شغف المعرفة

لماذا حصل بول رومر على جائزة نوبل؟

لما كنت أعد بحث تخرجي من ماستر الاقتصاد التطبيقي حول العوائد الاقتصادية والاجتماعية للاستثمار في الرأسمال البشري في المغرب طلب مني مدير البحث أن أركز اهتمامي على الاضافات التي قدمتها نظرية النمو ذاتي المنشأ (La théorie de la croissance endogène) في الموضوع، وأن لا أستغرق في النظرية النيوكلاسيكية للنمو التي طورها الاقتصادي روبرت سولو (جائزة نوبل عام 1987) لأنها أصبحت متجاوزة. ولما تتجاوز سولو فلن تجد أمامك في الحقيقة إلا بول رومر Paul Romer بكل تأكيد، الاقتصادي الذي فتح آفاقا جديدة أمام تفسير النمو الاقتصادي على المدى الطويل، وكافئته أكاديمية نوبل بجائزتها لعام 2018 بسبب ذلك.

منذ آدم سميث كان النمو الاقتصادي للأمم يفسر بعاملين اثنين “الرأسمال” و”العمل”، وإذا كان الاقتصاديون الكلاسيكيون الليبراليون قد وضعوا العاملين على قدم المساواة تقريبا من حيث الأهمية فإن غريمهم كارل ماركس قد أعطى للعمل حجما أكبر من حجمه الحقيقي مما أوقعه في خطأ فظيع جعل النظرية الاقتصادية الماركسية تنهار من الداخل، بسبب فكرة وهمية أن العمال هم محرك التاريخ. وطوال الفترة الفاصلة بين أعمال المدرسة الكلاسيكية وخمسينيات القرن العشرين كان النقاش حول العوامل المحددة للنمو الاقتصادي راكدا تماما، إلى أن قدم روبر سولو نموذجه الجديد الذي أضاف عاملا جديدا وهو “التقدم التقني”.

اعتبر روبرت سولو “التقدم التقني” في معادلته الجديدة للنمو عاملا خارجيا (exogène)، وقد مكنته الاحصائيات والحسابات الرياضية من توضيح فكرة مهمة، وهي أن حجم تأثير عاملي الرأسمال والعمل معا على النمو الاقتصادي أقل بكثير من تأثير هذا العامل “خارجي المنشأ” الذي اكتشفه وأطلق عليه اسم “التقدم التقني”، وبلغ التأكيد في أعمال سولو وغيره أن التقدم التقني يحدد 80 في المائة من النمو الاقتصادي ولا يحدد العاملان الآخران (العمل والرأسمال) إلا 20 في المائة المتبقية. والخاصية الثانية الأكثر أهمية لنموذج سولو هي أن عاملي الرأسمال والعمل يمكننا أن نتحكم فيهما، ونحدد كم بإمكاننا أن نوفر منهما كي نضمن نموا اقتصاديا إيجابيا، إلا أن العامل الثالث لا يمكن التحكم فيه، فهو عامل خارجي غير متحكم فيه ويظهر في معادلة النمو ك”بقية” (résidu) نعرف تأثيرها ووزنها لكن لا نعرف طبيعتها.

مقابل هذا العمل العلمي المهم كافأت أكاديمية نوبل روبرت سولو بجائزتها سنة 1987، لكن سنة قبل ذلك (1986) كان بول رومر قد نشر دراسته الأولى حول العوامل المفسرة للنمو الاقتصادي على المدى الطويل. ففي ثمانينيات القرن العشرين بدأ رومر أعماله البحثيه في مجال نظرية النمو الاقتصادي بتفكيك نموذج سولو وإعادة بنائه، من خلال البحث في طبيعة ووزن هذا العامل “خارجي المنشأ” الذي سماه سولو ب”التقدم التقني” في معادلة النمو. قادت الأبحاث رومر إلى اكتشافات مذهلة، منها أن هذا العامل ليس عاملا خارجيا بل عامل ذاتي المنشأ (endogène)، وقام رومر بإدماجه في معادلة النمو الاقتصادي. وفي سنة 1990 نشر مقالة جديدة في Journal of Political Economy حول “التغير التكنولوجي ذاتي المنشأ” قدم خلالها أربعة متغيرات أساسية تحدد معدل النمو الاقتصادي: الرأسمال والعمل والرأسمال البشري ومعدل التكنولوجيات في البلد. وبهذا يكون رومر قد خرج جذريا عن منطق النموذج النيوكلاسيكي الذي وضعه سولو من خلال إدماج متغيرين جديدين يمكن إنتاجهما داخليا (ذاتيا) واستبعاد أية متغيرات خارجية تشكل لغزا لا يمكن حله (مثل لغز سولو الذي يظهر تأثيره ولا يظهر جسده).

ففيما يخص أهمية الرأسمال البشري بالنسبة لخلق النمو الاقتصادي، أكد رومر في مقاله أنه كلما زاد الاستثمار في الرأسمال البشري ارتفعت معدلات النمو الاقتصادي، وكلما تم توجيه الرأسمال البشري للتخصص في البحث العلمي تمكنا من إبداع نماذج علمية جديدة، ويؤدي تحسن مخزون المعارف ومستوى الخلق والابداع إلى ارتفاع إنتاجية المهندسين والعمال، والعكس صحيح. وفي مستوى آخر يؤدي الارتفاع المستمر لمخزون الرأسمال البشري في المجتمع إلى ارتفاع المخزون الرأسمال البشري المخصص للبحث العلمي والابداع والتجديد. ويقول رومر أن الاستثمار في الرأسمال البشري وفي البحث العلمي هو ما يعطي التفوق الاقتصادي للبلدان الصناعية الغربية، فيما يظل الاستثمار في الرأسمال البشري ضعيفا في البلدان الفقيرة، هذا دون أن ناخذ بعين الاعتبار جودة هذا الرأسمال.

وميز رومر بين صنفين من الرأسمال البشري، الصنف الموجه للبحث العلمي والصنف الموجه للعمل والمقاولات. ويبقى الصنف الأول ضئيلا مقارنة بالثاني، فليس كل من استثمر في تعليم وتكوين نفسه يتجه للبحث العلمي بقدر ما يتجه لسوق الشغل حتى في البلدان الغربية. وإذا كان الصنف الثاني مهما لخلق النمو، فالصنف الأول هو الأكثر أهمية، فهو الذي يتولى تقديم الأفكار والنماذج الجديدة من خلال الابتكار والابداع، وهي الفكرة التي بررت بها أكاديمية نوبل اختيار بول رومر لينال جائزتها لعام 2018 مناصفة مع ويليام نورذهاوس. والتقت بالتالي فكرة رومر حول أهمية الاستثمار في الرأسمال البشري الموجه للبحث العلمي مع الفكرة الرئيسية للاقتصادي الكبير جوزيف شومبيتر (مؤلف كتاب الرأسمالية والاشتراكية والديمقراطية) الذي يقول أن ديمومة النظام الرأسمالي يضمنها قدرة هذا النظام على التجديد والابداع من خلال آلية “التدمير الخلاق” (La destruction créatrice) التي تشتغل بشكل مستمر لتقدم للمستهلكين سلعا جديدة أكثر جودة وفعالية من السلع القديمة.

لقد توقع رومر في مقاله المنشور عام 1990 أن بلدا يتوفر على مخزون كبير من الرأسمال البشري سينمو اقتصاده بشكل أكبر من بلد يتوفر على رأسمال بشري أقل منه. وهذا هو ما يفسر النمو الكبير والاستثنائي للاقتصاديات الغربية خلال النصف الثاني من القرن العشرين، بل وحتى نهضتها بعد الحرب العالمية الثانية حيث دمرت البنيات التحتية تماما ولم يتبقى للبلدان الأوربية خصوصا إلا الكفاءات البشرية المتعلمة التي نجت من الحرب. وقد يكون الاقتصاد الأمريكي، البلد الذي لم تصله كوارث الحرب الكونية، الأكثر استفادة من هروب العلماء والكفاءات من البلدان التي خربتها الحرب خلال القرن العشرين. تعد أمريكا في الواقع البلد الأكثر استفادة من هجرة العقول الكبيرة خلال القرن العشرين بسبب فظاعات الحرب العالمية الثانية، ولم تتوقف مسيرة جذب العقول للمختبرات والجامعات الأمريكية، وليس مستغربا أن ترى أغلب الاختراعات النور في هذا البلد، الذي بنى امبراطوريته العلمية والصناعية والاقتصادية على الاستثمار في الرأسمال البشري المبدع، وما نصيب هذا البلد من جوائز نوبل في كل التخصصات إلى مؤشرا دالا على ذلك.

ترتبط الأهمية الاقتصادية للرأسمال البشري بالنسبة لرومر في قدرته على الخلق والابداع، ففي نظره تتجلى أهمية الكفاءات البشرية المتعلمة في قدرتها على الابداع. لكن ما لم يطوره رومر بشكل أكثر عمقا هو متى تكون الكفاءات البشرية قادرة على الابداع وفي أية بيئة؟ وهل لو حولنا كل الرأسمال البشري الأمريكي عالي الجودة إلى بلد في العالم النامي ستكون له مردودية اقتصادية؟ لأن ما نراه كل يوم هو أن الرأسمال البشري لهذه البلدان التي تجمع بين التخلف الاقتصادي والسلطوية يهرب للبلدان الديمقراطية الأكثر تقدما، والسبب في نظر ما يسمى اليوم ب”تيار الاقتصاد المؤسساتي الجديد” هو طبيعة المؤسسات التي تحكم في كل بلد. فخلال العقدين الأخيرين أصبحنا نرى اهتماما كبيرا من طرف الاقتصاديين ليس فقط بالعوامل التي حددها بول رومر ولكن اهتماما متعاظما بالعامل المؤسساتي الذي أصبح يؤخذ بشكل جدي ومعمق في تفسير النمو الاقتصادي للمجتمعات الانسانية.

جمع بول رومر بين العمل البحثي الأكاديمي والخبرة العملية، إذ شغل بدءا من عام 2016 منصب كبير اقتصاديي البنك الدولي، المنصب الذي لم يقض فيه أكثر من 15 شهرا، مقدما استقالته خلال مطلع العام الحالي (يناير 2018) بعد زوبعة عالمية أحدثتها تصريحاته حول تغيير في منهجية إعداد تقرير (Doing Business) الذي يصدره البنك حول مناخ الأعمال في العالم. لقد صرح رومر لجريدة وال ستريت جونال أن منهجية التقرير تم تعديلها لمصالح سياسية وأن ذلك أدى من بين ما أدى إليه إلى أن يفقد بلد مثل الشيلي 23 مرتبة خلال ثلاث سنوات فقط في الترتيب العالمي. لقد كانت هذه التصريحات النقطة التي أفاضت كأس الصراع بين الاقتصادي الذي سارت بذكره الركبان في مجاله، وبيروقراطيو البنك الدولي المتأنقون.

لكن ذلك لا يعد خسارة كبرى لاسم كبير في مجال الاقتصادي السياسي على مستوى العالم، فبعد خروجه من دواليب البنك رجع إلى مكانه الطبيعي في جامعة نيويورك. ولن يفاجئ القارى إذا عرف أن ورقة رومر الصادرة سنة 1986 تمت الإحالة عليها 25485 في كتب ومقالات علمية على مستوى العالم إلى حدود كتابة هذا المقال، أما مقالته الثانية الصادرة سنة 1990 فقد اعتمدت كمرجع في 27081 بحث على مستوى العالم، وما تتويجه بجائزة نوبل لعام 2018 في الاقتصاد إلا تحصيل حاصل إذن، إن لم يكن قد تأخر بالفعل.

تعليقات
جاري التحميل...