شغف المعرفة

قراءة في كتاب: تاريخ قصير للبشر -الجزء الثاني- هانز هيرمان هوبه

القانون الاقتصادي للعائدات المتناقصة / القانون المالتوسي للسكان:

نظرًا إلى الطبيعة الغريبة المُميّزة لمجتمعات الصيد والجمع والافتراض، الذي ينصّ على أن الأرض مورد محدد، فلا شك في مجيء اللحظة التي يتجاوز عندها عدد الناس الحدّ الأمثل للجماعة، ويهبط مستوى المعيشة المتوسطة مهددًا أي درجة من التضامن كانت قائمة من قبل ضمن الجماعة. ويلخّصُ قانونُ العائداتِ الاقتصاديُّ هذا الموقفَ ويفسّره.

يقتضي القانون أن المرء لو زاد من مقدار العمل مع الإبقاء على مقدار الأرض والتقنية المتوفرة (الصيد والجمع) ثابتًا، سنصبح في النهاية عند نقطة يصل عندها الناتج المادي لكل وحدةِ عملٍ داخلةٍ لأقصاه، وهذه النقطة تمثل عدد السكان الأمثل. ولو لم تكن هناك أي أرض إضافية متوفرة وبقيت التقنية ثابتة عند مستوى محدد فإن أي زيادة سكانية على الحجم الأمثل ستقود إلى انخفاض مهم في الدخل الفردي، ثمّ إنّ معدل مستوى المعيشة سينخفض، ويستمر هكذا إلى أنّ نصل لحدّ الاكتظاظ المطلق، وهذا ما أطلق عليه ميزس اسم “القانون المالتوسي للسكان”.

(عدد السكان الأمثل في مجتمعات الصيد والجمع كان يمتدّ بين 50 – 100 شخصًا في منطقة تبلغ مساحتها حوالي 50 – 100 ميلًا مربعًا. لو ازداد عدد السكان عن هذا الحدّ كانت مستويات المعيشة لتتعرض إلى تهديد متزايد، ويتزايد هذا الخطر لو أن القبائل المجاورة، نظرًا لنموها السكاني أيضًا تزيد بدورها في الزحف المناطقي في إفناء موارد السلع الطبيعية التي تتوفر لأفراد القبيلة الأولى. الأمر الذي  يخلق اقتتالًا بين القبائل).

بفضل التطورات التقنية، يمكن لنقطة التوافق الأمثل، التي ذكرتها عنها النظرية، أن تحرك بهذا النحو فعلًا، مما يسمح لعدد أكبر من السكان بالتمتع بمستوى معيشة أفضل في المتوسط ضمن البقعة ذاتها من الأرض. لكن؛ ما ينصّ عليه قانون العائدات حقًا هو أنه بالنظر لدرجة من التطور التقني أي نمط الإنتاج ودرجة مقابلة من التخصص، توجد نقطة توافق أمثل ستؤدي من بعدها أي زيادة في مورد العمل بالضرورة إلى زيادة أقل من التناسب في الإنتاج أو لا زيادة على الإطلاق.

وفي مجتمعات الصيد والجمع، كانت صعوبات الهرب من المأزق المالتوسي للاكتظاظ أقسى بكثير من محددات قانون العائدات تلك ودلالتها. ففي حين قد تترك تلك المحددات انطباعًا بأن الإبداع التقني مطلوب للهروب من المأزق فقط، فهذه ليست الحقيقة كاملةً؛ إذ ليس أي إبداع تقني كافيًا ولأن مجتمعات الصيد والجمع -كما أوضحنا- مجتمعات طفيلية لا تضيف أي شيء إلى موارد السلع الاستهلاكية؛ بل تستحوذ وتستهلك ما توفره الطبيعة فقط، بالتالي فإنّ أي زيادةٍ في الإنتاج ضمن إطار نمط الإنتاج هذا لن تنتج على قدر أكبر من المنتجات كلها فقط ستقلص الوقت الضروري لإنتاج كمية ثابتة من المنتجات.

إنّ اختراع القوس والسهم الذي يبدو أنه وقع قبل حوالي 20 ألف سنة، لم يؤدِّ إلى توفّر كمية أكبر من لحوم الحيوان للاستهلاك، مّما يسمح لعدد أكبر بتحقيق أو تجاوز مستوى معين من الاستهلاك؛ بل قاد فقط إلى تمتع نفس عدد الناس بوقت فراغ أكبر دون أي تغيير في مستوى المعيشة من حيث إنتاج اللحوم (لو ازداد السكان، يجب أن يعوض عن ربح مزيد من وقت الفراغ بتقلص استهلاك اللحوم لكل نسمة).

وفي الواقع، عند الجامعين الصائدين ربما لم تكن المكاسب الإنتاجية، التي تحققت عبر تطورات تقنية مثل؛ اختراع القوس والسهم، نعمةً على الإطلاق. ونتيجةً للسهولة الأكبر في الصيد التي أتى بها ذلك مثلًا قد تقود للإفراط في الصيد، قد يزيد ذلك من موارد اللحوم لكل نسمة على المدى القريب، لكنه سيقلص وربما يقضي على موارد اللحوم على المدى البعيد عبر تقليص المعدل الطبيعي لتكاثر الحيوانات أو صيدها حتى الانقراض، وبالتالي مفاقمة المشكلة المالتوسية، حتى دون أي زيادة في عدد السكان.

حل الأزمة:

بدأت الثورة النيوليتية التي تعرف بالتغيير الثوري في نمط الإنتاج البشري والمعيشي منذ 11 ألف سنة في منطقة الهلال الخصيب في الشرق الأوسط، وقد ظهر نفس الاختراع بشكل مستقل قبل 2000 سنة في الصين. وقبل حوالي 5000 سنة في نصف الكرة الغربي، أمريكا الوسطى والجنوبية والجزء الشرقي من أمريكا وبعدها اكتسحت الأرض بأكملها.

مثلت هذه الثورة والتقنية الجديدة إنجازًا جوهريًا وتمثلت بإبداعين تأسيسيين مرتبطين بها، أصبحا منذئذ وحتى اليوم السمة السائدة للحياة البشرية؛ الاستحواذ والاستغلال للأرض على أنها مكية خاصة وتأسيس العائلة ومسكن الأسرة. قامت هذه الثورة الزراعية بإعالة عدد اكبر من السكان، لكن؛ ظهرت من بعد المشكلة المالتوسية  ولم تحل إلا بعد الثورة الصناعية.

الملكية في مجتمعات الصيد والجمع :

يوضح هوبه في كتابه كيف نشأت الملكية الخاصة ضمن إطار العائلة القبلية. وأنه من المؤكد وجود الملكية الخاصة لأمور مثل؛ الملابس الشخصية والأدوات والأغراض والزينة. مادامت تلك الأغراض تنتج على يد أفراد محددين ومعروفين أو يكتسبها آخرون من صانعيها الأصليين إما كهدية أو تبادل فقد كانت تعد ملكية فردية. ومن جهة أخرى، ما دامت هذه البضائع نتائج لجهد منسق أو مشترك، كانت تعد سلعًا منزلية جماعية. وقد انطبق ذلك على موارد القوت مثل؛ الأعناب المجموعة والطرائد المصطادة؛ نتيجةً لتوزيع العمل ضمن القبيلة. ولا شك إذن في أن الملكية الجماعية لعبت دورًا بارزًا جدًا في مجتمعات الصيد والجمع، ولذلك فكثيًرا ما استخدم مصطلح الشيوعية البدائية لوصف الاقتصاد ضمن البيئة القبلية البدائية، فساهم كل فرد في الدخل المنزلي حسب طاقته، وتلقى كل فرد من الدخل الجماعي حسب حاجته، على نحو لا يختلف كثيرًا عن الشيوعية في الأسر الحديثة .

أما بالنسبة للأرض التي تحدث عليها كل الفعاليات الجماعية فيستبعد هوبه فكرة أن الأرض كانت ملكية جماعية أو ملكية خاصة ويشير إلى بديل ثالث لهذا الموضوع، هو أن هذه الأرض لم تكن ملكية خاصة أو جماعية بل مثلت جزءًا من البيئة أو الظروف العامة للفعل على وجه الخصوص أو ما يسمى أيضًا الملكية المشاع (المشاعات). وللإجابة على هذا التساؤل يجب البث في شيء من النظرية الاقتصادية الأولية الأساسية.

يمكن تقسيم العالم الخارجي الذي يمثل مضمارًا لأفعال المرء إلى قسمين منفصلين تمامًا. فمن جهة هناك أشياء تعد مواردًا أو سلعًا اقتصادية، ومن جهة أخرى تجد أشياء تصنف ضمن البيئة – كما يشار إليها أحيانا على نحو مضلل بعض الشيء بأنها سلع مجانية.

إنّ أول من حدد بدقة المتطلبات التي يجب توافرها  لكي يصنف شيء ما على أنه مورد أو سلعة اقتصادية، كان الاقتصادي الشهير كارل منجر، وهي ثلاث على حدّ قوله:

أولًا؛ حتى يكون شيء ما سلعة اقتصادية، يجب أن توجد حاجة بشرية (أي هدف غير متحقق أو رغبة أو توق بشري غير مشبع).

ثانيًا؛ يجب أن يتوفّر إدراك بشري لشيء يعتقد أنه يحمل أو يملك الصفات أو الخصائص المرتبطة بهذه الحاجة، وبالتالي فهي تتمكن من إشباعها .

ثالثًا؛ وهو الأهم في سياقنا الحالي، فإن عنصرًا من العالم الخارجي يدرك بهذا النحو يجب أن يكون طوع البشر، بحيث يمكن أن يستغل (أي يوظف بنشاط وقصد) لإشباع الحاجة المحددة (والوصول للهدف المنشود).

وفي هذا الصدد، يكتب ميزس:

” يصبح الشيء موردًا حين يهدف الفكر البشري لتوظيفه نحو تحصيل غاية معينة ويستغله الفعل البشري لهذا الهدف.”

فقط حين يدخل شيء ما في ترابط سببي مع حاجة بشرية ويخضع لسيطرة بشرية، يمكن آنذاك القول بأن هذا الكيان قد اُستغل، أي أصبح سلعة وبالتالي بات ملكًا لأحدهم (خاصًا أو جماعيًا). ومن جهة أخرى، لو أن عنصرًا من العالم الخارجي لديه علاقة سببية مع حاجة بشرية، ولكن لا يمكن لأحد (أو لا يعتقد أن بوسعه) التحكم أو التدخل فيه (بل يجب أن يدعه وشأنه، ويتركه لأوضاعه الطبيعية) فإن هذا العنصر يجب أن يعد جزءًا من البيئة غير المستغلة، لذا فهو ليس ملكا لأحد.

وهكذا؛ قد يكون لكل من شروق الشمس أو سقوط المطر أو الضغط الجوي أو قوى الجاذبية مثلًا تأثير سببي على بعض النتائج المرجوّة أو غير المرجوة، ولكن ما دام الإنسان يعد نفسه عاجزًا عن التدخل في عناصر كهذه، فهي مجرد ظروف للفعل، وليست جزءًا من أي فعل.

قد تكون للمطر مثلًا علاقة بظهور بعض الفطر الصالح للأكل وقد تكون هذه العلاقة معروفة. ولكن إن لم يمكن فعل شيء حيال المطر، فإن هذا الماء ليس ملكًا لأي أحد أيضًا، فقد يكون عاملًا يساهم في الإنتاج، لكنه ليس بالضبط عامل إنتاج. وفقط حين يحدث تدخل فعلي مع المطر الطبيعي، كأن يجمع في دلو أو حوض مثلًا، يصبح عندها ملكًا لأحدهم ومن ثم عاملًا للإنتاج .

بعض طرح هوبه لهذه الاعتبارات والحقائق، أصبح من الممكن له أن يمضي في تناول سؤال وضع الأرض في مجتمع الصيد والجمع؛  من المؤكد أن الأعناب المُقتطفة من شجيرة ما تعد ملكية، ولكن ماذا عن الشجرة المرتبطة سببيًا بالأعناب الملتقطة؟

يرى هوبه أن الشجيرة قد رفعت من مكانتها الأصلية على أنّها ظرف بيئي للفعل ومجرّد عامل مساهم في إشباع الحاجات البشرية إلى مكانة ملكية وعامل إنتاج حقيقي، وما إن استُّغلت؛ أي ما إن تدخّل الإنسان على نحو هادف في العملية السببية الطبيعية التي تربط الشجيرة بالأعناب عبر سقيها أو تقليم أغصانها حتى تنتج حصيلة معينة (مثل؛ إنتاج للأعناب يتجاوز المستوى الذي كان يتوفر طبيعيًا). ثم إن الشجيرة بمجرد أن  أصبحت ملكية من خلال تهذيبها أو العناية بها، فإن محاصيل الأعناب المستقبلية أصبحت ملكية أيضًا، في حين كانت الأعناب المقتطفة وحدها تعد ملكية أحدهم وكذلك، ما إن ترتفع الشجيرة من مكانتها الطبيعية غير الممتلكة عبر سقيها لكي يزداد محصول الأعناب المستقبلي مثلًا، ستصبح الأرض المغروسَةُ فيها الشجيرة ملكيةً أيضًا.

وبالمثل؛ لا شك أن الحيوان المصطاد ملكية. لم يصبح القطيع ملكية إلا حين تحققت شروط التدخل في السلسلة الطبيعية للأحداث للوصول إلى نتيجةٍ مرغوبة ما. هكذا كان الموقف مثلًا ما إن بدأ الإنسان في رعي الحيوانات أي في التحكم فعلا بحركة القطيع، حتى صار  الراعي لا يملك القطيع فحسب؛ بل أصبح مالكًا لكلّ النتاج المستقبلي الذي يتولد طبيعيًا عن هذا القطيع أيضًا.

لم تصبح الأرض ملكيةً إلا حين تخلّى الرعاة عن الرعي واتجهوا إلى تربية الحيوانات، أي حين أصبحوا يعتبرون الأرض على أنّها موردٌ نادرٌ كي يتحكّموا بحركة الحيوانات عبر التحكم بالأرض. ولم يحدث ذلك إلا حين أصبحت الأرض محددة على نحو ما؛ عبر تسييجها أو بناء عقبات أخرى (كالخنادق)، الأمر الذي يقيّد من حركةِ الحيوانات الحرّة والطبيعية. وبدلًا عن كونها مجرّد عاملٍ مساهم في إنتاج قطعان الحيوانات، أصبحت الأرض بهذا عاملًا أصيلًا للإنتاج.

ما توضحه هذه الاعتبارات هو أنّه من المغالطة بمكانٍ التفكيرُ بالأرض على أنّها ملكية جماعية في مجتمعات الصيد والجمع. فالصيادون لم يكونوا رعاة ولم يربّوا الحيوانات، ثم إنّ الجامِعين لم يكونوا بستانيين أو مزارعين. غير أن كلا الصنفين لم يُمارس سيطرته على الطبيعة بحيوانها ونباتها عبر رعايتها أو تهذيبها. لكنهّم؛ أخذوا شذراتٍ من الطبيعة وقت الحاجة، ولم تكن الأرض لديهم أكثر من ظرف لنشاطاتهم، ثم إنّها ليست ملكًا لهم. وهذا يعود بنا إلى مثال المطر والعجز عن التدخل فيه بالشكل الذي فيه عجزت مجتمعات الجمع والصيد عن التدخل في موارد الأرض أو استغلالها.

في أفضل الحالات، رقعًا صغيرةً جدًّا من الأرض كان يستحوذ عليها الجامعون والصيادون (ومن ثم تستحيل لملكية جماعية) كي تستخدم على شكل مأوىً أو مواقع خزن دائمة للسلع الفائضة التي قد تستهلك في أوقات لاحقة، في حين ظلت المناطق المحيطة تُعامل وتُستخدم  على أنّها ظروفٌ غير مملوكة لوجودهم.

ما كان يدعم ويحفز هذا الاستحواذ على الأرض المحيطة وتحويل المخازن والمساكن السابقة إلى مراكز سكانية للزراعة والتربية يعتبر إنجاز فكري متميز. وفي هذا الصدد، يقول مايكل هارت: “إنّ الفكرة الذي تتضمّن زرع المحاصيل وتجميعها من ثمّ حصدها في النهاية، ليست أمرًا واضحًا أو سخيفًا؛ بل يتطلّب درجةً معتبرةً من الذكاء كي نتصور هذه الفكرة. ثم إنّ لا أحدًا من القردة خطر بباله هذه الفكرة، ولم يفعلها أيّ من الأسترالوبيثكس أو الهوموهابيليس أو الهومو إركتوس أو حتى الهومو سابينس القديم”، كما لم تخطر على بالهم الفكرة الأصعب عن رعاية الحيوانات وترويضها واستيلادها. ومع نمو ثورة الزراعة والتربية، باتت السلع الاستهلاكية تحدث على نحو مواربٍ وغير مباشر؛ عبر إنتاجها بفضل التحكّم المقصود بالأرض.

تطلب هذا النمط الجديد من الإنتاج وقتًا أطول كي يصل إلى الهدف النهائي لاستهلاك الطعام (وبهذا فقد تضمّن الأمر ضياعًا لوقت الفراغ). لكن؛ بعد إدخال الأرض كعاملٍ أصيل للإنتاج، أصبحت أشد إنتاجية وقادت إلى إنتاج إجمالي أكبر للسلع الاستهلاكية (الطعام) مما سمح لعدد أكبر من السكان بأن يعيشوا على نفس البقعة من الأرض.

كانت البذور والثمار تُخزَّنُ أيضًا وتُستخدم بشكلِ مداخل للإنتاج المستقبلي للسلع الاستهلاكية على نحو يقود إلى ظهور أشكال جديدة مُستأنسة من النبات، ذات نتاج محسن بوضوح لكل وحدة أرض، وذلك خلال مدّة زمنية قصيرة نسبيًا تمدّ بين 20 إلى 30  سنة. ومن بين أول النباتات المستأنسة في الشرق الأدنى والأوسط كانت الحنطة أحادية وثنائية الحبة والشعير والشليم والبازلّاء والزيتون. وفي الصين كان الرز والدخن، وبعد وقت طويل في أمريكا الوسطى كانت الذرة والبقول والقرع، وفي أمريكا الجنوبية كانت البطاطا والبفرة Cassava، وفي شمال شرق أمريكا كانت زهرة الشمس والسرمق Goosefoot، وفي أفريقيا كان السورعم والرز واليام ونخيل الزيت.

تربية وتدجين الحيوانات :

سارت عملية تدجين الحيوانات على خطوط مماثلة. فقد كان أول استئناس واستيلاد للكلاب حدث قبل حوالي 16 ألف سنة أي في ظروف لا تزال جامعة صائدة، في مكان ما من سيبيريا.

تُعدّ الكلاب أحفادًا للذئاب والذئابُ صيادين جيدين، وكانت تمكث بانتظام قرب المخيمات البشرية من أجل بقايا الطعام وحدث التحول لهذه الذئاب الوديعة أكلة الجيفة، التي كانت تعيش قرب مخيمات البشر والتي كانت تبدي تجاههم سلوكًا وديًّا من خلال تبنّي جراءها في المساكن القبلية عل أنّها حيوانات أليفة، وبعد ذلك اكتشف أنه يمكن تدريبها لأهداف مختلفة مثل؛ صيد حيوانات أخرى أو الجر أو تدفئة الفراش في الليالي الباردة، حتى أنّها مثلت مصدرا للحم في أوقات الطوارئ.

لكن؛ الأهم من ذلك هو اكتشاف أن بعض الكلاب تستطيع النباح (فالذئاب نادرًا ما تنبح) ويمكن أن تنتقيَ وتستولد في سبيل قابليتها على النباح، وكذلك تؤدي وظيفة قيمة جدًا هي حماية وتحذير مُلّاكها من الغرباء والمعتدين. ولعلّ هذه الخدمة دون سواها هي السبب في أن الكلاب ما أن “اخترعت” فقد انتشر هذا الاختراع كالنار في الهشيم من سيبيريا إلى أرجاء العالم. إذْ بات كل شخص وفي كل مكان يرغب في امتلاك بعضٍ من ذرية هذا النوع الجديد اللافت من الحيوانات؛ لأنه أُثبِت في عصر من الحروب القبلية الدائمة أن اختراع الكلاب مثّل ميزة مهمة.

(كشفت التحليلات الجينية أن كل الكلاب الحالية، بما فيها كلاب الأمريكيتين تعود على الأرجح إلى بطن واحد قد يكون في مكان ما من شرق آسيا. فالظاهر أن استئناس الكلب لم يتم على نحو مستقل في أماكن متباينة بل في مكان واحد انتشر منه للخارج حتى شمل في النهاية الأرض بأسرها). مثلث الكلاب ميزة أهم للمستوطنين الساكنين بعد الثورة الزراعية والسبب في ذلك أنّه في المجتمعات المستوطنة كانت هناك ببساطة المزيد من الأشياء التي يجب حمايتها.

تميزت الحياة في مجتمعات الزراعة بظهور فروق مهمة في الملكية والثروة التي يتملكها أفراد مختلفون في المجمع؛ بسبب انتشار السرقة انتشارًا واسعًا منذ نشأتها. ثم إنّه بسبب الحسد، واجه كل منزل مستقل خطر السرقة أو تدمير الملكية، وقد وفرت الكلاب عونًا في مواجهة هذه المشكلة؛ خاصةً أن الكلاب، مثلهم كحقيقة بيولوجية، يربطون أنفسهم بسادة أفراد، وليس بجماعة عامّة من الناس مثلما تفعل القطط بأمكنة معينة.

كانت معظم الحيوانات تبدو غير قابلة للترويض، لهذا كان يجب اكتشاف القابلية الظاهرة لنوع معين منها على الترويض أو والتدجين. ويتم التحقق من ذلك من خلال رؤية مدى إمكانية حبس قطيع الحيوانات في حظيرة، وإن أمكن ذلك  كان يتم اختيار الحيوانات الأشد وداعة كآباء للجيل اللاحق. ومن بين أول الحيوانات الثديية الكبرى التي استؤنست على هذا النحو في الشرق الأدنى والأوسط (قبل 10 آلاف سنة) كانت الأغنام والماعز والخنازير البرية ثم الأبقار البرية  Auroch، ثم إن الأبقار قد دُجِّنت على نحو مستقل كما يبدو في الهند منذ زمن قريب (قبل حوالي 8000 سنة) وفي وقت متزامن نسبيًا مع ما حدث في الشرق الأوسط والأدنى، فقد دجنت الأغنام والماعز والخنازير في الصين أيضًا. وساهمت الصين أيضًا في تدجين الجاموس قبل حوالي (6000 سنة). كما ساهمت آسيا الوسطى وجزيرة العرب في استئناس الجمل ذي الحدبتين وذي الحدبة (العربي) على الترتيب (قبل حوالي 4500 سنة). أما الأمريكيتان، وعلى وجه الدقّة؛ منطقة الأنديز من أمريكا الجنوبية، فقد ساهمت بتدجين خنزير غينيا (قبل حوالي 7000 سنة) ثم اللاما والألباكا (قبل حوالي 5500 سنة).

لكن؛ ما يعتبر واحدًا من أهم الاختراعات كان استئناس الحصان قبل حوالي (6000 سنة) في المنطقة التي تُعرف اليوم باسم بروسيا وأوكرانيا. فقد أحدث هذا الإنجاز ثورة حقيقية في تاريخ النقل على الأرض استمر الحال هكذا حتى القرن التاسع عشر مع اختراع القاطرة والسيارة ذات المحرك.

لم يُكتب الانتشار لاختراع الحصان بنفس سعة انتشار اختراع الكلب. وكان هذا بسبب التغيرات المناخية من مثل؛ الاحترار العالمي، التي حدثت في تلك الفترة ولم تسمح بتكرار النجاح في حالة الحصان . ففي ذلك الوقت، كانت اليابسة الأوراسية قد انفصلت عن الأميريكتين وإندونسيا وغينيا الجديدة وأستراليا، بمساحات مائية لم يعد من السهل تجاوزها. ولهذا فقد مضت آلاف السنين اللاحقة، بعد إعادة اكتشاف الأوروبيين للأمريكيتين مثلًا، قبل أن يدخل الحصان إليها في النهاية. (كانت الأحصنة البرية موجود في القارة الأمريكية، ولكنها كانت تُصطاد بكثافة حتى انقرضت على نحو جعل الاستئناس المستقل مستحيلًا).

  • إعداد: محمد مطيع.
  • تدقيق لغوي: نور عبدو.
تعليقات
جاري التحميل...