شغف المعرفة

ثراء الدول وإفلاسها

هل قام آدم سميث (1723-1790) المؤسس الفعلي للاقتصاد السياسي، بقراءة كتابات ابن خلدون (1332-1406) المؤسس الفعلي لعلم الإجتماع؟ هل كان يقوم بنقل بعض الأفكار من “المقدمة” (1377) ويضعها مباشرة في “ثروة الأمم” (1776) من دون أن يحيل على مصادره من المؤرخ وعالم الاجتماع المغاربي العظيم؟ تشغل التقاطعات الواردة في فكر العَلمين بال بعض الاقتصاديين والمفكرين، وأيا كان الجواب النهائي على سر هذا الاتفاق حول بعض الأفكار، فإن ما يهمنا نحن اليوم هو فكرتهما المهمة حول الأسباب التي تفسر ثراء دول وإفلاس أخرى.

قال ابن خلدون في المقدمة:

“اعلم أنّ العدوان على النّاس في أموالهم ذاهب بآمالهم في تحصيلها واكتسابها لما يرونه حينئذ من أنّ غايتها ومصيرها انتهابها من أيديهم. وإذا ذهبت آمالهم في اكتسابها وتحصيلها انقبضت أيديهم عن السّعي في ذلك، وعلى قدر الاعتداء ونسبته يكون انقباض الرّعايا عن السّعي في الاكتساب”.

وبعده بـأربعمائة سنة، قال آدم سميث في ثروة الأمم:

“إذا أردنا إيصال الدولة إلى أعلى درجات الثراء انطلاقا من أدنى درجات البربرية فلا نحتاج إلى الكثير من المتطلبات إذا توفر السلام والضرائب السهلة وقدر مقبول من تطبيق العدل”.

إذا كان ابن خلدون قد تحدث عن العدوان دون أن يقوم بتفصيل أنواعه، فإن آدم سميث قام بتسمية الأشياء بمسمياتها، وربط ثراء الدول ورفاه المجتمعات بالسلام والضرائب المقبولة والعدل، فالعدل أكثر أهمية للمجتمعات من الإحسان كما يقول آدم سميث نفسه في سفره العظيم “ثروة الأمم”.

يقر كلا العَالِمين، الذين ولدا في بيئتين مختلفتين وفي عصرين متباعدين أن مفتاح ثراء المجتمعات الإنسانية ليس سرا على أي أحد، وأن الدول التي تأخذ على عاتقها إخراج مواطنيها من البؤس والفقر هي بالفعل قادرة على ذلك، ولا تحتاج لحلول سماوية أو معجزات لا يدركها البشر، بل يتجلى الحل في ترك الطبيعة الإنسانية تتصرف من تلقاء ذاتها وفق قانونها الطبيعي، حيث يسعى الأفراد للبحث عن الربح والثراء وتطوير المواهب والخلق والإبداع.

يعترض هذا النظام الطبيعي في الواقع عمل وسياسات المؤسسة التي نسميها الدولة، والتي وضعت في الأساس بسبب تفشي العنف في المجتمعات الانسانية، كي تحتكر العنف ليعم السلام الاجتماعي. لكن من خلال سياساتها وجشع نخبها تعرقل هذه المؤسسة (الدولة) القانون الطبيعي الذي جبلت عليه المجتمعات الانسانية، وتعطيهم بدلا منه قواعد تفيد الأقوياء الذين يعيشون ويغتنون على حساب بقية الأفراد.

ولما يختل القانون الطبيعي للمجتمع، يفقد الأفراد المحفزات الأساسية على الاستثمار في تعليمهم وفي رأسمالهم المادي، ويتكاسلون على الإبداع وتتدهور إنتاجيتهم وتفقد مقاولاتهم التنافسية وتتراجع أرباحهم ويصبح السوق ساحة بلا قوانين، فتنصاع لنخب سياسية واقتصادية تستقوي بالدولة كي تعتاش على مواردها، ويستفحل “النموذج الريعي” الذي نراه اليوم سائدا في مجموع البلدان في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

لن يختفي الفقر في هذه البلدان وتتحقق التنمية حتى تقوم على العدل، وتضمن الدولة السلام الداخلي وفيما بينها، وتتوقف عن النهب المنظم الذ تمارسه عن طريق الضرائب المرتفعة التي يتم تبذيرها من خلال سياسات فاشلة بسبب الفساد المستشري في دواليب بيروقراطياتها. ومن دون ذلك، لا نحتاج للكلام المستهلك عن “سياسات الخير والنماء” التي تبقى حبرا على ورق، أو يتم تنزيلها من طرف نخب فاشلة صديقة لنخب نهابة، في إطار دول بنيت على القمع والنهب منذ أول يوم.

إن السؤال الذي يجب أن يطرحه أي مسؤول كل صباح هو: هل ما يزال بلده يقدم لمواطنيه محفزات كي يستثمروا في الأمل وفي المستقبل؟ أم أن الاحباط بلغ مداه؟

تعليقات
جاري التحميل...