شغف المعرفة

فيودور دوستويفسكي: حياته، أفكاره وتأثيره – الجزء الثاني

نشاط دوستويفسكي السياسيّ، ونفيه إلى سيبيريا

نشر دوستويفسكي روايةً ثانية باسم الشبيه سنة  1846 والتي لاقتْ نقدًا سلبيًا، وكانت صحته آنذاك تزداد سوءًا، ونوبات الصرع أصبحتْ أكثر من ذي قبل، و كان يعاني من كآبة دائمًا. ولقد تعرَّف على الاشتراكية، وأفكارها في السنة نفسها عن طريق قراءته للمفكِّرين الفرنسيين؛ مثل فورييه وبرودون. وعن طريق معرفته ببلنسكي توسَّع في فلسفة الأفكار الاشتراكية. وكان مُنجذبًا لمنطق الاشتراكية، والحسِّ بالعدالة واهتمامها بالفقراء المُعدَمين والمحرومين. وقد توتّرت علاقتُه مع بلنسكي توتُّرًا متزايدًا، وخاصّةً بعد إفصاحه بكوْنه مُلحدًا. وهذا ممّا يتعارض مع معتقدات فيودور الأرثوذكسية الروسية، ولكن تقبَّله في نهاية الأمر.

نشر بعدها العديد من القصص القصيرة التي لم تلقى نجاحًا ممَّا أوقعَه في مشاكل ماليّة مرةً أخرى؛ لذلك انضمَّ إلى رابطة بيتيكوف المعروفة بالآراء الاشتراكية الطوباوية؛ التي ساعدته للنجاة من حالته البائسة. وبعدها انضم إلى رابطة بيتراشيفسكي السرية؛ التي أسَّسها الاشتراكيُّ الطوباويُّ الروسيّ ميخائيل بيتاشيفسكي، وقد كانت مجموعةٌ من المفكرين الذين ناقشوا الاشتراكية الطوباوية يجتمعون في نقاشات سرية، والمطالبة بإصلاحات وتغييرات في المجتمع الروسيّ.

وانضمَّ في نهاية المطاف إلى مجموعة سرية ذاتِ صلة، مكرَّسة للثورة والدعاية غير القانونية. ويبدو أنَّ دوستويفسكي لم يتعاطف (كما فعل الآخرون) مع الشيوعية والإرهاب الذي يدعون له بعضهم، ولكن كان الدافع وراء كلِّ هذا استنكارَه القويَّ للعبودية.

في 23 أبريل 1849، اعتُقلَ هو والأعضاء الآخرين في الدائرة. وأمضى دوستويفسكي ثمانية أشهر في السجن إلى أن أُطلِقَ سراحُ السجناء في ديسمبر دون سابق إنذار إلى ساحة سيمونوفسكي. وأُصدِرَ حكمٌ بالإعدام رميًا بالرصاص، وعُرضتْ آخر طقوسٍ، وجُلِبَ ثلاثة سجناء لإطلاق النار عليهم أولًا، ولكن في اللحظة الأخيرة من هذا الإعدام، خُفضتْ الأسلحة، ووصل رسولٌ بمعلومات مفادُها أنَّ القيصر قد تعمَّد العفو عنهم. وفي الواقع كان الإعدام الزائف جزءًا من العقوبة. وواحد من السجناء بعد هذا الحدث أصبح مجنونًا. أمّا الآخر فقد أصبح مؤلفَ أشهر رواية في العالم “الجريمة والعقاب“.

لقد تخيّل دوستويفسكي في شخصيات رواياته حالةً ذهنية لرجل يقترب من الإعدام مرارًا وتكرارًا. وقدّم بطل رواية الأبله الأمير “ميشكين”  العديدَ من الأوصاف من هذا النوع؛ والتي يعرف القرّاء أنَّها تحمل حالةً خاصّة؛ لأنَّ مؤلِّف الرواية مرَّ بتجربةٍ مروِّعة وشبيهةً بها. أدَّى الإعدام الوهميّ لدوستويفسكي إلى تقدير الحياة كهديةٍ لا تُضاهى، وعلى النقيض من الفكر الحتميّ والماديّ السائد لدى المثقَّفين أصبح دوستويسفكي يُقدِّر الحرية، والنزاهة، والمسؤولية الفردية بقوةٍ أكبر من ذي قبل.

استُبْدِلَ الحكمُ بالإعدام بأربع سنوات من الأعمال الشاقة في سيبريا، خدمها دوستويفسكي في معسكر سجن كاتورغا في أومسك سيبيريا، وتلتْها فترة من الخدمة العسكرية الإلزامية بعد سنين من هذه التجربة الصعبة التي مرَّت عليه. ولقد شرح دوستويفسكي إلى أخيه المعاناةَ التي تعرَّض لها، ووصف له الثكنات العسكرية المُتداعية وقال له:

“في الصيف، أجواءٌ لا تطاق. في الشتاء، بردٌ لا يُحتَمل. كلّ الأرضيَّات كانت مُتعفَّنة. القذارة على الأرض يصل ارتفاعُها إلى بوصة، ما يُعادل 2.5 سنتمتر؛ أي من السهل أن ينزلق الشخص ويقع… كنا محزومين كالسردين في برميل… لم يكنْ هناك مكانٌ تذهب إليه… من غروب الشمس إلى الفجر، كان من المستحيل أن لا نتصرَّف كالخنازير… البراغيث، القمل، الخنافس السوداء كانت متواجدةً بمكيال الحبوب”

كانَ دوستويفسكي يعدّ من أخطر المُدانين في السجن، فقد كانتْ يداه وقدماه مقيدتين حتّى تاريخ إطلاق سراحه. ولم يسمح له إلا بقراءة كتاب العهد الجديد. إضافةً لنوبات الصَّرع التي كانت تأتيه، فقد أُصيب بالبواسير، وفقدان الوزن، وحمّى قوية كذلك. كانت رائحةُ المرحاض كما وصفها مُنتشرةً بأرجاء المبنى، وهناك حمَّامٌ واحد يستخدمه أكثر من 200 شخص. كان يُنْقَل للمستشفى بين الحين والآخر؛ وكان يتمكّن هناك من قراءة الصحف الإخبارية، وقراءة الروايات.

وبعد إطلاق سراحه سنة 1854، طلب من أخيه مساعدةً مالية، وأن يرسلَ له كتب ومؤلفات كلٍّ من هيغل وكانت، وفلاسفة آخرين لدراستهم.

وعند عودته إلى روسيا تعمَّق في النشاط الأدبيّ تعمُّقًا مُكثَّفًا. وحرَّر مع أخيه جريدتين مؤثِّرتين في المجتمع الروسيّ؛ الأولى أُغلِقتْ من قِبَل الحكومة؛ بسبب المقالاتِ المرفوضة التي كانتْ تُكتب وتُنشر، والثانية انهارتْ بعد موْت أخيه ميخايل. وبعدها بدأ دوستويفسكي بمهاجمة المُفكّرين الرّاديكاليين في روسيا آنذاك، والذين كانوا يعدَّون من النُّخبة المثقَّفة في المجتمع الروسيّ. وقد بدأ هذا الهجوم بسبب صدمتِهِ بمذهبهم وأخلاقهم النّفعية، وتخفيضهم لقيمة الفنِّ إلى الدعاية، وإنكارهم للحرية والمسؤولية الفردية. وقد حافظ في الفترة المتبقِّية من حياته على إحساسه العميق بخطر هذه الأفكار الرَّاديكالية على المجتمع، وبسبب هذا اًصبحت جميع أعماله التي كتبها بعد المنفى في سيبيريا مُصادَرةً وممنوعةً من قِبَل النظام السوفييتيّ.

عانى دوستويفسكي مدَّة 10 سنوات من إدمان القمار، وكتب روايةً خاصّة عن هذه التجربة، وهذا الإدمان، ونفسيّة المقامر وحياته. وفي المقالات القادمة سنعرض نبذةً عن أهمّ وأكثر الروايات تأثيرًا، التي كَتَبَها دوستويفسكي بعد تجربة المنفى التي عاشها.

  • إعداد: محمد مطيع.
  • تدقيق لغوي: غنوة عميش.
تعليقات
جاري التحميل...