شغف المعرفة

ماهي الثروة؟ وكيف يُمكن للفقراء خلقها؟

المالُ ليس ثروةً. هُنالكَ سوء فهم أساسي لدى كثيرٍ من الناس بشأن النقود، وهذا غالبًا هو سبب تمكُن بعض الناس من ربح كثيرٍ من المال؛ بينما لا يتمكن غيرهم من ذلك، ثم إنّه سببُ كون بعض الناس أثرياء والبعض الآخر ليسوا كذلك.

بدايةً؛ فلنضع مسائل الثروة الموروثة أو الأموال “المُكتسبة بطريقة غير عادلة”جانبًا؛ لأنها تُحدِث انحرافًا في التحليل، ولنركز على العامل المُهيمن. تعني الثروةُ، أي أن تكون ثريًا، إنتاجَ أشياء ذات قيمة، لا امتلاك الكثير من النقود.

إن الكلمة المحورية هُنا هي “القيمة“. هذه الكلمة أهم من الثروة أو المال، وهي العامل المحوري الحقيقي الذي يدور حوله الاقتصاد. تُعد الأموال والثروة كلمات جذابة، لكنّ القيمةَ كلمةٌ مملّة لا يلحظها كثير من الناس؛ بينما هي الكلمة الأكثر أهميةً في الواقع.

القيمة هي ما ينتج عندما تعمل، أو تنقب عن الموارد، أو تطور فكرة، أو تبتكر شيئًا جديدًا، أو تشارك في تجارة ذات منفعة تبادلية، وما إلى ذلك. القيمةُ هي “الشيء” الذي يحققه الناس من لا شيء عن طريق العمل والابتكار والتجارة وغيرهم. من ناحية الأخرى، المال هو مخزن تلك القيمة؛ عندما تخلق قيمة ما، سترغب في مبادلتها مع شيء آخر ذي قيمة كي تتمكن من العيش (أو اللعب) من ثماره، لكن؛ القيمة ليست قابلة للنقل أو التداول دائمًا، بالتالي، تُعدُ النقود هي التكنولوجيا المستخدمة لتخزين ونقل القيمة عبر الزمان والمكان، لو كنت تمتلك مزرعة بطيخ، فإن القيمة التي خلقتها تأخذ شكل البطيخ.

يكمنُ سبب عدم قدرتك على علاج الفقر، من خلال إعادة توزيع المال، في أن الفقر ليس عَرَضًا للتوزيع غير المتساوي للأموال؛ بل هو عَرَض للتوزيع غير المتساوي للقدرة على خلق القيمة. يُطلق الشيوعيون على هذا اسمَ “وسائل الإنتاج”، وفي عصرهم، كانت مُمثلة في ملكية المصانع والمزارع وساحات السفن وتأجير الممتلكات وغيرها. يُطلق عليها الموضوعيون اسم “القوة الإبداعية لعقول البشر“.

هذا ما سيحدث لو أعدت توزيع كل الأموال بالتساوي: لنقل أنك فعلت ذلك بالفعل؛ وامتلك كل شخص في العالم مليون دولار. في اليوم التالي، ستنتهي كل هذه النقود في أيدي الأثرياء مرة أخرى؛ لأن الثري يتحكم في المزارع والمصانع التي تنتج النقود والملابس، ويمتلك الممتلكات التي تُؤجَّر وما إلى ذلك من امتيازات.

سترتفع الأسعار بشدّة؛ لأنه أصبح بإمكان الجميع “تحمُّل ثمن” كل شيء فجأة، لذا سيزيد الطلب، الأمر الذي سيؤدّي إلى رفع الأسعار، وقريبًا سيستعيد الأشخاص الذين يمتلكون وسائل الإنتاج الأموالَ مرة أخرى؛ لأن الجميع سيدفعون لهم مقابل الأشياء التي يحتاجونها ليؤمِّنوا معيشتهم. بالطبع، سيستمر الرجل العادي (أو الفقير) في تلقي بعض المال أجرًا مقابل عمله، لكنّ الأشخاص الذين يمتلكون مراكز إنتاج كبيرة سيتلقون نقودًا أكثر بكثير لأنهم ينتجون أشياء يريدها الناس أكثر، وهذه هي “القيمة“.

يعني الثراء في الواقع أن تتحكم (تملك) وسائل إنتاج القيمة. أنت تملك عقلك وجسدك، وهما يخلقان القيمة، لكن؛ يمتلك بعض الناس أيضًا آليات مادية أو افتراضية كبيرة مثل؛ المزارع أو المصانع، التي تنتج كمياتٍ كبيرة من القيمة؛ إن إعادة توزيع المال لا يعيد توزيع التحكم (الملكية).

من ثم، تُعَد فكرةُ “إعادة توزيع الثروة” فكرةً مراوغة؛ لأن المال ليس ثروة، وإنْ أعدت توزيعه لن يغير هذا أي شيء. أنت بحاجة إلى إعادة توزيع ملكية وسائل خلق القيمة (أو على الأقل جعلها متساوية بطريقة أخرى)، وهو لأمرٌ مستحيل. من ثم، تتمثّلُ المشكلة الحقيقية التي يجب عليك حلها في السؤال الآتي: “كيف يمكنني جعل الفقراء يخلقون القيمة؟”

  • بواسطة: أنور المكي.
  • تدقيق لغوي: نور عبدو.
تعليقات
جاري التحميل...