شغف المعرفة

فيودور دوستويفسكي: حياته، أفكاره وتأثيره – الجزء الأول

حياة دوستويفسكي الشخصية

يُعدّ فيودور ميخايلوفيتش دوستويفسكي روائيًّا، وكاتب قصص قصيرة، وصحفيًّا، وفيلسوفًا روسيًّا، وهو واحدٌ من أشهر الكتّاب والروائيين الذين عاشوا على الإطلاق، وكان له تأثيرٌ كبير على الأدب وفنّ الرواية في القرن العشرين، وكذلك مختلف مدارس عِلْم النفس، والفلسفة الوجودية، واللاهوت، والنقد، والأدبيّ، وقد تشكَّلت تشكّلًا عميقًا عن طريق أفكاره. وغالبًا ما تُسمَّى أعمالُه نبويًّة؛ لأنَّه تنبَّأ كيف سيتصرف الثوار الرُّوس إذا وصلوا إلى السلطة بدقّة.

وقد اشْتُهر عالميًا بدرجة كبيرة عن طريق رواية الإخوة كارامازوف، ومذكرات قبو، والفقراء، والشياطين، وتحفته الجريمة والعقاب؛ التي اعتبرها عالم النفس الشهير جوردان بيترسون أفضل أعماله وأفضل رواية كُتِبَتْ، و العديد من المُفكِّرين يشاركونه هذا الرأي.

يشتهر كلّ عمل من هذه الأعمال بعُمقها النفسيّ، وفي الواقع يُعدُّ دوستويفسكي أحد أكثر الناس فهمًا للنفس البشرية في التاريخ الأدبيّ والنفسيّ عادةً. وتخصَّص في تحليل الحالات المرضيَّة للعقل التي تؤدّي إلى الجنون والقتل والانتحار، وفي استكشاف مشاعر الإذلال، والتدمير الذاتي، والهيمنة الاستبدادية، والغضب القاتل. وتُشتهر هذه الأعمال الرئيسة أيضًا بأنّها”رواياتٌ فكرية” عظيمة تُعالج قضايا فلسفية وسياسية لا يحدُّها زمن معين، وتبقى مهمّة لدرجة كبيرة إلى يومنا هذا.. فعلم النفس والفلسفة يرتبط ارتباطًا وثيقًا بأعمال دوستويفسكي.

وفي سلسلة المقالات التي يُعد هذا المقال أولها سوف أتحدّث عن حياة دوستويفسكي، وأعماله (سأحاول تلخيص أفكار بعض رواياته المهمّة)، وأفكاره السياسية وتأثيره على السياسة الروسية والعالمية إلى يومنا هذا.

حياة دوستويفسكي الشخصية:

 

وُلِدَ دوستويفسكي سنة 1821 في مدينة موسكو الروسية  في منزل العائلة قرب مستشفى ماريانسكي للفقراء والذي يُعدُّ حيًّا فقيرًا من الطبقة الدُنيا في موسكو. وفي عمرٍ مُبّكر بدأ قراءته الأدبية عن طريق قراءة القصص الخيالية والأساطير من كُتّاب روس وأجانب. فاطَّلع في عمر مُبكِّر على الملاحم البطولية والحكايات الخرافية، وكلّ هذا كان عبر مُربِّيَته ألينا فرولوفنا؛ التي أثَّرتْ عليه كثيرًا في طفولته.

وقد عرَّفه والداه بمختلف أنواع الأدب؛ الذين من ضمنهم أعظم الأدباء الروس، والأدب الرومانسي والحكايات البطولية الإغريقية لهوميروس أيضًا. فقد ذكر دوستويفسكي أنَّ والديه كانا السبب الرئيس لتعلُّقه بالأدب؛ وذلك بسبب قصص ما قبل النوم التي كانا قرآها له.

وحتى سنة 1833 تلَّقى دوستويفسكي تعليمه في المنزل قبل إرساله لمدرسة داخلية في موسكو، ومن ثمَّ إلى مدرسة تشيرماك الداخلية، ووُصِفَ هناك بأنَّه ذو وجهٍ شاحب، وانطوائي، ورومانسي. وقد اقترض والده المال، ووسَّع عمله الطبيّ الخاصّ لدفع الرّسوم المدرسية. ولكونه فتىً من الطبقة المتوسّطة العاملة شعر بأنَّه منبوذ من قِبَل زملائه الأرستقراطيين.

أرسلَه والداه هو وأخوه ميخائيل للدراسة في معهد نيكولايف للهندسة العسكرية في سانت بطرسبيرج. فقد كان مهندسًا عسكريًا. وفي العام نفسه تُوفيَتْ والدته سنة 1837 بسبب مرض السلّ، فاضطر إلى ترْك الدراسة الأكاديمية، والتّركيز على مستقبلِه في تقوية حياته المهنية العسكرية. وقد كره فيودور الأكاديمية؛ وذلك بسبب عدم اهتمامه بالعلوم الرياضية والهندسة العسكرية، وتفضيله للرّسم والهندسة المعمارية.

تُوفيَ والد دوستويفسكي سنة 1839 بسكتة اًصابته، وهناك من قال إنّه مات مقتولًا من قِبَل أقاربه. وقد كان جراحًا عسكريًا متقاعدًا يعمل طبيبًا في مستشفى ماريانسكي للفقراء في موسكو، وهناك كان يعالج قضايا خيرية بينما كان يمارس تدريبًا خاصًا أيضًا. وعلى الرغم من كونه والدًا مُخلصًا إلا أنَّ والد دوستويفسكي كان رجلًا صارمًا، ومريبًا ومتصلّبًا. وعلى النقيض من ذلك، كانت والدته؛ وهي امرأةٌ مثقّفة من أسرة تجارية تتكرّم وتتسامح. وقد قالت ابنة دوستويفسكي أنّه عندما عَلِمَ هذا الأخير بوفاة والده بدأتْ تظهر عليه علامات الصَّرع.

مما خوَّله بعد وفاة والده ليُكمل فيودور دراسته، وليتخرّج من الأكاديمية وليُعطى لقبَ مهندس عسكري، ومن ثمَّ الذهاب والعيش بعيدًا عن الأكاديمية. فذهب وزار أخاه ميخائيل في رافل أستونيا، وحضر المسرحيات وعروض الأوركسترا والباليه. وأثناء تلك الفترة عرّفه اثنان من أصدقائه على المقامرة؛ التي أدّت دورًا خاصًّا في حياته، الشيء الذي جعله يكتب روايةً باسم المقامر فيما يتعلّق بنفسيَّة المقامر وطريقة تفكيره.

وبعدها عمل مهندسًا مُلازمًا، وفي ذلك العام نفسه؛ أي في سنة 1843 أنهى أولى أعماله الأدبية؛ التي كانت ترجمةً لروايةٍ من تأليف بلزاك تَبِعَها عددٌ من الترجمات غير الناجحة، وكان يعاني من صعوبات مالية قادته لبدْء امتهان كتابة الروايات لكسْب عيشه في النهاية.

كان دوستويفسكي دائمًا في أمسّ الحاجة إلى المال، وكان عليه أن يُسرع في نشر أعماله، على الرغم من أنَّه اشتكى من أنَّ الكتابة ضدّ موعدٍ نهائي منعتُه من تحقيق قدراته الأدبية الكاملة، فإنَّه من الممكن أنَّ أسلوبه المسعور أيضًا في تكوين رواياته هو طاقة ظلَّت جزءًا من جاذبيَّته. وأشار أيضًا إلى أنَّه على عكس الكُتّاب من طبقة النبلاء؛ الذين وصفوا الحياة الأُسرية لطبقة خاصّة بهم، والتي شكَّلتها الأشكال الجميلة، والتقاليد المستقرّة، فقد استكشف،  ووصف دوستويفسكي حياة العائلات الفقيرة والمُذلّين المُهانين.

إنَّ دوستويفسكي يساعدنا على إدراك استحالةِ معرفة الإنسان، ويُطْلعنا على محدوديَّته، وعلى فوضى مشاعره، ويُرينا أيَّ تناقضات، وأيَّ أعماق لا يُمكن بلوغها تكمن في نفس الإنسان. فهو يدرس في رواياته قضايا الوجود، والعذاب، والشرّ، والحبّ، والجريمة، ومعنى الحياة، والجنون، والأهواء، والمنفعة المُغرضة.

وقد أنْهى دوستويفسكي أولى رواياته “الفقراء” سنة 1845، ولَقِيَتْ شهرة واسعة في المجتمع الروسيّ ؛فقد علَّق الأمير أودويفسكي على هذه الرواية بقوله:

“يا لهؤلاء الكُتّاب القصّاصين! إنهم بدلًا من أن يقصُّوا علينا شيئًا نافعًا مُمتعًا، ومريحًا، يهتكون جميع أسرار الحياة على هذه الأرض، ويزيحون الحُجُب عن جميع مبائس الوجود ! .. فلو كان الأمر لي لنهيتُهم عن الكتابة! فكروا في النتائج التي يؤدّي إليها هذا! إنَّ المرء يقرأ ما يكتبون .. فإذا هو، على غير إرادة منه يأخذ يتأمل …. و إذا بجميع أنواع الأفكار العجيبة المستحيلة تغزو رأسه” 

وبعد الانتهاء منها، أعطى نسخةً إلى صديقه ديمتري غريغوروفيتش، والذي أحضرها إلى الشاعر نيكولاي نيكراسوف. وبعد قراءتهما لهذا العمل غمرت هذين الكاتبين بصيرةُ العمل النفسية، و الوصف والقدرة على اللعب على أوتار القلوب. فعلى الرغم من أنّها كانت الرابعة صباحًا إلا أنَّهم توجَّهوا مباشرةً إلى دوستويفسكي ليخبراه بأنَّ روايته هذه كانت تحفة فنية.

وفي وقت لاحق من ذلك اليوم؛ أحضر نيكراسوف روايةَ الفقراء إلى بيلينسكي، وقال له “ظهر غوغول جديد” (غوغول يُعدّ واحدًا من أبرز الكُتّاب الرّوس). وسرعان ما نقل بيلينسكي حماسه إلى دوستويفسكي، وقال له “هل تُدرك أنت بنفسك ما كتبتَه”. ردود الفعل هذه جعلتْ دوستويفسكي سعيدًا جدًا.

كانت الأحداث الرئيسة لحياة دوستويفسكي من الإعدام الوهميّ، والسجن في سيبيريا، ونوبات الصَّرع معروفة جيدًا لدرجة أنَّه حتّى بصرْف النظر عن عمله حقق دوستويفسكي شهرةً كبيرة في وقته الخاص. وقد استفاد في الواقع في كثير من الأحيان باعتماده على حوادث دراماتيكية للغاية من حياته في خَلْق أعظم شخصياته. ومع ذلك، بقيَتْ بعض الأحداث في حياته غايةً في الغموض.

أدرك دوستويفسكي أنَّ مهْنته العسكرية ستعرِّض حياته الأدبية المُزدهرة الآن للخطر، لذلك كتب خطابًا يطلب فيه الاستقالة من منصبه.

  • إعداد: محمد مطيع.
  • تدقيق لغوي: غنوة عميش.
تعليقات
جاري التحميل...