شغف المعرفة

الحدود والجنود والسلع

 قال الإقتصادي الفرنسي فريدريك باستيا (1801-1850): “الحدود التي لا تعبرها السلع يعبرها الجنود”، وقد كان من أولئك الاقتصاديين المعروفين الذين عاشوا في الفترة الاستعمارية وعارضوا الإستعمار عن قناعة تامة.

لقد كان باستيا من أنصار التجارة الحرة الفرنسيين، من أولئك الذين أتموا عمل آدم سميث وديفيد ريكادوا وجان بابتيست ساي من كبار المدرسة الكلاسيكية المعروفة بالمدرسة الليبرالية. وكلهم تقريبا دافعوا على مبادئ التجارة الحرة التي تعني أن الحدود يجب أن تفتح بين الأمم لتبادل السلع والمنافع الاقتصادية. وقد اجتهدوا في تأليف نظريات وتقديم أدلة للتأكيد على أن التبادل الحر أنفع للأمم والدول والمجتمعات من السياسات الحمائية.

يتمتع باستيا اليوم في نظر أتباع المدرسة الاقتصادية النمساوية بمكانة رفيعة، فهو الذي اختصر كثيرا من النقاشات السياسية حول الحرية والدولة والقانون والتجارة في كتب صغيرة الحجم عظيمة الفائدة، وما تزال تحافظ على راهنيتها وقوة حجتها. وإذا تأملنا مقولته عن الحدود والجنود والسلع، ووضعنها في سياق عالمي، فسنرى إلى أي حد تمتع باستيا بفكر عميق ونظرة ثاقبة. إن أغلب الدول التي تعرف صراعات فيما بينها، لم تستطع في الماضي أن تبني علاقات تجارية واقتصادية ثنائية تجلب السلام والاستقرار والإزدهار. ومن المحزن أن أغلب هذه الدول توجد في العالم النامي، خارج دائرة العالم الغربي المتقدم.

هذه الدول الفقيرة نفسها، هي من يشتري الأسلحة في صفقات بمليارات الدولارات من باعة السلاح الغربيين، استعدادا لحرب لا طائل من ورائها، أو حرب لن تقع من دون موافقة باعة السلاح أنفسهم، الذين يبيعون السلاح وقرار الحرب أيضا، الذي لا يجب أن يتعارض مع مصالحهم الجيواستراتيجية عبر العالم.

يوجد المغرب والجزائر في هذه الوضعية، فبالإضافة إلى أن الحدود مغلقة، والتبادل الإقتصادي بين البلدين معطل، يوجد البلدان في وضعية صراع مستنزف يهدر مواردهما الإقتصادية وجزءا من دخلهما السنوي. لقد كان هذا الصراع موروثا من الحقبة الاستعمارية التي كان فريدريك باستيا واحدا من الاقتصاديين الذين وقفوا ضدها قائلا: “لقد تبين لي بطريقة علمية أن النظام الإستعماري عبارة عن أوهام قاتلة ومضللة للناس”. انتهى الإستعمار المباشر إلى ما انتهى إليه، وبقيت النتائج الكارثية لتدبيره لقضايا الحدود والعلاقات بين الدول على صراعات وحروب ما بعد استعمارية مستنزفة.

وفيما يخص الحالة المغربية-الجزائرية فقد حان الوقت أن يتحلى عقلاء من الدولتين بالجلوس وحل ما يمكن حله من خلافات، وترك بقية الخلافات لمفاوضات مستقبلية. لكن أيا كان الخلاف بين البلدين فلن يكون مبررا لإغلاق الحدود وإبقاء الوضع في حالة حرب باردة، تعقد فيها صفقات الأسلحة بمليارات الدولارات وتمول فيها اللوبيات للدفاع عن المصالح الضيقة في أورقة المؤسسات الدولية ومؤسسات الدول الغنية. إن شعبي البلدين أولى بتلك الموراد لتمول مشاريع التنمية والبنية التحية والاستثمار من أجل أجيال الغد.

يجب أن تكون صراعات الشرق الأوسط درسا للبلدين، فالسعيد من اتعظ بتجارب غيره. كما يبدوا أن إحياء “اتحاد المغرب الكبير” كتكثل اقتصادي أولا وسياسي لاحقا فكرة آن أوانها. فلن يمر جلب الرخاء لمجتمعات المنطقة إلا عبر فتح الحدود أمام السلع والأفراد. ومن شأن نجاح تجربتنا أن يعطي للآخرين في المنطقة دروسا عن المعجزات التي يصنعها السلام والتبادل الاقتصادي الحر بين الدول، لعلهم يوما يتخلون من صفقات السلاح مقابل صفقات الخبرات والمصانع وجلب الأدمغة والعلماء لتنمية بلدانهم.

تعليقات
جاري التحميل...