شغف المعرفة

الطبيعة البشرية أو: لماذا يجب أن تكون محافظاً؟!

William Merritt Chase (American, 1849-1916). The Moorish

من بين كل المناظر الخلّابة التي تأسر أنظارنا، أجد منظر الشباب المثقف الذي يفتّش أوراق الكتب عن جوابٍ يرضي فضوله أكثر المناظر إلهاماً وجمالاً، فالفتى الذي يفحص نظريات أينشتاين ليفهم أسرار الكون هو لوحة تخلّد طموح الإنسان، والفتاة التي تقرأ أفلاطون لتأمل مغامرات العقل الإنساني تجسيدٌ لمثال الحياة في نظرية المثل. ولكن من المؤسف أن فضولهم الذي يمتدُّ من أعماق المحيطات الى أبعد الكواكب في الفضاء، لم يسأل سؤالاً واحداً عن طبيعة الإنسان، رغم أن الإجابة عن هذا السؤال قد تكون أهم من إجابة أي سؤال آخر؛ فهي التي تحدد موقف الإنسان من السياسة والمجتمع والاقتصاد، وإن إهمال هذا الموضوع الحساس له تأثير سيءٌ جداً على تفكير الفرد؛ لأنه في الغالب السبب الرئيسيّ وراء اعتناق كل النظريات المضرّة للمجتمع؛ لذلك قرَّرتُ كتابة تفسيرٍ مختصر لطبيعة الإنسان عسى أن يكون شعلةً تضيء هذا الكهف المظلم لمن لم يدفعه الفضول لدخوله بعد.

وأظن أن أفضل بدايةٍ لفهم طبيعة الإنسان هي دراسة بدايته. لقد ظهر الإنسان على هذا الكوكب قبل ثلاثمائة ألف سنة من الآن. وقد كان ضعيفا جداً بالنسبةً لبقية الحيوانات؛ إذ لم يكن يملك مخالباً يدافع بها عن نفسه، ولا أجنحةً ترفعه فوق مستوى التهديدات، ولا سماً يضع له هيبةً بين الحيوانات، وقد كان أبطأ من أن يركض من الأخطار، وأضخم من أن يختبئ منها، ولم يملك أذرعاً قوية تساعده على التنقّل بين الأشجار، ولا شعراً كثيفاً يحميه من البرد، ولا جلداً سميكاً يصدّ به طعنات الطبيعة. لقد كان أشبه بتجربة بايولوجيةٍ فاشلة.

و على عكس بعض الحيوانات الضعيفة الأخرى؛ لم يستطع إنتاج عدد كبيرٍ من الأطفال لكي تغلب كثرتهم شجاعة الموت؛ إذ كانت أنثاه تحتاج لسنةٍ كاملة تقريباً لإنتاج مولود واحد فقط. لقد حكمت عليه الطبيعة مسبقاً بالانقراض.

ولكنه استأنف حكمها هذا إلى محكمة العقل التي حكمت لصالح بقائه، وتمكّن بعد ذلك من أن يخضع الطبيعة وكل كائناتها إلى سيطرته. والسؤال البديهي هنا: كيف استطاع هذا الحيوان الضعيف فعل ذلك؟! لقد كان للإنسان ميزتان مكّنتاه من الانتصار في حربه الطويلة مع الطبيعة: أولاهما طبيعته الاجتماعية التي حتّمت عليه التعاون مع أقربائه في قبائل صغيرة، والثانية إمكانيته العجيبة على التعلّم والتعليم، فقد استطاع أن يعرف المخاطر المختبئة في الطبيعة والفوائد الكامنة فيها عن طريق التجربة والخطأ، ثم اخترع أساليباً جديدة للتعامل مع الطبيعة على أساس ما تعلّمه عنها، و تمكّن من أن يعلّم مجتمعه الأساليب التي تعلّمها، ونقل مجتمعه هذه الأساليب إلى الجيل الجديد، ثم بدأ كل جيلٍ يقلّد سابقه في أغلب المسائل، وعن طريق هذا التقليد أصبح تقدّم الإنسان ممكناً؛ فلم يكن على كل جيلٍ الوقوع بنفس أخطاء سابقه، وهكذا كانت التقاليد هي السلاح الذي انتصر به الإنسان على الطبيعة.

لكن متى ظفر الإنسان بنصره هذا؟ لقد انتصر الإنسان في حربه الطويلة مع الطبيعة عندما بنى الحضارة وأخضع الموارد الطبيعية إلى سيطرته؛ أي قبل حوالي سبعة آلاف سنة، ولكن هذه الحرب مثلها مثل بقية الحروب، لم تترك الإنسان دون أن تسلب الرحمة من قلبه، فقد رسّخت في جيناته وحشيةً يبدو أنها لن تزول أبداً؛ لأن الطبيعة كانت تقتل كل من لا يتمكّن من افتراس الحيوانات ليأكل من لحمها أو يحمي نفسه منها، وكل من لا يملك أنانيةً يحفظ بها فريسته لنفسه، وكل من لا يملك قسوة تمكنه من اغتصاب طعام قبيلةٍ ضعيفة إذا ضرب الجوع قبيلته؛ أي أنّها كانت تبيد الضعفاء والطيبين وتترك المتوحشين يتزاوجون وينشرون جيناتهم جيلاً بعد جيل، وباستمرار هذه العملية ازدادت قسوة كل جيلٍ عن سابقه، ولكي ندرك عظمة تأثير هذا الانتخاب على طبيعة الإنسان، علينا أن نتأمّل الفترة التي عمل بها، أي فترة ما قبل الحضارة، وهي أقل بقليل من ثلاثمائة ألف سنة، أي حوالي سبعة وتسعين بالمئة من تاريخ الإنسان العاقل على هذا الكوكب، فإذا تأملناها جيداً، أدركنا أنّ الطبيعة نحتت الإنسان ليكون حيوانا مفترساً لا كائناً حضارياً.

إذاً لماذا اختار الإنسان بناء الحضارة مع أنها لا تتلائم مع طبيعته؟ في الحقيقة إن الإنسان لم يختر بناء الحضارة، إنّما اضطرته الحاجة لتنظيم المجتمع الزراعي إلى بنائها، وسأوضح ذلك بعد قليل، لكن أولاً يجب أن نفحص تحوّل الإنسان من الصيد إلى الزراعة؛ فدراسته ضروريّة لفهم الحضارة. لقد عاش الإنسان قبل أن يتعلّم الزراعة معتمداً على الصيد وجمع الثمار؛ لذلك اضطرّ الى التنقّل باحثاً عن قوته من مكان لآخر، وبسبب عدم استقراره؛ ندر أن استطاع الحفاظ على تقاليده بثبات واستمرار، حيث كان المجتمع الإنساني يخسر جزءاً من هويته مع كل انتقال، وأيضا ندر أن استطاع مجتمع واحدٌ الحياة لفترة طويلة. ولكن هذا كله تغيّر باكتشاف الزراعة، فالزراعة وفّرت للإنسان ولأول مرة في تاريخه مصدر غذاء ثابت يعتمد عليه، وربطته بأرض صغيرة تدرُّ عليه من خيرها.

هذا التغيير البسيط الذي سمّي لاحقاً بالثورة الزراعية، كان له من التأثيرات على حياة الإنسان ما لا يمكن تخيُّله، فقد مكّن المجتمعات البشريّة لأول مرة في تاريخها من الاستقرار في أرض واحدة ولأجيال متعاقبة، وهذا الاستقرار جعل تقدّم النوع الإنساني مضموناً ومستمراً؛ فقد تمكن الإنسان في ظل هذا الاستقرار من الحفاظ على تقاليده ونقلها الى الأجيال اللاحقة بسهولة وثبات، وكما أشرنا سابقا فإن التقاليد هي السلَّم الذي يبنيه الإنسان ليرتقي، بذلك كان التأثير الأول لحياة الزراعة أنها عبَّدت طريق التقدم أمام الإنسان، وطوت صفحة مجتمع الصيد الراكد فاتحة أبواب المستقبل أمام تطلّعات البشر وأحلامهم.

وهذا بالتأكيد لم يكن التأثير المهم الوحيد للحياة الزراعية على البشر، فالزراعة ربطت الإنسان بالأرض، وأجبرته على العمل لمواسم متتابعة إذا أراد جني ثمارها؛ لذلك شعر الرجل بالانتماء الى الأرض التي يزرعها، إذ لم يكن من المعقول بالنسبة له أن يتعب على زراعة الأرض لينتفع بها غيره؛ وولد نتيجة لذلك مفهوم الملكية الخاصة الذي سيقلب كل شيء في حياة الإنسان رأساً على عقب.

نعم، صحيح أن الملكية الخاصة كانت موجودة قبل المجتمع الزراعي، وصحيح أن رغبة التملك متأصلة في طبيعة الإنسان، لكن ملكية الفرد الخاصة في مجتمعات الصيد لم تكن تتجاوز بضعة قطع من اللحم أو الثمار التي تفسد في يوم أو يومين؛ أي إن تكديس الأملاك كان مستحيلاً؛ فكل فرد بالكاد يصطاد الكمية الكافية لإشباع نفسه، بينما استطاع مزارع واحد إنتاج ما يكفي لإطعام العشرات، بالتالي لم يكن على الجميع أن يعملوا بالزراعة، فبينما أنتج المزارع كمية لا يحتاجها من الطعام، تسابق الناس على اختراع سلعٍ يمكنهم مقايضتها مع فائض إنتاج المزارع، ومن محاولة إغراء المزارعين بالسلع تطورت كل مهن المجتمع الحديث، من صانع الفخار إلى الفيلسوف، وهكذا ظهر أول نظام اقتصادي في تاريخ البشر.

واستمرت السلع التي اخترعها الناس بالتنوع، وتنوعت معها وظائف الأفراد ووسائل التبادل بينهم، وكبر حجم المجتمعات وازدادت تعقيداً، هذا كله خلق حاجة جديدة لوجود تنظيم أكثر تطوراً من تنظيم القبيلة، وقد كان هذا التنظيم الجديد هو الحضارة.

فالحضارة في أساسها ليست سوى تنظيم يوفّر إمكانية تعاون الناس مع بعضهم على نطاق واسع، ولكن الإنسان في طبيعته لا يعرف التعاون إلا مع رفقاءه المعدودين الذين يشاركونه غارات الصيد، حيث يمثل التعاون مع الغرباء امتحاناً عسيراً يتوجب عليه تجاوزه ليكون متحضراً، وهو ليس امتحان الحضارة الوحيد، فهي تتطلب أيضاً انضباطاً وتفانياً في العمل لم يعرفه الإنسان في حياته القديمة، وتحتاج بالإضافة إلى ذلك التزاما بالعهود واحتراما للقوانين وقبولاً مستمراً لملك يدير شؤون الحضارة، هذه كلها مفاهيم غريبة على طبيعة الإنسان الذي لم يعرف أيام الصيد سوى الأنانية والقسوة والفردانية المفرطة. لقد احتاجت الحضارة مزارعاً بينما أعطتها الطبيعة صياداً.

لكن كيف حمى الإنسان الحضارة من طبيعته الوحشية هذه؟ لقد لجأ الإنسان في حربه الجديدة مع جيناته إلى نفس السلاح الذي استخدمه في حربه مع الطبيعة: العادات والتقاليد، فبها وحدها يمكن تحويل الوحوش إلى بشر.

لكن التقاليد التي احتاجها المجتمع الإنساني هذه المرة كانت مختلفةً عن تلك التي احتاجها أيام الصيد؛ فتقاليد مجتمعات الصيد كانت في الأغلب متوافقةً مع طبيعة الإنسان، أما تقاليد الحضارة فهي تقاليدٌ زراعية يراد فرضها على مجموعة صيادين، لذلك وجب أن تكون تقاليداً موحدة ومتماسكة تقوى على ترويض طبيعة الإنسان.

ومن أجل تقوية التقاليد وتوحيدها؛ لجأ الإنسان لطريقتين رئيسيتين: أولاهما وأهمُّهما دعم الأسرة والسلطة الأبوية، فالأسرة هي الوحدة الأساسية التي يقوم عليها المجتمع، لأنها المسؤول الأول عن عملية نقل تقاليد الأجيال السابقة إلى الأطفال، أو عملية التربية كما يحب أن يسميها الناس، أما السلطة الأبوية فهي الدرع الذي يحمي الأسرة من طيش صغارها، وتمثل القوة التي تفرض التقاليد على المتمردين من الصغار، وإذا راود الشك شخصاً بخصوص أهمية الأسرة للحضارة، فإن التاريخ قد أدلى بشهادته في هذا الموضوع منذ قرون، وعدم نشوء حضارة واحدة دون تقاليد ذكورية قوية هي حجته لإثبات أهمية الأسرة.

وقد مثّل الدين الطريقة الثانية التي قوّى بها الإنسان تقاليده؛ فالدين يمنح التقاليد تقديساً سماوياً يرفع هيبتها في المجتمع، ويحوُّلها إلى فضائل ترضي الله ووكلائه، ويجعل من مخالفتها آثاماً تستوجب العقوبة، وغالباً ما دعمت الأديان تقاليداً تقوي الروابط العائلية وتزرع احترام السلطة السياسية وقوانينها في المواطنين، فضلاً عن توفيرها لنظام أخلاقي موحد يسهّل تعامل الأفراد مع بعضهم؛ مما يقلل الحاجة لفرض القوانين بواسطة رجال الدولة.

ولكن الحاجة للجيش والشرطة تبقى حاجة أساسية لكل حضارة؛ لأنهم صمام الأمان الذي يحمي الحضارة ممن لم تقوَ التقاليد على كبح طبيعته الوحشية، فهم يفرضون بالقوة ما لم تستطع التقاليد فرضه بالرأي العام، وتسمى القواعد التي يفرضها رجال الدولة بالقوانين، بينما تعرف التقاليد التي يختارها المجتمع بالأخلاق، وأصحُّ حالة للمجتمع هي تلك التي تتفق فيها القوانين والأخلاق على صلاح المجتمع.

فالتقاليد ورجال الشرطة يمثلان قدمي الحضارة اللتان تسير بواسطتهما، فإذا ضعفت واحدة يقع حملها على الأخرى، وإذا ماتت إحداهما تصبح الثانية بلا فائدة، أما إذا ضعفا معاً تسقط الحضارة على وجهها تاركة الإنسان يعود لحياته القديمة.

ومن أجل أن لا يعود الإنسان لحياة الصيد القديمة وُجِد الفكر المحافظ، فالمفكّر المحافظ هو من يدرك خطورة الوحش المختبئ داخل الإنسان المتحضر ويفهم أهمية التقاليد في ترويضه. ورغم أن بعض التقاليد فاسدة وضارة؛ لا ينشد المحافظ اقتلاعها من جذورها، بل يسعى دائماً لتغيير صحيّ لا يحمل مع فائدته أضراراً أكبر، فهو يعي عظمة العقل البشري، لكنه بنفس الوقت يعترف بقصوره واستحالة تطبيق نظرياته على الواقع دون مراعاة عادات المجتمع، ويكتفي بعشرات الأمثلة الفاشلة على محاولات فرض المدن العقلية الفاضلة واليوتوبيات الاشتراكية كدليل على فشلها في المستقبل. يحارب التأثيرات السيئة للدين، ولكنه يحترم أفضاله على الحضارة، إنّ المفكر المحافظ هو من يميز الغث من السمين ولا يتخذ مواقفاً متهورةً مجهولة النتائج، أما من يعتنق فكراً راديكاليا يسعى لتغيير المجتمع دفعة واحدة دون الالتفات لتأثير التقاليد، فيتحتم عليه أن يجد تفسيراً علمياً آخر لطبيعة الإنسان أو يخترع جهازاً يقوى على تغييرها، عدا ذلك، فسكوته أعظم هدية يمكن أن يمنحها للجنس البشري .

بواسطة: حيدر محمد حسن

تعليقات
جاري التحميل...