شغف المعرفة

في وداع هارولد ديمسيتز

يوم 4 يناير 2019 انطفأ الاقتصادي الأمريكي هارولد ديمسيتز (1930-2019) عن عمر يناهز 88 عاما. كان ديمسيتز أستاذا مرموقا للإقتصاد في جامعات عدة وعلى رأسها جامعة كاليفورنيا (لوس أنجليس)، وزميلا أول في الجمعية الاقتصاية الأمريكية، وعضوا في الأكاديمية الأمريكية للعلوم والفنون، وعضوا في جمعية مون بيلران التي تشكل ناديا للمفكرين والاقتصاديين الليبراليين الكلاسيكيين عبر العالم.

بدأ ديمسيتز نشر أعماله منذ نهاية ستينيات القرن الماضي، لكن أهم مقال نشره كان حول “الإنتاج وتكاليف المعلومات والتنظيم الاقتصادي” (1972)، ومقاله الآخر الأكثر أهمية “نحو نظرية لحقوق الملكية” (1967)، وكان في ذلك التاريخ أستاذا في جامعة شيكاغو، مركز الاقتصاديين المدافعين عن السوق الحرة غير المقيدة.

لقد سعى ديمسيتز من خلال ذلك المقال إلى وضع معالم نظرية خاصة لحقوق الملكية، حتى أن الجزء الأول من المقال خصص كاملا لتعريف حقوق الملكية، فيما خصص جزء ثان لدراسة الوضعيات التي تنبثق  فيها هذه الحقوق، وخصص الجزء الأخير لدراسة بنيتها. ويعد هذا المقال الأول من نوعه، في محاولة لتأسيس نظرية متكاملة خاصة لحقوق الملكية.

لم يبدأ النقاش حول أهمية حقوق الملكية الفردية مع ديمستز، بل قبله بعدة قرون. ولم تبدأ الحضارة الإنسانية في التقدم والتطور إلا لما صان الإنسان حقوقه الثلاثة الأساسية؛ وهي الحق في الحرية والحق في الحياة والحق في الملكية. وإن أعطي للحقين الأولين اهتمام كبير من طرف الفلاسفة والمفكرين على مر التاريخ، فإن الحق في الملكية تم التعامل معه بقليل من التجاهل. حتى ظهر الفلاسفة التجريبيون البريطانيون الكبار جون لوك وديفيد هيوم وآدم سميث وأتباعهم اللاحقون.

كل شخص يتمتع بملكية ذاته، ولا ينازعه في هذا الحق أي شخص آخر. وثمرة عمل جسده وصنع يديه، تعد من ممتلكاته.

جون لوك

لقد أقر جون لوك (1632-1704) مثلا بشكل واضح أن “كل شخص يتمتع بملكية ذاته، ولا ينازعه في هذا الحق أي شخص آخر. وثمرة عمل جسده وصنع يديه، تعد من ممتلكاته.“، وأكد ديفيد هيوم (1711-1776) أن “الملكية العامة خربت الأرض من خلال الاستخدام المفرط؛ لأن أحدًا لا يحقق استفادة تجارية من الحفاظ عليها على الأمد البعيد“، والحل يكمن في تحويل الأملاك العامة إلى ملكيات خاصة، لأن رعاية الأفراد هي وحدها الأقدر على حماية الملكيات وصيانتها واستغلالها بالطريقة الأمثل. أما آدم سميث (1723-1790)، فقد قام بمقارنة فريدة بين الإنسان الحيوان، وأقر أن ما يميز الإنسان حقا عن الحيوان إنما هو التملك، ففي نظره، “لم يسبق أن رأى أحد حيوانًا يشرح لحيوان آخر بحركاته وصيحاته الطبيعية أن هذا الشيء ملكي وأن ذاك ملكك؛ وأنني مستعد لمنحك هذا مقابل ذاك“.

أما من بين الأفكار العجيبة التي وردت في هذا الشأن، فهي ما ذكره جون كينيث غالبريث في تأريخه للفكر الإقتصادي عن قول أرسطو “كم تكون السعادة أكبر عندما يشعر شخص ما أن شيئا ما هو ملك خاص له“، وهذا يؤكد أن حب الإنسان للتملك أثار انتباه المعلم الأول منذ زمن بعيد.

وطوال قرن من الزمن جربت مجتمعات إلغاء هذا الحق الفردي الأصيل، وتحويل الملكيات الفردية إلى ملكيات عامة، ووضعها تحت إشراف بيروقراطيات وسياسيين لكنها فشلت، بل جلبت لنفسها الفقر والبؤس والانهيار الاقتصادي. ومؤخرا، رأينا كيف أن دولة كوبا الشيوعية غيرت دستورها لتمنح حق الملكية الخاصة لمواطنيها، وهو استسلام لقانون طبيعي لا يمكن إلغاؤه. ولم يبدأ الاقتصاد الصيني الذي يعد اليوم الأكثر نموا في العام في التطور إلا بعد الإصلاحات الإقتصادية التي بدأت 1978، والتي أعطت للخواص حقوق استغلال بعض الأراضي والملكيات، في قطيعة مع النظام الشيوعي الذي كان سائدا قبل ذلك.

لقد انتبه ديمسيتز لأهمية مؤسسة حقوق الملكية في خلق الرخاء الاقتصادي والتقدم، وقدم إسهامات كبيرة في هذا الشأن. لكن المؤسف في سيرته، هو أنه لم ينل تكريما من أكاديمية نوبل مقابل إسهاماته الكبيرة في النظرية الاقتصادية، وهذا يعد من بين أخطائها الفادحة.

تعليقات
جاري التحميل...