شغف المعرفة

قراءة في كتاب: تاريخ قصير للبشر -الجزء الرابع- هانز هيرمان هوبه

ثانيًا؛ من المأزق المالتوسي إلى الثورة الصناعية: تأمّلات في التطور الاجتماعي

كيف تزيد من ثروتك وتصبح غنيًا؟

أولاً؛ من خلال تجميع رأس المال؛ أي بناء سلع رأسمالية أو منتجة وسيطة. يمكن أن تنتج مزيدًا من السلع الاستهلاكية لكل وحدة زمنية بالمقارنة مع ما ينتج من دونها أو سلع لا يمكن إنتاجها مطلقًا عبر استثمار الأرض والعمل فقط.

ثانيًا؛ من خلال المشاركة والاندماج في توزيع العمل .

ثالثًا؛ من خلال التحكّم بالسكان؛ أي الحفاظ على الحجم الأمثل للسكان .

يشرح هانز هرمان هوبه هذه الخطوات الثلاث بشكل مبسّط في كتابه، وسنوضح بعضها في مقالنا هذا؛ استكمالًا لقراءتنا الكتاب ذاته.

التفضيل الزمني:

طرح هانز هرمان هوبه مثالاً عن شخص اسمه روبنسون كروزو، يعيش وحيدًا على جزيرته وله أرضه وعمله حقيقةً، وذلك في سبيل الإجابة على السؤال. إنّ روبنسون ليس غنيًا ولا فقيرًا إلا بقدر ما تسمح له الطبيعة. لكن؛ يتطلب الأمر أكثر من مجرد يديه وموارد الطبيعة لإشباع معظم حاجاته، أي بعض طرق الإنتاج غير مباشرة والمستهلكة للوقت. تتطلب كل السلع وصنوف الأشباه استخدام بعض الأدوات المفيدة على نحو غير مباشر فقط من سلع الإنتاج أو رأس المال. فعبر مساعدة سلع الإنتاج يصبح من الممكن إنتاج المزيد لكل وحدة زمنية من نفس السلع التي يمكن إنتاجها باليدين المجردتين. فلصيد المزيد من السمك صنع كروزو “شبكة”، ولتشييد مأوىً ( بناء منزل) له تحتمّ عليه أولًا أن يصنع فأسًا.

من المؤكد أن الإنتاج بمعونة سلع منتجة يتوقع أن يكون أغزر من الإنتاج بدونها، لم يكُ كروزو ليقضي وقتًا في صنع شبكة لو لم يتوقع أنه يستطيع صيد المزيد من السمك بها لكل وحدة زمنية بالمقارنة مع الصيد بدونها. ولكن؛ يتطلّب صنع هذه الشبكة أو الفأس من كروزو التضحية؛ أي “الادخار“، ويتطلّب إنتاجُ سلعة منتجة وقتًا وفي الوقت ذاته، لا يمكن أن يستغل للتمتع أو الاستهلاك لوقت فراغ.

قبل أن يتخذ كروزو قراره، يجب عليه أن يقارن الحالتين المتوقعتين من الإشباع ما سيناله الآن، وما الذي يمكنه أن يناله لاحقًا بعد وقت انتظار مطول. وحين قرّر أن يصنع الشبكة فقد حدد كروزو أن يضع التضحية، أي القيمة المضيعة للاستهلاك الأكبر الآن في الحاضر، تحت المكافأة، أي قيمة الاستهلاك الأكبر لاحقًا في المستقبل.

يتحكم التفضيلُ الزمني بكل من هذه الموازنة والمقايضة المحتملة للسلع الحاضرة إزاء المستقبلية والإشباع المتعلق بكل منها. فالسلع الحاضرة أعلى قيمة دون شك من المستقبلية، ونحن لا نقايض المستقبلية بالحاضرة إلا لسعر أعلى. ولكن الدرجة التي تفضل بها السلع الحاضرة على الآجلة أي الاستعداد للادخار يختلف من شخص لآخر ومن نقطة زمنية لأخرى. ووفقًا لاعتماد كروزو على مدى تفضيلاته الزمنية، فإنّه سيدخر ويستثمر أكثر أو أقل، ويصبح مستوى معيشته أعلى أو أدنى وكلما كان تفضيله الزمني أوطأ أي كان أسهل، عليه أن يؤجّل الإشباع الحالي من أجل إشباع موقع أكبر في المستقبل، وبالتالي، فإنّه سيجمع سلعًا رأسمالية أكبر وسيرتفع مستوى معيشته أيضًا.

تقسيم العمل:

يمكن للناس تنمية ثروتهم عن طريق تقسيم العمل، لنفرض أن كروزو قد إنضم إليه فرايدي وبسبب فروقهما الطبيعية أو البدنية أو العقلية أو الفروق التي تواجههما في الأرض، ستظهر على نحو شبه تلقائي ميزات مطلقة ونسبية في إنتاج السلع المختلفة. قد يكون كروزو قادرًا على إنتاج سلع ما وفرايدي على أخرى. وإن تخصص كل منهما فيما يحسن صنعه، سيصبح الناتج الكلي للسلع أكبر مما لو لم يتخصصا وبقيا في موقف المنتج المنعزل والمكتفي بذاته.

ولو كان كروزو أو فرايدي كبديل هو المنتج المتفوق لكل سلعة فعلى المنتج المتفوق الشامل أن يتخصص في النشاطات التي تكون ميزته فيها عظيمة بالخصوص، وعلى المنتج المقصر الشامل أن يتخصص في النشاطات التي يكون تقصيره فيها ضئيلاً بالمقارنة. وهنا أيضًا سيكون الناتج الإجمالي للسلع أعظم مما لو بقي كل منهما في انعزال واكتفاء.

تعداد السكان والمأزق المالتوسي :

يجب أن تعتمد الثروة في المجتمع على تعداد السكان. ويُشتقُّ هذا الاعتماد من قانون العائدات والقانون المالتوسي للسكان الذي أشاد به لودفيغ فون ميزس بوصفه:

“أحد أعظم إنجازات الفكر، وإلى جانب مبدأ توزيع العمل فقد قدم أسسًا للبيولوجيا الحديثة ونظرية التطور، وما من شيء يتفوق أهمية هاتين النظريتين الأساسيتين لعلم الفعل البشري ء سوى اكتشاف الانتظام في تضافر وتعاقب ظواهر السوق وتحديدها من بيانات السوق حتميًا. ثم إنّ الاعتراضات التي أثيرت ضد القانون المالتوسي وكذلك ضد قانون العائدات تُعد عقيمة وتافهة، إذ لا نزاع في كلا القانونين.”

ينص قانون العائدات عمومًا على أنه يوجد لكل مجموعة مكوّنة من عاملي إنتاج اثنين أو أكثر نقطة التقاء مُثلى، بحيث يُحدِث أي انحراف عنها فقدًا ماديًا أو خسائر في الكفاءة.

ولو طُبِّق هذا القانون على عاملي الإنتاج الأصليين، أي العمل والأرض، يقتضي أن الإنسان لو استمر بزياد العمل (السكان) مع ثبات الأرض وكمية مواردها (والتقنية المتوفرة) وعدم تغيرها، لوصل في النهاية إلى نقطة يتعاظم عندها الإنتاج المادي لكل وحدة عمل، وترمز هذه النقطة إلى حجم السكان الأمثل.

وبغية الحفاظ على مستوىً أمثل للدخل الفردي، يجب إلّا ينمو عدد السكان؛ بل يظل ثابتًا. ثمة سبيل واحد لمجتمع ثابت كهذا كي يزيد من الدخل الفردي الفعلي أو يزداد حجمًا دون أن يتأثر الدخل الفردي من خلال كل مما يأتي:

  • الإبداع التقني، أي استغلال أدوات أفضل وأكثر كفاءةً يمكن إنتاجها بفضل المدخرات المجمعة نتيجة للامتناع عن وقت الفراغ أو أي استهلاك مباشر آخر.
  • استثمار المزيد من الأراضي أو استثمار أرض أفضل. لكن؛ إن لم تتوفر أي أرض إضافية وبقيت التقنية عند مستوى معين، لا بد أن تقود أي زياد سكانية عن الحد الأمثل إلى تناقص في الدخل الفردي.

يشار إلى هذا الموقف الأخير باسم “المأزق المالتوسي”، وهكذا يصفه ميزس في قوله:

“إن الضبط الهادف لمعدل الولادات مع موارد الإمكانات المادية للرفاه، يمثل شرطًا ضروريًا للحياة والفعل البشري وللحضارة  ولكل تحسن في الثروة والرفاه … وحين تسبب زيادةٌ مفرطة في تعداد السكان إعاقةً لمستوى المعيشة المتوسط، تظهر صراعاتُ مصالح لا حلَّ لها. فيغدو كل فرد عدوًا لبقيّة الأفراد في صراع لأجل البقاء. وتصبح إبادة الأعداء الوسيلة الوحيدة لزيادة الرفاه الشخصي … وفي ظل الظروف الطبيعية، لا يملك الإنسان غير حرب الكل ضد الكل بلا هوادة، أو التعاون الاجتماعي. ولكن؛ يصبح التعاون محالاً لو أطلق الناس العنان للدوافع الطبيعية للتكاثر.”

رغم أن نمط الإنتاج الجديد (الثورة الزراعية) غير الطفيلي والمتمثل بالزراعة وتربية الحيوان جلبت بعض الراحة المؤقتة وكانت آنذاك كحل للأزمة المالتوسية. لكن؛ سرعان ما تغيّر الحال ولم توفر حلاً دائمًا لمشكلة فائض السكان بسبب تزايد عدد السكان الهائل بعد الثورة الزراعية.

لم يعرف العالم حلاً للمأزق المالتوسي، طوال التاريخ البشري، إلا مع الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر، بحيث ارتفع عدد السكان ارتفاعًا هائلاً مع ارتفاع في مستوى الدخل الفردي في الوقت ذاته ، الأمر الذي لم يحدث أبدًا طوال تاريخ البشرية.

يظهر المنحني التالي، تعداد العالم الإجمالي عبر التاريخ مقيسًا بملايين البشر:

إنّ هذا المخطط بتصرف كولن مكيفيدي وريتشارد جونز، يُظهر نمو التعداد البشري منذ سنة 400 ق.م حتى 2000م. نلاحظ من خلال المخطط أن عدد السكان في بداية الثورة النيولويثة كان حوالي 4 ملايين نسمة، وفقًا للمخطط، استمرحجم السكان في التزايد ببطء نسبيّ، منذ ذلك الوقت وحتى حدود 1800م، ليصل تعداد السكان إلى قرابة 720 مليون نسمة، وخلال 200 عام حدث تغيّر مهم جدًا ليتزايد من بعده عدد السكان بحدّة حتى يومنًا هذا ويصل إلى 7 مليار نسمة؛ أُطلق على هذا التغيير الثورة الصناعية.

يظهر المخطط الثاني تطور الدخل الفردي العالمي عبر التاريخ البشري:

إنّ المخطط الثاني بتصرّف غريغوري كلارك، يعرض تطور الدخل الفردي منذ بداية التاريخ البشري المسجل إلى عصرنا الحالي. ويظهر التغير المهم الذي حدث قرابة سنة 1800م. لم يتصاعد الدخل الفردي الفعلي طوال معظم التاريخ المسجل (من حيث الطعام والملبس والمأوى والتدفئة والنور)، ثمّ إنّه صعد في القرن 19م. ويظهر لنا المخطط ما شهده الدخل الفردي من صعود منقطع النظير طوال تاريخ البشرية، ومازال في تصاعد حتى يومنا هذا.

يلخص المخططان الأهمية التاريخية لما يُعرف بالثورة الصناعة، التي حدثت قبل 200 سنة. وكذلك طول المرحلة المالتوسية السابقة من التطور البشري، إذ إنه حتى سنة 1800م، لم يحدث أي فرق شاسع في اقتصاد البشر.

التفسير التاريخي لطول مدّة الخروج من الأزمة المالتوسية:

لماذا أخذ من البشر هذا الوقت كله للخروج من الأزمة المالتوسية؟

حاول هوبه في كتابه الإجابة على هذا السؤال بطريقة مختلفة عمّا فُسِّرت سابقًا في النظرية الاقتصادية بسبب اختلافها حول هذا الأمر، هناك جزء واضح من الإجابة؛ لم يخرج البشر من المأزق المالتوسي لأنّ الرجال لم يستطيعوا ضبط أنفسهم عن الجنس، ولو أنّهم فعلوا لما وجد أي فائض سكاني. وهذا يبقى جزءًا من الإجابة فقط.

أما العامل المفقود للجواب هو المتغير التاريخي للذكاء البشري، لذا فإن الجواب يكمن في أنه خلال معظم التاريخ البشري، لم يكونوا بالذكاء الكافي، غير أنّ تشكيل الذكاء يتطلّب وقتًا طويلاً. إذ لم تكن البشرية ذكية بما يكفي، قبل 11 ألف سنة وما يسبقها، لدرجة أنه حتى ألمع أفرادها لم يكونوا قادرين على تصوّر فكرة الإنتاج غير المباشر أو الموارب للسلع الاستهلاكية التي تقف وراء الزراعة وتربية الحيوان.

تتطلب هذه الفكرة قدرًا معتبرًا من الذكاء لتصبح قابلةً للتخيّل. وقد استغرق الأمر عشرات الآلاف من السنين من ظروف الصيد والجمع كي تولد أخيرًا الذكاء الكافي لجعل هذه الإنجازات الإدراكية ممكنة والأمر ذاته بعد الثورة الزراعية. ويوضح هوبه في هذا الصدد في قوله:

“في مجتمعات الصيد والجمع، لم يكُ كل فرد من العصبة عند المستوى ذاته من المهارات، فقد كان بعضهم أذكى من بعض وهذه الفروق في المهارات الفكرية هي ما قاد إلى تمايز واضح في المكانة ضمن القبيلة، وهذا التمايز في المكانة قاد بدوره إلى فروق في النجاح التكاثري عند مختلف أفراد القبيلة، أي أن أفراد القبيلة الممتازين سينتجون عددًا أكبر من الذرية الباقية. وبالتالي سيمررون جيناتهم إلى الجيل القادم بشكل أنجح من الفاشلين. لهذا؛ ما دام للذكاء البشري بعض الأساس الجيني، ستنتج ظروف الصيد والجمع تعدادًا أعلى ذكاء في المعدل على مرّ الزمن، وفي الوقت ذاته مستوى أعلى بازدياد من الذكاء الاستثنائي.”

استغرق الأمر بضعة آلاف أخرى من السنين من الانتقاء الطبيعي في ظروف زراعية حتى نصل إلى مرحلة من تطور الذكاء البشري، يمكن عندها أن يتفوق نمو الإنتاجية على أي نمو سكاني في تطور الذكاء البشري.

إنّ الآلية التي نما بفضلها الذكاء البشري الأعلى بمرور الزمن هي آلية مباشرة؛ فالإنسان ضعيف بدنيًا وغير مهيأ للتعامل مع الطبيعة الغاشمة، لذا كان من المفيد له أن يطور ذكاءه وأدّى هذا الذكاء إلى نجاح اقتصادي، الأمر الذي أدى بدوره إلى نجاح تكاثري.

لا شكّ في أن قدرًا معتبرًا من الذكاء كان مطلوبًا من البشر كي يعيشوا بنجاح في المنطقة المدارية، لكن؛ مثّل الثبات شبه المتزن للمنطقة المدارية قيدًا طبيعيًا على المزيد من التقدم للذكاء البشري. ولأن كل الأيام كانت تشبه بعضها في المنطقة المدارية، لم تكُ هنالك حاجة كبيرة لأي شخص أن يأخذ أي أمر بالاعتبار في أفعاله عدا محيطه المباشر أو التخطيط لما هو أبعد من مستقبله القريب العاجل، ثمّ إنّ تفاوُت الفصول المتزايد في المناطق غير المدارية أنتج بيئةً أشد تحديًا للعقل، وهذا كان بعضًا من أسباب اختلاف نسبة ذكاء بعض المناطق البشرية عن مناطق أخرى.

  • إعداد: محمد مطيع.
  • تدقيق لغوي: نور عبدو.

المقالات السابقة:

تعليقات
جاري التحميل...