شغف المعرفة

علمانية أم حرية دينية في العالم العربي؟

ليس هناك نموذج علماني واحد، بل نماذج متعددة. لكننا في العالم العربي نفهم العلمانية على الطريقة الفرنسية. وهو النموذج العلماني العنيف الذي ولد من أهوال الثورة الفرنسية (1789)، ومن الصراع المحموم على الحرية بين فلاسفة الأنوار والتحالف بين الملكية والكنيسة. إن لفرنسا سياقها الخاص الذي فرض عليها القضاء النهائي على تدخل الكنيسة في الشؤون السياسية، أو بعبارة أخرى فرض عليها كسر هذا التحالف الخطير ما بين رجال الدين والملكية الاستبدادية. ففي زمن الثورة الفرنسية والأهوال التي عاشها هذا المجتمع كان هذا العمل تحصيل حاصل. ولما نسمع فولتير يقول “اشنقوا آخر إقطاعي بأمعاء آخر قسيس” فنحن نثق في دعوته، ونعرف أن المجتمع الفرنسي كان أمام خيارين تاريخيين إما العلمانية المتشددة أو الاستبداد المتشدد، وقد اختار أخف الأضرار. إن قولة فولتير هذه لم تكن قولة عابرة فقط، بل تحولت إلى شعار الثورة الفرنسية ككل. ولهذا فنجاح الثورة كان رهينا بدفن تعنت الكنيسة، وبالقضاء نهائيا على الملكية التي استقوت بالكنيسة ضد الحرية والتنوير.

وعلى الجانب الآخر من بحر المانش، أرست بريطانيا تقاليد مختلفة تماما عن التقاليد الفرنسية فيما يخص علاقة المؤسسات الدينية بالمؤسسات السياسية. إن هذا البلد الذي أنجز ثورته قرنا كاملا قبل الثورة الفرنسية (1688) لديه نموذج مختلف. نموذج مستلهم من الأعمال الفلسفية لجون لوك وديفيد هيوم وآدم سميث وكل الفلاسفة الاسكتلنديين والانجليز المعروفين، وهي تقاليد ليبرالية مؤسسة على الحرية الفردية ومبادئ التسامح وحفظ التعددية داخل المجتمع الواحد. تقاليد ترجع أسسها في بعض الأحيان إلى الدين نفسه، إذ يقول المؤرخ الأمريكي المعاصر رالف رايكو أن جون لوك مثلا استند إلى تقاليد القانون الطبيعي التي تم تطويرها من طرف علماء الدين السكولائيين لكي يضع تصوره لمجتمع حر.

إن مبادئ القانون الطبيعي بالاضافة إلى أعمال الفلاسفة التجريبيين البريطانيين شكلت مصدر إلهام للآباء المؤسسين للولايات المتحدة الأمريكية، ولهذا وقع اختيارهم على النموذج البريطاني المبني على مبادئ الحرية الدينية. ولهذا السبب تشكل أمريكا اليوم بلدا لكل الأديان، وهي بالتالي بلدا متدينا، ولا يجد السياسيون حرجا في التعبير عن ميولاتهم الدينية. وليست أمريكا استثناء بين الديمقراطيات الحديثة، لكنها الأكثر تسامحا مع حضور الدين في المجال السياسي وفي المجتمع المدني.

لا يعد النموذج الفرنسي الوحيد بالنسبة إلينا في العالم العربي إذن؟ لكن الدعوات إلى إقصاء الدين من مجال السياسية، ومن المجتمع أحيانا تصبح طاغية. وتتركز هذه المطالب في نظرنا على مبررين اثنين، أحدهما معقول أما الثاني فلا يعدو إلا أن يكون متوهما. أما المبرر المعقول فيتجلى في أن الفصل ما بين الدين والدولة سيحد من حجم تأثير الدين المتشدد على الحرية الفردية وفضائل التسامح والتعددية الدينية والفكرية داخل مجتمع واحد. أما المبرر الذي لا يعدو أن يكون وهما، فيتجلى في ظن البعض أن العلمانية المتشددة تؤدي بالضرورة إلى التقدم التقني والمادي والاقتصادي للمجتمعات. لكن، الوقائع التاريخية تؤكد أن بعض المجتمعات التي لا تعرف حضورا كبيرا للخطاب الديني ما تزال متخلفة تقنيا وماديا واقتصاديا، بينما تعرف بعض المجتمعات المتقدمة موجة كبيرة من التدين، إن لم يكن التطرف الديني المتشدد. لكن هذا التطرف الديني يبقى مسيطرا عليه في ظل حكم القانون والحرية الدينية، وأمريكا خير مثال على ذلك.

 إن العلمانية تكون خطيرة لما تتسلح بقوة الدولة وتتجه للقضاء على حرية الأفراد وتمس حياتهم وأملاكهم، وأغلب الأنظمة العربية ما بعد الاستقلال كانت تسوق عن نفسها كونها مدنية أو علمانية أو حداثية أو تقدمية، لكنها ورثتنا تشثت الأوطان وتدهور اقتصاداتها وحروبا طائفية ومذهبية مميتة. وبالتالي فتطبيق العلمانية من طرف حكومات دول لا تحكم بالقانون والمؤسسات لا يعدو أن يكون نقلا للسلطة من أياد ووضعها في أياد أخرى قد تكون أقسى وأكثر تشددا بمبررات أخرى.

ليس هناك إذن نموذج علماني واحد، ولكل بلد سياقه ومعالجته لقضية تدخل الدين في الشأن السياسي. وقد يكون نموذج الحرية الدينية، الذي يعطي للأفراد الحق في اتباع الدين الذي ارتضوه واقتنعوا بتعاليمه أفضل النماذج التي نتوفر اليوم على تاريخها. إن التجربة البريطانية وحتى الأمريكية بإمكانها أن تشكل مصدرا تستفيد منه دول العالم العربي في وضع نماذجها الخاصة. وفي مستوى آخر لا يتعارض الإسلام ومبدأ الحرية الدينية، بل هو في الأساس لم يأت إلا لرفع الإكراه عن الإنسان وترسيخ حقه في الاختيار، بين الأفكار والأديان والمعتقدات، إذ ليس هناك إكراه في الدين بالنسبة للإسلام.

تعليقات
جاري التحميل...