شغف المعرفة

هل هناك تنمية اقتصادية في ظل الديمقراطية؟

لدي إشكال آخر ضد الديمقراطية. أدركته متأخرًا لكني أجده جديرًا بالملاحظة: قبل سنتين من الآن وكعامة الليبراليين، كنت أعتبر أن تحرك عجلة الاقتصاد ورفع المستوى المعيشي للفرد عبر سياسات السوق الحرة free market التي تتضمن فتح المجال للاستثمار الأجنبي، وتخفيض الضرائب، وما إلى ذلك من الإجراءات التي تحد من تدخل الدولة في الاقتصاد، سيكون في نهاية المطاف صاحب التأثير الأبرز في رفع مستوى الوعي العام للمواطن وتحسين مجمل نواحي الحياة.

بالتأكيد لم أكن مخطئًا بالكامل. فلا شك بأنه لا يمكن نكران أو تجاوز التأثير الاقتصادي على حياة الناس. لكن الخطأ الذي أحسب أنني وقعت فيه هو توقع وجود تنمية اقتصادية في ظل الأنظمة الديمقراطية! تبين لي لاحقًا أن هذا الأمر أقرب إلى المحال. وإليك السبب الذي قادني إلى هذا الاعتقاد الباعث على اليأس؛ بشكلٍ بديهي، يقع على عاتق جميع السياسيين مهمة كسب أصوات الناس التي ستكون فيما بعد سببًا في وصولهم إلى السلطة. ولكسب هذه الاصوات سيلجأ السياسيون إلى إطلاق الوعود، هذهِ الوعود -ولإغراء الجماهير- يجب أن تتضمن زيادة في الإنفاق الحكومي من الميزانية العامة للبلاد على قطاعات كالصحة والتعليم…
إضافةً إلى دعم الحاجات الأساسية التي تمس حياة المواطن مثل الدعم الحكومي للكهرباء ومشتقات النفط وما إلى ذلك، وبالتالي جنوح الحكومة نحو مزيدٍ ومزيدٍ من السياسات الاشتراكية المدمرة لموارد البلد.

حتى لو كان السياسيون على درجةٍ من المعرفة تتيح لهم فهَم أن المشاريع الاستراتيجة والاستثمار الأجنبي أشياء تضمن للبلاد تنميةً اقتصادية حقيقة، لن يعدون الجماهير بها أبدًا. نظرًا لأن مدة بقائهم في السلطة قليلة (لا تتعدى أربع سنوات غالبًا) والمشاريع الاستراتيجية تتطلب وقتًا طويلًا لتأتي بثمارها. وهم لا يريدون بطبيعة الحال تأجيل أو إعطاء الإنجازات التي تتحقق في فترتهم إلى منافسٍ انتخابي آخر سينال المديح والثناء بعد عشر سنوات من تنحيهم عن السلطة واكتمال أحد المشاريع المهمة التي وُضعوا حجر الأساس لها.

إضافة إلى أن الديمقراطية تفترض أن عامة الناس يفهمون في الاقتصاد والسياسة والرياضة ومجمل نواحي الحياة التي بات مؤكدًا للجميع بأن السياسيين يتحكمون بها ويوجهونها كما يحلو لهم. لكن ياللعجب! يبدو أنه حتى الطبقة المثقفة مهتمة بفهم المعاني الخفية بالرسائل الأدبية بين أنسي الحاج وغادة السمان أكثر من اهتمامها بهذه الامور.

والطبقة اليافعة التي تتجه للقراءة بعد شيوع الترجمة بكثرة تفضل فهم نظرية الأوتار الفائقة على الإحاطة علمًا بهذهِ الأمور. فضلًا عن الجماهير قصيرة النظر التي لا تعي كل هذهِ الأمور ولا تفهم أن الإنفاق الحكومي المتزايد سيؤدي إلى مزيدٍ من الفساد والمحسوبية وكثرة التعقيدات البيروقراطية (ولا ألومهم على ذلك). 

لاحظ أن معظم النهضات الاقتصادية في هذا القرن لم تحصل في ظل الديمقراطية (هونغ كونغ، وسنغافورة، وتشيلي… أمثلة على ذلك).

لا تقل لي بأن الغرب يتطور بفضل الديمقراطية، لمعلوماتك في بداية القرن العشرين كان الإنفاق الحكومي كنسبة من الناتج الوطني في معظم الدول الغربية لا يتجاوز 10%؜ والآن أصبح 55% [أي أن الفرد يعمل ستة أشهر سنويًا كخادمٍ للحكومة]. دول الغرب مزدهرة رغمًا عن الديمقراطية، ويعود هذا الازدهار إلى تقاليدها الليبرالية، ولهذا فالدولة لا تملك سيطرةً كاملة على الاقتصاد حتى الآن.

خلاصة القول: إن التنمية الاقتصادية هي الإجراءات المستدامة والمنسقة التي يتخذها صناع السياسة والديمقراطية تفتقر إلى هذه الديمومة التي يحتاجها الاقتصاد.

  • بواسطة:حسين حبيب.
  • تدقيق لغوي: رأفت فياض.
هذا المقال يُعبر عن رأي كاتبه، و قد لا يعبر بالضرورة عن وندرلاست
تعليقات
جاري التحميل...