شغف المعرفة

عن رواية الإخوة كارامازوف

رواية الإخوة كارامازوف هي آخر أعمال دوستويفسكي؛ وهي من أهمّ أعماله الأدبية التي تتربَّع على عرْش الروايات العالمية الأكثر تأثيرًا. أُصدِرَتْ الرواية سنة 1880م،و منذ إصدارِها لقيَتْ إعجاب أهمّ الفلاسفة والمفكّرين والمشاهير؛ من أمثال مارتن هايدغر، وسينغموند فرويد، وألبرت آينشتاين، ونيتشه، ولودفيغ فيتغنشتاين، وفلادمير بوتين، وفرانز كافكا، والعديد من الكُتّاب الآخرين.

كتب الروائيّ والفيزيائيّ شارلز بيرسي سنو عن إعجاب آينشتاين العميق بهذه الرواية فقال :

“الإخوة كارامازوف في رأي آينشتاين سنة 1919 كانت القمّة العليا لجميع الأعمال الأدبية، وظلّتْ كذلك حتى عندما تحدَّثتُ معه سنة 1937، وربَّما حتّى نهاية حياته”

ووصفَها سيغموند فرويد بأنّها: “أروع رواية كُتِبتْ على الإطلاق”

وفرانز كافكا هوالآخر تأثَّر وشعر بديْن شديد إلى دوستويفسكي، وعمله “الإخوة كارامازوف” للتّأثير الكبير على أعماله الخاصة. دعا كافكا نفسه ودوستويفسكي على أنَّهما “أقارب الدمّ” بسبب التأثير والإعجاب بأعماله وشخصيَّته.

تُعدُّ الإخوة كارامازوف روايةً فلسفية عاطفية عن روسيا في القرن التاسع عشر؛ والتي تعالج بعمْق، وتخْلِق مناقشات أخلاقية فيما يخصّ الله، والإرادة الحرّة، والأخلاق، والدين. تُعدّ الرواية دراما روحية للنضال الأخلاقي أيضًا؛ فيما يتعلّق بالإيمان، والشكّ، والقرار، والعقل. وقد ركَّزتْ على أهمّ المواضيع التي تشغل بال دوستويفسكي أيضًا؛ من مواضيع لاهوتيّة وفلسفية فيما يتعلّق بأصل الشر،ّ وطبيعة الحرية، وشغف الإيمان.

تتحدّث القصّة عن أبٍ مسرف في الشرب، ميسور الحال، وشرّير يسخر من كلّ شيءٍ نبيل. وينخرط في أعمال غير ملائمة في كلّ فرصة. وعندما كان أبناؤه رضَّعًا أهملّهم غير مُتعمِّدٍ، بل لأنَّه نسيَهم، ونَسِيَ وجودهم بسبب انشغاله في حياته المُنحلَّة. كان ابنه الأكبر ديميتري رجلًا عاطفيًا قادرًا على المحبّة الصادقة لامرأتين في الوقت نفسه، وستتعرفون عليهما في الرواية والقصة وراءهما. وهذا الابن يتجادل في أغلب الوقت مع والده بسبب المال، ويتنافس معه على امرأةٍ وقعا في غرامها معًا.

أما الابن الأصغر فاسمه إليوشا، وهو أحد محاولات دوستويفسكي لخلْق شخصية مسيحية خالصة وبريئة. يُعدُّ أليوشا الراهب الحكيم وسيمًا، وهو يحاول وضْعَ الحبّ المسيحيّ موْضِعَ التنفيذ. يعلنه الرّاوي على أنَّه بطل العمل الحقيقيّ، لكنَّ الجميع يكون مهتمًا أكثر بشخصية الشقيق الأوسط المُثقَّف إيفان عادةً، وفي رأيي أيضًا يُعدُّ بطلَ العمل الحقيقيّ والشخصية الأكثر أهمية في الرواية.

مثلُه مثل راسكولنيكوف من رواية الجريمة والعقاب. إيفان كارامازوف يُعدُّ جِدَّ مثقّف، وغير مؤمن بالأديان، ويعِدُّ نفسه مُلحدًا، ويجادل بأنَّه إذا لم يكن هناك إله ولاخلود فحينئذٍ كلُّ شيءٍ مسموح به. وحتى إذا لم يسمح به الجميع فإنَّ المرء لايتحمَّل سوى المسؤولية عن تصرفاته، وليس عن رغباته.

في الرواية يُمكن ملاحظةُ كيف أنَّ الراهب إليوشا يحاول محاولةً واضحةً أن يتقرّب من اخيه المُلحد إيفان، ويحاول الدّخول معه في نقاشات روحانية، ودينية، وفلسفية من أجل معرفة ما يجول بداخل عَقْل أخيه وطريقة تفكيره.

 سيكون هناك في الرواية العديدُ من المناقشات بين الاخوة عن مثل هذه المواضيع، والتي تُعدُّ في رأيي أحد أفضل النقاشات الفلسفية؛ التي تجعل كلَّ شخص يُفكّر بعمق في كلِّ ما يُطرح فيها.

تشتهر الرواية بثلاثة فصول، يُمكن تصنيفها ضمن أحد أعظم صفحات الأدب الغربيّ، وهذه الفصول تتمحور حول أفكارٍ طرحها إيفان كارامازوف لأخيه اليوشا، ومن هذه الأفكار؛ معضلة الشر، وحول الله الأب لخلْق عالم يُعاني فيه الأطفال، وقصة المحقق الأكبر الذي يُمثِّل ردَّه على الله الابن.

ويروي قصةً تُعدُّ أيضًا أحدَ أكثر القصص روعة عن عودة المسيح القصيرة إلى الأرض أثناء محاكم التفتيش الإسبانية؛ من أجل جَعْل الناس أحرارًا، وكيف اعتُقِل من قِبَل المحقّق الذي يُصرّ على أنَّ الناس لا يريدون أن يكونوا أحرارًا، بل يريدون الأمنَ واليقي نبدلًا من الاختيار الحرّ.

يقول البعضُ إنَّ هذه النقاشات تُؤكّد على أنَّ في داخل عقل دوستويفسكي كان هناك صراعات فلسفية ونفسية عميقة حول وجود الله، والإيمان، والإلحاد والأخلاق. وكانت “الإخوة كارامازوف” محاولةً من دوستويفسكي لتعرية ما يجري داخل عقله من نقاشات عميقة يحاول إيجاد إجابات لها.

  • إعداد: محمد مطيع.
  • تدقيق لغوي: غنوة عميش.
تعليقات
جاري التحميل...