شغف المعرفة

ميراث دوستويفسكي وتأثيره

أصبح اسم دوستويفسكي مرادفًا للعمق النفسيّ لأجيال. كان عُمْق وتناقض شخصيات أبطاله جعل من النظريات النفسية المنهجية تبدو سطحية. وقد حاول العديدَ من المنظّرين؛ أبرزهم عالم النفس سيغموند فرويد؛ الادّعاء بأنَّ دوستويفسكي يُعدُّ سابقًا لهم في هذا العمل. وإدراكه للشّرّ، ومحبَّتُه للحرية جعلتْ له أهمية خاصة في قرن الحروب العالمية والإيديولوجيات الشمولية. فعلى الأقل ثلاثٌ من أفضل الروايات الديسوتبية العالمية في القرن 20م تأثَّرتْ بعمله، وتُعدُّ مُستمدَّةً من كتابته لهذه الروايات الثلاث؛ وهي رواية جورج أورويل بعنوان “1984“، ورواية ألدوس هكسلي “عالم جديد شجاع“، ورواية الروائيّ الروسيّ زامياتين يوفجيني “نحن”.

شخصية رواية الإخوة كارامازوف الأكثر روعة  “إيفان كارامازوف” أصبحَ بحلول منتصف القرن العشرين رمزَ التمرّد الوجوديّ في كتابات ألبير كامو وجان بول سارتر. قدّم ألبير كامو مسرحيةً لرواية دوستويفسكي “الشياطين”.

يُقال إنَّ الفيلسوف لودفيج فيتجنشتاين قد قرأ الإخوة كارامازوف كثيرًا، لدرجةِ أنَّه كان يحفظ  مقاطع كاملة منها عن ظهر قلب، وكانت نسخةً من رواية “الإخوة كارامازوف” واحدةً من المُمتلكات القليلة التي جلبها فيتجنشتاين معه إلى الجبهة أثناء الحرب العالمية الأولى.

أما الفيلسوف مارتن هايدغر أحد الوجوه البارزة للفلسفة الوجودية، فعبر عن أنَّ فِكْرَ دوستويفسكي كان واحدًا من أهمّ مصادر كتابه الشهير “الكينونة والزمان“، فقد كان هايدغر متأثِّرًا بأعماله بدرجة كبيرة وصلت إلى حدِّ أنَّ واحدةً من الصورتين المعلَّقتين على جدار مكتبه كانت إحداهما لدوستويفسكي.

وصف المؤلِّف هيرمان هيس الحائز على جائزة نوبل دوستويفسكي على أنَّه ليس روائيًّا أو شاعرًا فقط بل نبيًا.

أما في عالم السياسة اليوم؛  فرئيس روسيا فلادمير بوتين يعِدُّ رواية الإخوة كارامازوف واحدةً من أفضل الكتب التي  قرأها.

والأمر نفسه فيما يخصُّ الرئيس الصربيّ الحاليّ ألكسندر فوتشيتش؛ الذي يعِدُّ دوستويفسكي كاتبه المُفضّل، وقال إنَّ رواية “الإخوة كارامازوف” قد تكون أفضل عمل في الأدب العالميّ على الإطلاق.

يُعدُّ دوستويفسكي واحدًا من أكثر الأشخاص تأثيرًا على الفيلسوف الشهير نيتشه أيضًا. وسيكون من الرائع قراءةُ اعمالهما معًا بتوازٍ؛ لأنَّ دوستويفسكي يُعدّ أكثر روائيٍّ أدبي، و نيتشه يُعدّ فيلسوفًا بدرجةٍ أكبر، وعند قراءة أعمالهما يُمكن أن تجد الأمر، وكأنَّ دوستويفسكي كتب الدراما ونيتشه أعطاها الصبغة الفلسفية.

كانت الأسئلة والمشاكل التي طرحَها دوستويفسكي، وحاول معالجتها مثيلةً لمحاولات نيتشه، لكنَّه فعل ذلك بطريقة مختلفة. فيمكن أن نجد أفكارًا طرحها نيتشه موجودةً في أعمال دوستويفسكي سابقًا. لقد كانا من بين القلائل الذين توقعوا ما سيحدث في القرن 20 بسبب الثوار وأحلامهم، وكيف أصبحت الإيديولوجيات هي المُتحكِّم في الناس؛ ممّا أدّى لصعود الشيوعية والنازية، والعديد من الأيديولوجيات الكارثية في أوروبا؛ الأمر الذي أدّى إلى حروب عالمية وكوارث لا مثيل لها في التاريخ البشريّ.

تحدّث عالمُ النفيس الشهير جوردان بيترسون بتوسّع كبير عن تأثير دوستويفسكي بنيتشه، وكيف يجب على الناس قراءة أعمالهما. فجوردان بيترسون يعدُّ دوستويفسكي أفضل روائيٍّ، والمعنى الحقيقيّ للمثقَّف، ويقول إنَّه يضع رواية “الجريمة والعقاب” في المرتبة الأولى لأفضل الأعمال التي قرأها طوال حياته.

حَظِيَ دوستويفسكي بعد موته بالعديد من التشريفات والتكريمات، سنذكر البعض منها :

في سنة 1979؛ سُمِّيتْ فوهة صدمية على كوكب عطارد باسمه تكريمًا له. وفي سنة 1981؛ سُمِّيَ كوكبٌ صغير اكتشفه عالم الفلك الروسيّ ليودميلا كاراشكينا على اسم دوستويفسكي. وهناك العديد من الأمثلة لدوستويفسكي اليوم منتشرة في دول أوروبية وروسية مختلفة. وقد جُعِلَتْ الشقة التي عاش فيها الكاتب في سانت بيطرسبرغ مُتحفًا يأتي إليه الزّوار من جميع مناطق العالم لزيارتها، ورؤية الشقة التي عاش فيها هذا الروائيّ العظيم، والمكان الذي كتب فيه أبرز أعماله.

تُرجمَتْ أعماله إلى أكثر من 170 لغة، وأخذتْ العديدُ من أعماله من أجل تصويرها على شكل مسلسلات، وأفلام،  ومسرحيات رائعة تَستحقّ المشاهدة.

قالوا عن دوستويفسكي

 “دوستويڤسكي هو عبقريّ القرن الماضي، تعلّمت منه عن الحياة والكون والإنسانية أكثر من أيّ عالِم، لقد أعطاني أكثر ممّا يُعطيني أيّ مُفكِّر آخر”
اينشتاين


” 
إنَّ دوستويڤسكي هو أوَّل إنسان أعطانا فكرةً عن الناس الذين هم نحن
فرويد


“إنَّ اكتشافَ دوستويفسكي يشبه اكتشاف الحب للمرة الأولى، أو مثل اكتشاف البحر؛ فهو علامة على لحظة هامة في رحلة الحياة
بورخيس


” 
أنا أضع دوستويڤسكي فوق كلّ الفلاسفة” 
 إميل سيوران

“دوستويڤسكي هو عالم النفس الأوْحد الذي تعلَّمْتُ منه شيئًا، اكتشافي له يفوقُ أهميّة اكتشاف ستاندال”
فريدريك نيتشه


” 
إنَّ دوستويفسكي واحدٌ من أولئك الكُتّاب الذين يودُّ الفنان لو استطاع أن يُصبح مثلهم “
وليم فوكنر

” أوّل مُبدع نفسانيّ في الآداب العالمية على مرّ العصور “
توماس مان

” إنَّ كلَّ قِصصه ورواياته عبارة عن نهر ناريّ لمعاناة الخاصّةإنَّه السعي الحثيث للاعتراف بحقيقته الداخلية “
لونا تشارسكي

قالت ابنة فيودور دوستويفسكي المُسمَّاة ليوبوف دوستويفسكي؛ مُتحدِّثةً عن والدها إنَّه كانت الطالبات الروسيات آنذاك يعْشقن دوستويفسكي؛ لأنَّه كان يُعاملهُن باحترام دائمًا، ولم يكنْ يُلقي على مسامعهنَّ تلك الموعظة الشهيرة التي اعتاد الكُتاب الآخرون على ترديدها:

 “ما فائدة القراءة والدراسة لكُنّ؟.. تزوّجْنَ باكرًا وأنجِبْنَ أكبر عدد من الأطفال!” 


دوستويفسكي لم يكنْ يَنصحهنَّ بهذا إطلاقًا، بل كان يُخبرهنَّ بأنَّ عليهنَّ أن يتزوجْنَ أخيرًا لأجل الحُبّ. وأنَّهنَّ قبل ذلك يجب أن يدرسْنَ، ويقرأْنَ، ويُفكّرْنَ حتى يُصبِحْنَ أُمَّهات مُستنيرات قادرات على تعليم أبنائهنَّ بطريقة صحيحة.

  • إعداد: محمد مطيع.
  • تدقيق لغوي: غنوة عميش.
تعليقات
جاري التحميل...