شغف المعرفة

لماذا السوق الحر أفضل من الاشتراكية؟

كي تفهم سبب تفضيلنا السوق الحرّ على الاشتراكية، عليكَ أن تفهم طبيعتك كبشر فقط؛ هل أنت مُستعد أن تعمل بجدّ ثم تتقاسم أموالك مع غيرك بالتساوي؟ إن لم تكن ملّاكًا أو سفيهًا، سأتوقع منك الرفض. فلأذكر لك بعض الحقائق عن التاريخ البشري، لعلّك تصل إلى الاستنتاج الذي يدور في ذهني.

يقترح علم النفس التطوري أن البشر طوّروا آلية اصطفاء القرابة (العشيرة أو القبيلة)، هذه الآلية هي ميزة تطورية ساعدت البشر على البقاء في مُعترك الحياة، وساعدت القبيلة على الاستمرار. ووفقًا لـ هانز هيرمان هوبه؛ هذا التعاون في مجتمعات ما قبل الزراعة مُبرّر من الناحية الاقتصادية لعدّة أسباب:

أولًا؛ هناك مهام تتجاوز قدرات أيّ إنسان بمفرده، لذا يتطلّب تنفيذُ العملِ بنجاح الجهودَ المشتركة لعدّة أشخاص، فقد تكون بعض الحيوانات أضخم وأخطر من أن يصطادها أفراد لوحدهم، لكن؛ حتى يتمكنوا منها، يتطلّب الأمرُ مشاركةَ مُختلف الأفراد وتعاونهم.

ثانيًا؛ كلُ فرد مختلف عن غيره، فالرجال مثلًا مختلفون بشكل مهم في قدراتهم عن النساء؛ الرجال بطبيعتهم صيادون أفضل في العادة، والنساء جمّاعات أفضل، وبعض الناس أقوى بدنيًا وآخرون أكثر مهارة، والبعض طوال القامة وآخرون أكثر سرعةً، ويمتلكُ البعض بصرًا حادًّا وآخرون نافذوا الشم. نظرًا إلى هذه الفروق، من المفيد بكل وضوح أن تقسم المهام المختلفة التي تُعدّ ضرورية لضمان حياة مريحة على نحو يكفل تخصص كل شخص في تلك النشاطات التي يملك فيها ميزة على الآخرين.

ثالثًا؛ أضف إلى ما سبق، إن التواجد في جماعات بالنسبة للفرد يبدو أكثر أمانًا من التواجد بشكل منفرد أو معزول.

لقد انتهى مفهوم القبيلة تقريبًا في المجتمعات الزراعية، وأصبح الفرد معنيًا بأفراد أسرته بالدرجة الأولى.

الآن، افترض وجودَ قريتين، في كل قرية 10 فلاحين. وفي القرية الأولى: يزرع الفلاحون القمحَ ويحصد كل فلاح منهم ما زرعهُ ليطعم عائلته ويدّخر ما تبقى. لن يأكلَ الفلاحُ الذي لا يزرع ببساطة، إن لم تتدخل السلطة التي كانت بدائية آنذاك وتنحصر ربما بشخص نبيل، ذو مكانة وقوة بينهم، نصبوه عليهم لحلّ الصراعات أو لمعاقبة المعتدين.

أما في القرية الثانية : ينتج أربعةٌ من هؤلاء الفلاحين ما لا يقلّ عن 32 طن من القمح. وينتج الأربعة الآخرون 8 طن من القمح فقط. ليقوم الشخص الحاكم بأخذ محاصيل المزارعين ال8 في قريته ومن ثم توزيعها بالتساوي فيما بينهم. بكل بساطة سيمتنع الفلاحون الأربعة المجتهدون عن العمل بجد؛ نظرًا لأن محاصيلهم توزع من دون وجه حق على الفلاحين الكسالى ذوي الإنتاج القليل بالتالي سيقللون الإنتاج. وسيتوقف الكسالى بدورهم عن الزراعة بشكل نهائي اعتمادًا منهم على بقية الفلاحين. أستطيع القول هنا أن المجاعة قادمة لا محالة!

نعم؛ ما حصل في القرية الأولى هو النموذج البدائي للسوق الحر، وما حدث في الثانية هو النموذج الاشتراكي. تمتلك القرية الأولى الحافزَ للاستمرار بالزراعة والعمل (من لا يعمل نهائيًا يعرض عائلته لخطر الهلاك، ومن يعمل باجتهاد سيحسن من أحواله). أما في القرية الثانية، فقد انتُزِع الحافزُ للزراعة وتحسين الإنتاج من المجتهدين، وأُعطي الأمانُ الغذائي للأفراد الكسالى، الأمان الغذائي الذي يضمن بقائهم من دون أدنى جهد.

هذا هو الفرق بين النموذجين وأستطيع تلخصيه بوجود “الحافز” أو عدم وجوده، فأنت مستعد لتأمين مُستقبل عائلتك، ولا أظنك مستعدٌ للعمل من أجل جارك، الذي يبقى جليسَ بيته!

يجب عليك إدراك أن المجتمعات البشرية الآن أكبر بكثير من السابق، وأن الناس لا يعرفون من يدير أموالهم معرفةً شخصية كما في القرى سابقًا واحتمال أن يكون من حزب الدعوة كبير جدًا.

  • يُنشر باتفاق مع التفهيم، بواسطة: حسين حبيب – تدقيق لغوي: نور عبدو.

اقرأ أيضا:

تعليقات
جاري التحميل...