شغف المعرفة

قراءة في كتاب: تاريخ قصير للبشر -الجزء الخامس- هانز هيرمان هوبه

ثالثًا؛ من الأرستقراطية إلى الملكية ثم إلى الديمقراطية

وصلت رحلتنا في ثنايا كتاب تاريخ قصير للبشر إلى الشطر الأخير. وفي الفصل الثالث من الكتاب، يحاول هانز هيرمان هوبه الإجابةَ على السؤال الذي يدور حول مدى إمكانية ظهور وتوسع مؤسسة الدولة وكيفية ظهورها إلى الوجود خطوة بخطوة.

مؤسسة الدولة:

تصبح الصراعاتُ بين الناس جزءًا لا مفرّ منه من الحياة البشرية وخطرًا دائمًا يهدّد حالة السلم؛ نظرًا لأن الوضع البشري دائم الندرة وفي غياب الوفاق التام لكل المصالح البشرية. ثمّ إنّ البشر كانوا يواجهون السؤال عن مدى إمكانية تجنب صراعات كهذه، وكيف يمكن حلها سلميًا عند حدوثها، كما سيظلون يواجهونه على الدوام، وذلك إزاء الصراعات التي تدور حول السلع النادرة، لكن؛ باستخدام العقل وعلى نحو أدقّ؛ القدرة على التواصل والنقاش والجدل فيما بينهم، بوصفه مظهرًا للعقل البشري، افترض وجود جماعة من الناس؛ تعي حقيقة الصراعات بين الناس، وتبحث عن مخرج من هذا المأزق، ثم افترض أني سأقترح ما يأتي بمثابة حلّ: في كل حالة صراع، بما في ذلك الصراع الذي أكون أنا شخصيًا جزءًا منه، ستكون لي الكلمة الفصل وسأكون الحكم النهائي على من يملك ماذا ومتى، ومَن المحق ومن المخطئ وفقًا لذلك في أي صراع يخصّ المصادر النادرة، على هذا النحو، يمكن تجنب كل الصراعات أو حلها بسلاسة.

هذا يقودني إلى التساؤل التالي؛ ما هي الفرص المُتاحة أمامي من أجل نيل موافقتك أو موافقة أي شخص آخر على هذا المقترح؟

أخمن أنّ فرصي ستكون أقرب إلى الصفر. في الواقع، سترى اقتراحي سخيفًا، ومعظم الناس سيفعلون، وربما تعتقد أني مجنونٌ يحتاج إلى علاجٍ نفسيّ. وسرعان ما تدرك أنه لو طُبِّق هذا المقترح، عليك أن تخاف على حياتك وممتلكاتك حرفيًا؛ لأن هذا الحل سيسمح لي أن أتسبّب بصراعٍ معك وأحسم هذا الصراع لصالحي. وبالفعل، في ظل هذه الاقتراح ستتخلى عن حقك في الحياة والملكية أو حتى أي تظاهر بحق كهذا أساسًا. إذ لك حق في الحياة والملكية فقط ما دمتُ أمنحك هذا الحق، أي ما دمت أنا أقرر استمرار حياتك والإبقاء على ما تعده ملكك. وفي النهاية، أنا وحدي من أملك الحق في الحياة وأنا مالك كل السلع.

لكن؛ هذا الحل الجنوني بوضوح هو الواقع، وهنا يكمن اللغز، إذ أينما تنظر، تجده مطبّقًا على شكل مؤسسة الدولة. فالدولة هي الحكم الفصل في كل حالة من الصراع، ولا نقاش في أحكامها. وحين تخوض صراعًا مع الدولة ومع وكلائها، فإن الدولة ووكلاءها هم من يقرر من المحق ومن المخطئ. والدولة هي التي تملك الحق في أخذ الضريبة منك. وبالنتيجة؛ الدولة هي من يقرر كم يحق لك أن تبقيَ من ملكيتك، أي أن ملكيتك ملكية اعتبارية. ويمكن للدولة أن تسنّ القوانين، وأن تشرع، أي أن حياتك بأسرها تقع تحت رحمة الدولة. بل يمكن أن تأمر بقتلك حتى؛ ليس دفاعًا عن حياتك وممتلكاتك، بل دفاعًا عن الدولة وما الدولة دفاعًا عن سيادتها .

حاول هانز هرمان هوبه في كتابه تفسير تمكّن هذه المؤسسة العجيبة من الظهور إلى الوجود، والتطور إلى ما هي عليه اليوم من ضخامة للتحكم في مجرى حياة البشر أجمعين.

للإجابة على هذا سافر بنا هوبه إلى جميع الأزمنة التاريخية لظهور الدولة وتطورها من ملكيات إلى ديمقراطيات، ويوضح أن الدولة لم تظهر من العدم، وأن نشوء هذه المؤسسة استغرق قرونا من التاريخ كي يحدث. في البداية، كان نظامًا اجتماعيًا طبيعيًا ارستقراطيًا، ورغم نقائصه العديدة خلال أوائل القرون الوسطى الأوروبية مع الملوك والأسياد الإقطاعيين، ومن ثم أزيح تدريجيًا على يد الملكيات المطلقة أولاً، ثم على يد الملوك الدستوريين والملكيات الكلاسيكية، التي احتلت المشهد التاريخي منذ حوالي القرن السابع عشر حتى أوائل القرن العشرين، وأخيرًا اُزيحت هذه الملكيات الكلاسيكية بدورها تدريجيًا، واستُبدلت الديمقراطيات بها في النهاية (جمهورية كانت أو ملكية برلمانية) بدءًا بالثورة الفرنسية وانتهاءً بانقضاء الحرب العالمية الأولى.

ما هو استثنائي في الأمر وغير الطبيعي؛ مثلما نتعلم في المدارس ومن بعض المثقفين الآخرين؛ أن هذا التطور بأكمله يعتبر تقدمًا لكن؛ بالنسبة إلى هوبه؛ العكس تمامًا، وفي كتابه يتطرّق إلى لموضوع بشكل خاص ويعيد كتابة التاريخ المعروف.

الملكية الإقطاعية أو الأرستقراطية الطبيعية:

يوضح هوبه أنه في غياب الدولة كان الحل للنزاعات هو الملكية الخاصة وطريقة تعامل الناس مع امتلاكها، ويظهر أن ما ينقص النزاعات الواقعية ليس غياب القانون؛ بل عدم الاتفاق على الحقائق فقط. وليست الحاجةُ إلى قضاة وحكام في النزاعات حاجةً لاختراع قوانين؛ بل هي حاجةٌ لمعرفة الحقائق وتطبيق القانون القائم في حالات فردية ومواقف خاصة. وفي هذا الصدد يقول:

“ستوصلنا المداولات إلى بصيرة تشير إلى أن القوانين لا يجب أن تُصنع؛ بل أن تُكتشف، وأن مهمة القاضي تقتصر على تطبيق القانون القائم على حقائق ثابتة أو سيتم إثباتها.”

إذًا بافتراض وجود طلب من قبل الجهات المتنازعة على القضاة والمحكمين والمصلحين المختصين، لا بهدف التشريع؛ بل من أجل تطبيق القانون القائم، ويتجه الناس لإشباع هذا الطلب من أجل فضّ نزاعاتهم إلى السلطات الطبيعية أي أفراد الأرستقراطية الطبيعية من نبلاء وملوك لأن معظم الناس لا يملكون المقدرة العقلية والصفات الشخصية الضرورية لصناعة قاض محترم، لذا تكون أحكام معظم الناس لا سلطة لها ولا تملك فرصة تذكر في أن تُسمَع وتحترم وتطبق.

هذا ما يعنيه هوبه بالأرستقراطية الطبيعية أو النبلاء والملوك؛ إذ في كل مجتمع هناك قلة من الأفراد الذين يكتسبون مكانة النخبة الطبيعية. وبفضل منجزاتهم المتفوقة في الثراء والحكمة والشجاعة سيمتلك الأفراد سلطة أكبر من غيرهم ويكون لرأيهم وحكمهم تقدير واسع، ومازال يمكن معاينة هذه الظاهرة في كل مجتمع صغير.

يفسر هوبه هذا من خلال إعطاء مثالٍ عن وجود اتفاق عمومي على أنه في كل حالة صراع سيتجه المرء إلى فرد واحد معين، هو رأس أشد العائلات نبلاً؛ الملك. من غير المتوقع أن ينعقد الاتفاق على منح حق التشريع للملك، لأن الملك سيكون خاضعًا ومقيّداً بذات القانون الذي يدين به الجميع لأن المراد منه هو تطبيق القوانين لا صنعها. ولضمان ذلك، لن يمنح الملك احتكارًا لمكانته بصفته قاضٍ أبدًا. قد يكون الحال أن يتجه الجميع إليه لتحقيق العدالة أي يملك احتكارًا طبيعيًا بوصفه أهم قاض ومُصلح، لكن؛ تظلّ حريةَ الجميع اختيارَ قاضٍ أو نبيلٍ آخر إنْ كانوا غيرَ راضين عن الملك.

فهو لا يملك أي احتكار قانوني لمنصبه كقاضٍ وأنْ وجد أنه قام بوضع قوانين بدلًا من مجرد تطبيقها أو ارتكب خطأ في تطبيق القانون من مثل؛ سوء تفسيره أو تمثيله أو تكذيب الحقائق في قضية ما فيمكن تحدي حكمه في محكمة عدلية أخرى من النبلاء ويمكن أن يعد نفسه مسؤولاً عن سوء حكمه.

قد يبدو الملك بمثابة رأس دولة لكنه ليس الدولة شخصيًا؛ بل يمثل جزءًا من نظام اجتماعي طبيعي منسق عموديًا وهرميًا أي ارستقراطية. وقد ظهر هذا للوجود في أوائل العصور الوسطى الأوروبية خلال العصر الإقطاعي؛ في هذه الفترة لم يكُ بوسع الأسياد والملوك الإقطاعيين أن يفرضوا ضرائِب على الرعيّة إلا برضاها، وكان كلُّ رجل حرًا يملك سيادة صنع القرار النهائي على أرضه مثلما سيادة الملك الإقطاعي على أرضه. كما اُعتبِرت الضرائب دون رضىً مصادرةً واستحواذًا غير مشروعين. وكان الملك خاضعًا للقانون وتحت طائلته فرغم كون الملك نبيًا بل وأعظم النبلاء، لكن؛ يظلّ هناك الكثير من النبلاء وغير النبلاء كل منهم أحرار وخاضعين لنفس القانون مثل الملك. وكان هذا القانون يعتبر قديمًا وأبديًا، أما القوانين الجديدة فقد كانت تُفرض باعتبارها ليست قوانين أصلًا.

كان الغرض الوحيد للملك القروسطي هو تطبيق وحماية القانون القديم وكانت فكرة الملكية بحق الولادة غائبة في أوائل العصور الوسطى، إذ أنّ الوصول إلى العرض كان يتطلب رضى القائمين بالاختيار وكل عضو وكل قطاع من جماعة المنتخبين كان حرًا في مقاومة الملك إذا اعتبرت قراراته غير مشروعة، وكان الناس أحرارًا في التخلي عن الملك والبحث عن ملك جديد. ولكي لا يطيل في إثبات هذه الأطروحة في الكتاب، أشار هوبه إلى كتاب حول هذا الموضوع من تأليف فريتز كيرن يسمى “الملكية والقانون في العصور الوسطى” والمصادر الأخرى في كِتابه “الديمقراطية: الإله الذي فشل“.

الملكية المطلقة:

ما حدث بعدها هو وقعُ حماقةٍ خُلُقية واقتصادية إذ أُسّس احتكارٌ مناطقي للقضاء النهائي، ورافقَته سلطة صنع القانون وانفصل القانون عن التشريع وبات يخضل له وهكذا استبدل بالملوك الإقطاعيين ملوكًا مُطلقين.

احتكر الملك وظيفة القاضي النهائي وأصبح الملك هو الدولة وأُلغيت الملكية الخاصة من أساسها، وحلت محلها الملكية الوضعية أي الملكية التي يمنحها الملك لرعيته، وبات بوسعه فرض ضرائب على الأملاك الخاصة بدلاً من طلب المعونة من مالكيها وكذلك إصدار القوانين بدلاً من التقيد بالقوانين القائمة غير المتبدلة. وبالتالي، أصبح القانون وتنفيذه أمر أشد تكلفة، فبدلاً من أن يقدما مجانًا أو لقاء مبلغٍ طوعي أصبحا يموّلان بموجب ضريبةٍ إلزامية، الأمر الذي نتج عنه انخفاضٌ في جودة القانون.

وهنا ظهر شكل جديد من العنف في المجتمع وأصبح بإمكان الملك نقل تكاليف الأعداء إلى أطراف خارجية مثل؛ دافعي الضرائب والمجندين وهكذا تزايدت حدّة الاعتداء والإمبريالية، خصوصًا أي محاولات توسيع الحكم بالاعتداء عبر الحرب.

كيف حدث كل هذا؟

يوضح هوبه أنّ الملك قد انحاز إلى الشعب كما استحث الشعور السائد في كل زمان ومكان بالحسد عند الأقل حظًا تجاه الأفضل؛ أي الأسياد والنبلاء. كما وعد العامة بتحريرهم من التزاماتهم التعاقدية تجاه أسيادهم جعلهم ملاكًا لا نزلاء في أراضيهم المُتسأجرة مثلاً أو اغتفار ديونهم لدى الدائنين وبهذا استطاع تخريب الحس العام بالعدالة بما يكفي لإحباط المقاومة الأرستقراطية لإنقلابه.

وقد منحهم الملك مناصب في بلاطه الضخم؛ لاسترضاء الطبقة الأرستقراطية بعد خسارتها لسلطتها وكذلك من أجل تقليص مقاومتها. ثمّ إنه انحاز للمفكرين أيضًا في سعيه لنيل السلطة المطلقة. إذ يعاني المفكرون بشكل شبه ولاديّ من صورة ذاتية متضخمة ولهذا؛ تجدهم دومًا أكثرُ ميلًا لنشر الحسد. كما منحهم الملك منصبًا مضمونًا مثل مثقفي البلاط، ليردّوا له الجميل عبر الدعم الفكري الضروري لمنصب الملك كحاكم مطلق. وحققوا هذا عن طريق تصوير التاريخ قبل مجيء الملك المطلق بأسوأ صورة ممكنة؛ صراعًا مستدامًا بين الكل والكل حين كان فيه الإنسان ذئبًا على أخيه بخلاف التاريخ الفعلي للنظام الطبيعي الارستقراطي السابق. ومن جهة أخرى صوروا وصول الملك إلى السلطة المطلقة على أنّه نتيجة لاتفاق تعاقدي بين رعيته تم عقلانيًا على أساس خرافة التهديد بعودتهم، من دون ذلك، إلى حرب الكل ضد الكل، الأمر الذي يستحيل حدوثه كما أشار هوبه في كتابه واعتبر أن هذا العقد يعتبر خرافة تمامًا.

الملكية الدستورية:

أنتج عمل المفكرين الأيديولوجيين على ترويج خرافة ذات الوجهين، لتصوير صعود الملوك المطلقين بوصفه ثمرة تعاقد فاستحالت بعدها الملكية المطلقة إلى الملكية الدستورية.

يرى هوبه أن هذا الانتقال لا يعتبر تقدمًا بدوره؛ بل يعتبر حماقةً مثل الحماقة الأولى لظهور الملكية المطلقة، ويوضح ذلك في شرحه؛ أنْ عندما كان موقف الملك المطلق في أفضل الأحيان ضعيفًا، حين ما تزال ذكرى صعوده الفعلي للسلطة المطلقة بالاغتصاب لابثةً في الأذهان ثم تقيده عمليًا من سلطته المطلقة، رسمت إضافةُ الدستور في الواقع قدرتَه وقنّنتها على فرض الضرائب والقوانين. إذ لم ينشأ الدستور ليحمي الشعب من الملك؛ بل كان يحمي الملك من الشعب، لقد كان ذلك دستور دولة يسلم سلفًا بما كان يثير من قبل أعظم الشكوك؛ ألا وهو الحق في فرض الضرائب دون موافقة الشعب وكذلك سن القوانين، وهكذا تمكن الملك الدستوري، عبر إخضاع نفسه لبعض الشكليات والإجراءات، من توسعة سلطاته وإثراء نفسه بشكل أعظم بكثير مما كان بوسعه أبدًا بصفته ملك مطلق.

هنا مربطُ الفرس؛ يكمن الإشكال في أن القوى ذاتها التي ارتقت بالملك الإقطاعي أولاً إلى مكانة الملك المطلق ثم الملك الدستوري ثانيًا؛ أي قوى اِلْتِماس المشاعر المساواتية وحسد الرجل العادي للأفضل منه والاستعانة بالمفكرين، قد ساعدت أيضًا على إسقاط الملك نفسه ومهّدت الطريق لحماقة أخرى أعظم؛ هي الانتقال من الملكية إلى الديمقراطية.

الديمقراطية:

يقول باستيا:

” تصبح الدولة خيالًا عظيمًا في ظلِّ الديمقراطية؛ يسعى كل شخص فيه إلى العيش على حساب كل من سواه. إذ يصبح كل شخص، وكذلك ملكيته الشخصية، في متناول الجميع ولقمة سائغةً لهم”.

في حين يوجد دومًا شيئًا قيّمًا أو شيئًا جيدًا يُعاد توزيعه مثل؛ الملكية والدخل، ويفترض أن المتمكنين يملكون منه أكثر مما يجب بينما يملك المحرومون منه أقل مما يجب، فإن أيّ إعادةِ توزيع ستقتضي كون الحافز لتحصيل شيءٍ ذي قيمة أو امتلاكه أو إنتاجه سينخفض نظاميًا، وبتغيير ما يلزم، سيزداد الحافز لعدم تحصيل ذلك الشيء أو امتلاكه أو إنتاجه نظاميًا؛ بغية منع كون المرء أو امتلاكه شيئًا جيدًا والاعتماد بدلًا من ذلك على الدخول والثروة المعاد توزيعهما. وبإيجاز؛ فإن نسبة وجود الأشخاص الجيدين والنشاطات الجيدة المنتجة للقيمة ستتقلص، ونسبة وجود الأفراد السيئين أو غير الجيدين وكذلك العادات والخصال وأنماط السلوك غير المنتجة ستزداد، وستكون النتيجة الإجمالية إفقار المجتمع وزيادة الحياة بؤسًا.

تنتج الديمقراطية وتأتي بصفوة أو طبقة حاكمة جديدة. ويُعدّ الرؤساء؛ رؤساء الوزارات وزعماء البرلمانات جزءًا من هذه الصفوة، وقد تحدث عنهم فعلًا بوصفهم محرضين بلا أخلاف في الأساس. ولكن من السذاجة بمكانٍ أن نفترض أنهم أقوى الناس وأشدهم نفوذًا على الإطلاق، إذ إنّهم أغلب الوقت ممثلون وعملاء، ينفذون الأوامر، لأشخاص آخرين يقفون على الهامش وبعيدًا عن الأنظار. أما الصفوة الحقة، التي تحدد وتتحكم بمن سينجح في منصب الرئيس أو رئيس الوزراء أو زعيم حزب أو غير ذلك، هم من الملأ البلوتوقراط.

هم ليسوا مفرطي الثراء فقط، كما هو حال المصرفيين الكبار وأساطين السياسة والأعمال؛ بل إن الملأ صنف من مفرطي الثراء، وهم المصرفيون ورجال الأعمال الكبار الذين اكتشفوا الإمكانيات الهائلة للدولة على أنّها مؤسسة يمكنها فرضُ ضرائب وتشريعات تهدف لإثرائهم أكثر مستقبلاً. وعلى أساس هذه الرؤية؛ قرروا إلقاءَ أنفسهم في بحر السياسة. فهم يعرفون أن الدولة تستطيع جعلك أغنى بكثير مما أنت عليه، من خلال دعمك أو مكافئتك بعقود حكومية أو تمرير قوانين تحميك من المنافسة أو المنافسين غير المرحب بهم، كما يقررون استخدام ثرائهم للسيطرة على الدولة واستخدام السياسة مطيّة لغايتهم المتمثلة بالمزيد من الثراء(بدلاً من تحقيقه عبر وسائل اقتصادية فقط، أي توفير خدمة أفضل للزبائن الذين يدفعون طواعية ثمن منتجاتهم).

ثمّ إنّه لا يتوجّب عليهم الانخراط في السياسة شخصيًا، إذ لديهم مشاغل أهم وأوفر ربحًا من تضييع وقتهم على السياسة اليومية. لكن؛ يملكون المال والمكانة اللازمين لشراء السياسيين المحترفين، ذوي المرتبة الماديّة الأقلّ بكثير، إما بشكل مباشر عبر رشوتهم أو غير مباشر عبر الموافقة على توظيفهم لاحقًا. وبعد فترة وجيزة في السياسة الاحترافية، كمدراء أو مستشارين أو مفاوضين بأجر وفير، وبهذا يتدبّرون تحقيق تأثير حاسم وتوجيه مسار السياسة لصالحهم.

وفي سبيل مصالح الملأ (الطبقة الثرية) في مناطق أجنبية، من الطبيعي أن يستخدموا قوّة بلادهم العسكرية كي تتدخل وتقتحم في الشؤون الخارجية نيابة عنهم. فربما تفشل صفقة أعمال في بلدان أجنبية أو قد يكسب امتياز أو ترخيص هناك، وكل شيء تقريبًا يمكن أن يستخدم بمثابةِ حجّة للضغط على الدولة كي تسعى إلى إنقاذه وتتدخل خارج رقعتها. وبالفعل، لو طلب هذا التدخّل تدمير دولة أجنبية، قد يجرّ هذا نفعًا لهم بشرط أن يكون الطرف الملتقّي لعقد إعادة إعمار البلد الذي دمرته أسلحتهم من قبل. تضر الديمقراطية بالملكية الخاصة بسبب استبداد الأغلبية وانتخاب السياسيين المخادعين الذين يبحثون عن مصالحهم الخاصة فقط بأي وسائل.

ومن أجل أيقاف شمولية الدولة اليوم في ظلّ الديمقراطية، يجب محو فكرة احتكار الأمن واحتكار القضاء لأن هاتِه المؤسسات هي أساس الدولة وبطشها.

  • إعداد: محمد مطيع.
  • تدقيق لغوي: نور عبدو.

المقالات السابقة:

 

تعليقات
جاري التحميل...