هل جميع البيض أغنياء اذا كان العكس فهذه الحجة باطلة و هذه هي العنصرية الحقيقية).

إن تحديد القبول الجامعي استنادًا على عوامل لا يستطيع الناس السيطرة عليها هو أمرٌ ظالمٌ بشكلٍ تامٍ.

حجج الدفاع عن هذا التمييز هي:

– تصحيح الاختلافات: الخلفية التعليمية مثل نوع المدرسة التي يرتادها الطالب.

– الحجة التعويضية: التعويض عن الإساءات والأخطاء الماضية مثل العبودية.

– التنوع: من أجل تعزيز الخبرة التعليمية لجميع الطلاب/ الهدف الاجتماعي أي تحقيق وتطبيق الصالح العام في حال كان موجود تنوع عرقي وإثني في الهيئة الطلابية.

تظهر هذه الحجج ساذجة عند تحليلها، هل من العادل على الطالبة هوبوود أن تقدم تضحيةً وتدفع التعويضات عن الظلم دون أن يكون لها أي ضلوعٍ بالأمر؟ وهل يُعتبر جميع البيض أغنياء ومن خلفية دراسية جيدة فقط بسبب لون بشرتهم ؟

أما قضية التنوع فإذا لم تكن من أصحاب النفعية والجماعاتيين فستتفق أن حق الفرد وحق الطالبة قد انتُهِكا من أجل فكرة الصالح العام. يجب تقييم الأفراد وفقًا لتميزهم، و جهدهم، وعملهم الجدي، وإنجازاتهم.

يرى البعض بما أن هارفارد مدرسة خاصة فيمكن لها اختيار ما تريد من معايير، لكن هذا لا يعني أن ما قامت به هو الفعل الصحيح ، لأنه كمثال على جامعة تكساس للحقوق نفسها التي تطبق التمييز الإيجابي في الخمسينيات رفعت قضية ضدها بسبب كونها لا تقبل الزنوج فقامت برفع رسالة بنفس المقتضى بأنه لا توجد شركة محاماة توظف أمريكيين أفارقة، وبنفس المنطق سنعتبر أن ما قامت به طبيعي وصحيح، وتكون الحجة بالرسالة الاجتماعية والصالح العام التي تسعى له الجامعة نفس حجج التمييز الإيجابي، وأيضًا كيف كانت هارفارد تمنع اليهود في الثلاثينات من الدراسة فيها.

  • إعداد: محمد مطيع
  • تدقيق لغوي: رأفت فياض
تعليقات
جاري التحميل...