شغف المعرفة

قراءة في كتاب: تاريخ قصير للبشر -الجزء الثالث- هانز هيرمان هوبه

مؤسسة الحب الحرّ والعائلة الأحادية :

يبيّن هانز هرمان هوبه أنّ مؤسسة ملكية الأرض لم تكن الحلَّ النهائيّ لمشكلة التكاثر المستمر الذي يهدف إلى مزيدٍ من الذرية الجديدة، وبأنه يوجد حلٌّ آخر لذلك؛ عبر إنشاء مؤسسة اجتماعية تُخضع هذا التَّزايد للسيطرة. وكانت هذه المؤسسة هي “العائلة” التي صُمِّمت لتحقيق هذه الغاية وتطورت مع مؤسسة ملكية الأرض.

وفقًا لما أشار مالتوس؛ كان على الاتصال بين الجنسين أن يخضع أيضًا لتغيرات أساسية، وذلك لحلّ مشكلة الاكتظاظ، إضافةً إلى مؤسسة الملكية الخاصة.

لقد كان التغيير يتحقّق عبر الانتقال من موقف كانت فيه المنافع اجتماعيةً لتوليد الذرية (من خلال تصميم منتج محتمل آخر)، وبالأخصّ تكاليف توليد الذرية (عبر إنتاج مستهلك آكل إضافي)، أي أن المجتمع ككل يحصدها ويدفعها بدلًا عن منتجي تلك الذرية إلى موقف أصبحت فيه منافع وتكاليف الإنجاب مخصوصة، ومنسوبة اقتصاديًا إلى الأفراد المسؤولين سببيًا عن إنتاجها.

احتوت هذه المجتمعات مؤسسة يُمكن تعريفها بشكل عام على أنّها الجماع الجنسي غير المقيد أو الزواج الجماعي؛ فقد كانت المرأة تُعد شريكًا جنسيًا محتملًا لكل رجل، والعكس بالعكس.

“لقد عاش الرجال في حالة تعدّد زوجات، وكذلك نساؤهم عشن في حالة تعدد أزواج في نفس الوقت”، هذا ما قاله فريدريك إنجلز متتبعًا خطوات لويس ه.مورغان في كتاب المجتمع القديم، وأضاف: “وكان أطفالهم يعتبرون مُنتمين لهم جميعًا … وكانت كل امرأة تنتمي لكل رجل، وكذلك ينتمي كل رجل لكل امرأة.”

اعترف الاشتراكيون بأن ظهور العائلة نشأ مع ظهور الملكية الخاصة، ولهذا يرون في مجتمعهم الطوباوي وجوب توقّف كلٍّ من المؤسستين. وما غفل عنه إنجلز والاشتراكيون الآخرون أن مؤسّسة الحبّ الحر هو الحقيقة الواضحة أن لهذه المؤسسة تأثيرًا واضحًا ومباشرًا على إنتاج الذرية. وكما كتب ميزس تعقيبًا على ذلك:

” من اليقيني أنّه حتى لو تمكنت الجماعة الاشتراكية من تحقيق الحب الحر، لا يمكنها على أي حال أن تحقق الولادة الحرّة.”

يوضح هوبه أن ما قصده ميزس من هذه الملاحظة، وتجاهله الاشتراكيون من أمثال؛ إنجلز وبيبل هو أنه – في العصر الذي سبق توافر وسائل منع الحمل طبعًا- للحب الحر عواقبٌ هي؛ الحمل والولادة، وأنه للولادة منافع وتكاليف أيضًا. وليس ذلك مهمًا ما دامت المنافع تتجاوز التكاليف، أي ما دام يأتي الفرد الجديد إلى المجتمع على شكل منتج للسلع أكثر مما يأخذ منه كمستهلك، وقد يكون الحال كذلك لبعض الوقت. لكن؛ يشير قانون العائدات إلى أن هذا الموقف لا يمكن أن يتسمر إلى الأبد دون قيود. فمن المحتّم أن نصل للنقطة التي تتجاوز فيها تكاليف الذرية الجديدة منافعها. وعندئذ يجب أن يتوقف أي إنجاب مستقبليّ ويطبّق التقييد الأخلاقي، ما لم يرغب الفرد في تجربة حالة انخفاض مستمر في مستوى المعيشة المتوسط.

ولكن؛ إن كان الأطفال يُعدون ملكًا للجميع أو ليسوا ملكًا لأحد لأن الجميع يستمتع بممارسة الجنس مع الجميع، فإن حافز التوقّف عن الإنجاب يختفي أو يتلاشى بدرجة واضحة. فغريزيًا ووفق طبيعة الإنسان البيولوجية، لدى كل رجل وكل امرأة دافعٌ نحو نشر جيناته في الجيل التالي من النوع البشري وتكثيرها.

وكلّما كثرت ذرية المرء، كلّما كان ذلك أفضل؛ لأنه سيُكتب البقاءُ للمزيد من جيناته. ولاشك في أنه يُمكن ضبط هذه الغريزة الإنسانية الطبيعية عبر تدبير عقلاني، والفكرة القائلة بأن الأطفال يرعاهم المجتمع ككل، لا تعطي الحافز لتوظيف الفكر في الشؤون الجنسية.

لذا؛ ومن وجهة نظر اقتصادية خالصة، حلُّ مشكلة الاكتظاظ السكّاني يجب أن يكون واضحًا ومباشرًا. فملكية الأطفال، أو بقول أكثر صحّة؛ الوصاية على الأطفال يجب أن تُخوصَص. فبدل اعتبار الأطفال ملكًا أو عهدة لدى المجتمع أو النظر للولادات بوصفها حدثًا طبيعيًا غير مسيطر عليه  أو النظر للأطفال بوصفهم ليسوا ملكًا أو عهدة لأي أحد ( أي مجرد تغيرات بيئية محبوبة أو مرفوضة)، بدلًا عن ذلك، يجب أن يعتبر الأطفال كياناتٍ تنتج خصوصيًا وتودع في رعاية خاصة. وكما لاحظ توماس مالتوس بفطنة لأول مرة، فهذا في الأساس هو ما يحققه تأسيس الأسرة:

“إن أشد القيود طبيعية ووضوحًا (على السكان) تمثَّل في جعل كل رجل ينفق على أولاده، وسيكون ذلك بمثابة بنحو دليل ومعيار لزيادة عدد السكان؛ بحيث يتوقع ألا يأتي رجل إلى العالم بكائنات لا يضمن لها أي وسيلة للعيش، ولو حصل ذلك فمن الضروري، كي يتّعظ الآخرون، أن يكال الخزي والضيق الحقيقان بسلوك كهذا على مَن يلقي دون حذر بنفسه وبأطفال أبرياء في قاع البؤس والفاقة. إن مؤسسة الزواج، أو على الأقل شيء من الالتزام الصريح أو الضمني لكل رجل بإعالة أطفاله، يبدو أنها النتيجة الطبيعية لهذه المداولات في مجتمع يعاني من الصعوبات التي وصفناها.”

ومع نشوء الملكية والعائلة، لم يعد الدخل الاجتماعي الأعلى الذي يسرته ملكية الأرض يوزع كما كان الحال من قبل؛ على كل فرد من المجتمع وفقًا لحاجته؛ بل إن حصة كل أسرة منفصلة من الدخل الاجتماعي الكلي باتت تعتمد على الانتاج المنسوب لها اقتصاديا، أي على عملها وملكيتها المستثمرين في الانتاج، والشيوعية التي كانت متفشية فيما مضى ربما كتب لها الاستمرار داخل كل أسرة لكنها تلاشت من العلاقة بين أفراد الأسر المختلفة. اختلفت دخول الأسر المختلفة، اعتمادًا على كمية وجودة العمل والملكية المستثمرين ولم يملك أحد حقًا في الدخل الذي ينتجه أفراد أسر أخرى غير أسرته، بالتالي، بات التطفّل على جهد الآخرين مستحيلًا لحد كبير إن لم يكن كليًا، فمن لم يكن يعمل لن يتوقع له أن يأكل.

يوضح هوبه أنه رغم أن مؤسسة الأسرة قامت لدوافع عقلانية، فإن التحول من نظام الحب الحر إلى الحياة الأسرية لم يتم دون تكاليف رغم أن هذه الاخيرة كانت مختلفة بين الجنسين.

ومن وجهة نظر الذكر، من المفيد كون كل امرأة متاحة له بغية الإشباع الجنسي لأن ذلك زاد من فرصه في النجاح التكاثري بشدة، إذ ترتفع فرصة توريث جيناته للأجيال القادمة عبر إنجاب أطفال مع أكبر عدد ممكن من النساء، وهذا يتم بدون تكلفة عليه لأن تكاليف رعاية الأطفال حتى البلوغ تقع على عاتق المجتمع ككل. بالمقابل إذا انحصر الجنس بامرأة واحدة فقط أو عدة نساء كما في الزواج التعددي فإن فرصه في الإشباع الجنسي والنجاح التكاثري تتضاءل. وأًصبح على الرجل أن يزن ويقارن منافع وتكاليف الجنس والإنجاب الشيء الذي لم يكن يلقِ له بالًا من قبل.

من جهة أخرى، في نظام الحب الحر لم تكن فرص الإشباع الجنسي والتكاثر متكافئة بأي حال، فقد كان لبعض الذكور وهم الألفا الأشد قوة وجاذبية فرص أعلى وأفضل من غيرهم. وهذا يعني أن قلة قليلة من الذكور ملكوا معظم النساء وخاصة معظم النساء الجذابات والأشد إغراء تكاثريًا وأنجبوا معظم الذرية في وقع على عاتق أغلبية الرجال بالمساعدة على تنشئة أطفال رجال آخرين. وهذا مثّل خطرًا على أي تضامن داخل القبيلة خاصة بين الذكور، ليتزايد الصراع مع ازدياد السكان. خلق هذا شيئًا من اللّا مساواة بين رجال القبيلة. في المقابل، فإن مؤسسة العائلة الأحادية وفّرت لكل رجل درجة متكافئة نسبيًا من النجاح التكاثري. وبهذا فقد خلقت دافعا أكبر بكثير لكل رجل كي يشترك في سلوك متعاون ويستثمر فيه.

هذا بالنسبة للرجل، أما بالنسبة للنساء فقد كانت الأمور مختلفة، في حين قد يظل بعض الشك في الأبوة فلا مكان لمثل هذا الشك في الأمومة. إذ أن ّكل امرأة تعرف من هم أطفالها ومن هم أطفال غيرها من النساء؛ نظراً للخطر والاستثمار الأكبر في الجنس عند النساء وتحمل الحمل ومعاناة الولادة، فكان عليهنّ أن يكنّ أشد انتقائية فيما يخص اختيار شريكهنّ الجنسي. لهذا، حتى يزدن من احتمال نجاحهن التكاثري، يفضلنّ الشركاء الجنسيين الذين يبدون أصحاء ونشطين وجذابين وأذكياء، أي بإيجاز الذكور الألفا.

ولأن الرجال أقل انتقائية في اختيارهم للشريك الجنسي، ستنشأ -في نظام الحب الحر- حتى لأقل النساء جاذبيةً فرصةٌ واقعية لتتمكن أحيانًا من ممارسة الجنس مع بعض الذكور الأشد جاذبية ومن ثم يمكن أن يمرروا جيناتهم الأرقى إلى ذرية أحدهم.

ما جنته المرأة من مؤسسة العائلة هو أنها تحاول دومًا حماية أطفالها وبأي طريقة ممكنة، وقد تدخل في صراع مع جميع النساء الأخريات من أجل حماية أطفالها. في هذا الموقع تكون لدى المرأة حاجة متزايدة للحماية الشخصية ولكن؛ من سيوفر هذه الحماية هو أب الأطفال، إذ لا يمكن توقع من ذكر حماية أطفال ذكر آخر، لن تستطيع المرأة داخل هذه المؤسسة أبدًا إيجادَ الأب الذي يحمي لها أطفالها ويحميها، إلا إذا تخلّت عن كل منافع الحب الحر ووعدت بدل ذلك بندر وصالها الجنسي مع أب الأطفال وحده فقط.

وردًا على ضغط السكان المتزايد الذي عرفته المجتمعات آنذاك، ظهر نمطٌ جديدٌ من التنسيق الاجتماعي تمكن من تَنْحية نمط حياة الصيد والجمع الذي ميّز معظم التاريخ البشري. وكما لخّص ميزس هذا الموقف، في قوله:

“إن الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج هي المبدأ الذي يوازن، ضمن المجتمع، موارد القوت المحدودة التي يملكها مع القابلية الأقل تقيدًا للمستهلكين على التزايد. فعبر جعل الحصة التي ينالها كل فرد في المجتمع من الإنتاج الاجتماعي تعتمد على الإنتاج المنسوب إليه، أي على عمله و ملكيته، فإن التخلّص من البشر الفائضين عبر صراع البقاء الثائر في مملكة الحيوان والنبات، سيُستبدل بتقليص في معدل الولادات نتيجة لقوى اجتماعية. فالتقيد الأخلاقي، أي القيود على الإنجاب، التي تفرضها مواقف اجتماعية يحل محل صراع البقاء.”

انتشرت فكرة الاستيطان الزراعية إلى مناطق أخرى وهناك تصورين لحصول الانتشار؛ إما أن المستوطنين الأصليين قد أزاحوا تدريجيًا القبائل البدوية المجاورة خلال بحثهم عن أرض جديدة للزراعة (الانتشار السكاني)، أو أن الآخرين قد قلدوا وتبنوا نمط الحياة الجديد بإرادتهم (الانتشار الثقافي).

(بناءً على الأدلة الأثرية، قد خمّنت سرعة عملية الانتشار بحوالي كيلومتر واحد لكل سنة على اليابسة وأعلى نسبيًا على طول السواحل والوديان.)

على أساس أدلة جينية مكتشفة حديثًا فإن العملية الثانية هي التي حدثت لأنه لو كان الأوروبيون الحاليون منحدرين من شعوب الشرق الأدنى في عصر الثورة النيوليثية لوُجِدت آثارٌ جينية لذلك. ولكن؛ يوجد آثارٌ جينية قليلة جدًا على ذلك عن الأوروبيين المعاصرين.

كانت هذه المجتمعات الزراعية المتشكلة أهدافا جذابة لغارات البدو. لكن؛ لم يتمكنوا من منافستهم في النهاية بسبب أعدادهم الكبيرة وأدى فصل العائلات لتفوقهم العسكري بحيث لم تكتفِ الحياة المجتمعية بخفض تكاليف التبادل فيما يخص التجارة بين القبائل فقط. فقد وفرت أيضًا ميزة الدفاع المنسق والمشترك بسهولة وسرعة في وجه أي تعد خارجي وطورت أسلحة متفوقة ساهمت في رفع شأن المجتمعات الزراعية وقوتها مقارنة مع المجتمعات الأخرى.

  • إعداد: محمد مطيع.
  • تدقيق لغوي: نور عبدو.
تعليقات
جاري التحميل...