شغف المعرفة

قراءة في كتاب: تاريخ قصير للبشر -الجزء الأول- هانز هيرمان هوبه

أولًا؛ حول أصل الملكية الخاصة والعائلة:

تاريخ التطور البشري:

يجب على أيّ تفسيرٍ للأحداث التاريخية أن يأخذ التَّصرفية -وخاصة عمل لودفيغ فون ميزس – بعين الاعتبار، ويبدو أنّ التجريبيين ليسوا كذلك بما يكفي في عملهم؛ إذ من خلال إنكار أو تجاهل اليقينيات والثّوابت التَّصرفية في ملاحظاتهم للعالم الاجتماعي يعجزون عن الاستدلال بالأشجار على الغابة.

وهكذا يُعاد بناء التاريخ عقلانيًا؛ إذْ عبر توظيف معرفتنا بأنّ أي تفسير أو تأويل تجريبي ممكن الصحة يجب أن يكون على وفاقٍ ليس مع البيانات فقط؛ بل مع القانون الأخلاقي والتصرفي بالأخص، وأنّ كُل تفسير أو تأويل يختلف مع هذه القوانين، وإنْ اتّفق مع البيانات ظاهرًا، ليس باطلًا فحسب؛ بل ليس بتفسيرٍ أو تأويلٍ مقبول علميًا على الإطلاق.

ولهذا فإنّ أولَ حدث عظيم في تاريخ البشرية، وهو الثورة النيوليثية(الزراعية)، سيُعاد بناؤه بوصفه إنجازًا إدراكـيًا من الدرجة الأولى وخطوة تقدمية كبرى في تطور الذكاء البشري. ثمّ إنّ كل من تأسيس ملكية الأرض الخاصة والعائلة وكذلك ممارسة الزراعة واستئناس الحيوان يُفسَّر بأنه اختراعٌ عقلاني وحلُّ جديدُ خلّاق للمشكلة التي واجهها الصيادون والجامعون القبليون في موازنة نمو السكان مع النُّدرة المتصاعدة للأرض.

و يعاد بناء الثورة الصناعية بوصفها خطوة عظيمة إلى الأمام في تطور العقلانية البشرية؛ إذ كان مُقدّرًا لمشكلة الموازنة بين الأرض وحجم السكان، التي حلت مؤقتًا بفضل الاختراع الأصلي، والانتشار والتقليد العالمي للزراعة أن تظهر من جديد.

ظهر قبل 300 ألف سنة، أو ربما 100 ألف سنة، أول ممثل للإنسان الحديث تشريحيًا؛ حيث أصبح الإنسان الحديثُ الشكلَ البشري المعياري، وقبل حوالي 50 ألف سنة، تطوّر الإنسان الحديث تشريحيًا إلى الإنسان الحديث سلوكيًا. وقد صُنعت أدواتهم في المُجمَل من الحجر والخشب وكانت موادها ذات منشأ محلي، مما يدل على غياب أي تجارة أو أسفار بعيدة. وبعد حوالي 50,000 سنة اتّخذت الأدوات البشرية مظهرًا جديدًا وفائق التقدّم. فقد استخدمت مواد أخرى إلى جانب الحجر والخشب مثل؛ العظام والقرون والعاج والأسنان الصدف ومواد كثيًرا ما جاءت من أماكن بعيدة. وباتت الأدوات مثل؛ السكاكين والإبر ورؤوس السّهام المسننة والدبابيس والمثاقب والنصال أشد تعقيدًا ومصنوعة بحرفية. وقد تحسنت تقنية المقذوفات جدًا بنحو دلّ على مهارات صيد شديدة التطور، على الرغم من أن الأقواس لم تكن قد اُبتكرت إلا قبل 20,000 سنة. ثمّ إن الإنسان أصبح قادرًا كما يبدو على صناعة القوارب ومُجيدًا للصيد. وإلى جانب الأدوات البسيطة والمفيدة، بدأت أغراض فنية خالصة بالظهور في المشهد آنذاك مثل؛ الزينة والتماثيل الصغيرة والأدوات الموسيقية مثل؛ المزامير المصنوعة من عظام الطيور.

لقد اقترح الكاتب أن السبب الكامن خلف إمكانية حدوث مثل هذا التطور الهائل هو تغيّرٌ جينيّ قاد إلى ظهور اللغة وتضمن تحسنًا جذريًا في قدرة الإنسان على التعلم والإبداع؛ إذْ لم يكن البشر القدماء (هومو إرغاستر وهومو نياندرتالنسس وهومو إركتوس)  يمتلكون مقدرة لغوية. ويؤرّخ أن اللغة قد نشأت قبل حوالي 100 ألف سنة. لكن؛ نظرًا للأدلة الأثرية المُشار إليها آنفًا، فإن التاريخ الأحدث والأقرب قبل حوالي 50 ألف سنة يبدو أرجح.

وبسبب اللغة أصبح من الممكن أن تنتقل المعرفة إلى أزمان وأماكن بعيدة؛ إذ لم تعد مرتبطة بالإدراك. وبالتالي لا عجب من أنه ترافق مع ظهور اللغة تطوراتٍ ثورية في التقنية. وقبل حوالي 100,000 سنة، يُخمن أن حجم السكان من البشر المحدثين -وهم أسلافنا المباشرون- كان في حدود 50,000 نسمة، مُنتشرين في أرجاء القارة الأفريقية وشمالًا نحو الشرق الأوسط.

وفي الفترة الممتدة بين 80 ألف و70 ألف سنة خلت، مرّت الأرض بفترة من البرودة المعتبرة. وبالتالي فإن النياندرتال، الذين عاشوا في أوربا لآلاف السنين وتكيفوا خلالها مع المناخات الباردة، اتجهوا للجنوب حيث اصطدموا وقضوا كما يبدو على أقاربهم الأفارقة بأعداد كبيرة. وإضافة لذلك، فإن فترة جفاف مطولة بدأت قبل حوالي 60,000 سنة قد حرمت الإنسان الحديث من أكثر أسباب معيشته؛ بحيث أنه قبل 50 ألف سنة، قد لا يكون عدد البشر المحدثين أكثر من 50 ألف يقتصر وجودهم على منطقة شمال شرق إفريقيا.

ولكن منذ ذلك الوقت، استمر صعود البشر المحدثين دون توقف؛ حيث انتشروا في أرجاء الأرض وتمكنوا في النهاية من إزاحة كل أقاربهم القدماء. ويعتقد أن آخر النياندرتال المختبئين في بعض الكهوف قرب جبل طارق قد انقرضوا قبل حوالي 25 ألف سنة. أما ما تبقّى من الهومو إركتوس، التي وجدت على جزيرة فلوريس في إندونيسا، تعود إلى ما يقارب 13 ألف سنة مضت.

وبالإضافة إلى التمايز الجغرافي والجيني حصل تمايز لغوي عند البشر. وقد قدّم بعض اللغويين، وبالأخص ميريت روهلين، قضيةَ وجود لغة أصل بشرية واحدة يمكن أن تُشتَّق منها كل اللغات البشرية كأقارب يختلفون في درجة البعد، وذلك على نحو متوافق ومدعّم بشكل كبير بالأدلة الجينية (البيولوجية).

ومن الواضح أن المهاجرين الأوائل من موطنهم الإفريقي، قبل حوالي 50 ألف سنة، قد تحدثوا بنفس اللغة، وانقسام الشعوب إلى برك جينية مختلفة، منفصلة نسبيًا في الزمان والمكان عن بعضها البعض، ما يقابلها بشكل وثيق في تباين اللغات، تجمع اللغات المختلفة في عوائل لغوية، وتجمع بورها في عوائل كبرى.

المجتمعات القبلية:

كانت المجتمعات تتشكل من عصب صغيرة من الناس من 10 إلى 30، تشكل بركة جينية مشتركة من حوالي 150 شخص، قد يصلون أحيانا إلى 500 لتجنب الآثار المضرة جينيًا.

وكان توزيع الأعمال مقيدًا حيث أنّ الفرق فقط بين النساء (مُجمِّعات) والرجال (صيادين)، وقد كانت الملكية الخاصة للأدوات والأغراض معروفة ومعترفًا بها؛ إذْ لم يكن نمط الحياة المرتحل يسمح بممتلكات كثيرة. كما تميزت تلك المجتمعات أيضًا بالهرمية والهيمنة على النساء وسبيهم وانتشار الصراعات على المكانة. ولم تكن مريحة البتّة؛ من حيث الاستقلال الفردي الذي نعتز به اليوم؛ بل كانت الحياة في المسكن القبلي تعني الانضباط والنظام والخضوع. رغم ذلك يبدو أن الحياة في البداية كانت جيدة بالنسبة لأسلافنا؛ إذْ أنّ ساعات قليلة من العمل المنتظم كانت تسمح بحياة مريحة مع تغذية جيدة (عالية البروتين) وكثير من وقت الفراغ، كما تمتعوا بعمر متوقع يتجاوز 30 سنة وهو ما لم نصل اليه مجدّدًا إلا خلال القرن التاسع عشر.

أبرز المشاكل التي كانوا يعانون منها هي أنهم لم ينتجوا أو يضيفوا شيئًا لما توفّره الطبيعة؛ بل استهلكوا فحسب وانتظروا أن تولد لهم الطبيعة وتتجدد. كما أن الأشكال الذي كانت تعاني منها مُجتمعات الصيد تمثّل في التزايد السكاني الذي كان يمنع الحياة المريحة التي وصفت آنفًا فقد كان على الكثافة السكانية أن تظل واطئة جدًا. ولمنع تجاوزِ حجم السكان للحدود والرقم المتطلب للعيش المريح؛ كانوا يقتلون الأطفال (خاصة الإناث)  ويحرِّضون على الإجهاض، لكن؛ هذا لم يحل المشكلة والخيارات الأخرى التي كانت المتوفرة هي:

1- القتال:

يقال لنا دومًا أن العدائية والحرب هما نتيجة لبناء الحضارة على مؤسسة الملكية الخاصة. الواقع أن الأوضاع تكاد تكون العكس تمامًا؛ فقد كشفت لنا الأدلة الأثرية أن الإنسان البدائي أشد قتالية من الإنسان المعاصر. ويرجح أنّه في المتوسط قد مات حوالي 30% من إجمالي الذكور في مجتمعات الصيد والمجتمعات البدائية جراء أسباب غير طبيعية أي أسباب عنيفة كالقتال. ووفقًا لتخمينات لورنس كيلي، فإن المجتمع القبلي في المعدل يخسر حوالي 0.5% من سكانه في القتال سنويًا، أي ما يعادل ملياري إنسان لو تم تطبيق ذلك على تعداد القرن العشرين. كانت الحروب البدائية مختلفة جدًا عن الحروب الحديثة؛ فهي لم تتم عبر قطعات منتظمة في ميادين؛ بل على شكل غزوات وغارات ومباغاتات. لكن؛ كانت كل هجمة تمتاز بالبشاعة القصوى وتتم دون رحمة ومع نتائج مدمرة دومًا وفي حين قد يكون عدد القتلى في كل هجمة قليلا، فإن الطبيعة المتواصلة لهذه المواجهات العدائية جعلت الموت العنيف خطرًا راهنًا ينتظر كل رجل والسبي والاغتصاب لكل امرأة. كما أن هناك العديد من الأدلة التي تظهر انتشار ممارسة أكل لحوم البشر.

ساهم تزايد عدد السكان في البحث عن السلع الطبيعية للاستهلاك من مناطق أخرى وهذا كان يخلق حروبًا وصراعًا بين القبائل بشكل دائم؛ بسبب عدم الإنتاج والادّخار من أجل التجارة بينهم.

كما يعبر لودفيغ فون ميزس عن ما آلَ إليه حالُ الناس، في قوله:

“أعداءٌ حتى الموت لبعضهم البعض، خصومٌ بلا هوادة في مساعيهم للحصول على شطر من موارد القوت النزر الذي وفّرته الطبيعة؛ فقد كان كل فرد مجبرًا على اعتبار كل الأفراد الآخرين أعداء له. ثمّ إنّ نهمه لإشباع شهيته كان سيدخله في صراع عنيد مع كل جيرانه، ولا يمكن لأي تعاطف أن ينمو تحت أوضاع كهذه.”

الإبقاء على رجل آخر كان يعني تمكينه من خلق المزيد من الذرية، وبالتالي تقليل فرصة بقاء المرء مستقبلا أكثر مما مضى وهذا التنافس فيما بينهم خلق العديد من الصراع والقتل.

وعلى نحو غير مباشر، فإن هذه البصيرة حول العداء الذي لا يلين بين أبناء القبائل المختلفة في إطار مجتمعات الصيد والجمع توفر أيضًا أول الأدلة على متطلبات التعاون السلمي بين البشر؛ إذْ حتى ينظر أبناء القبائل المختلفة لبعضهم البعض على أنّهم متعاونين لا أعداء كان لا بد أن يكون هناك إنتاج حقيقي للسلع الاستهلاكية (بما يتجاوز مجرد استغلال السلع الاستهلاكية الطبيعية). وعلى الأقل، وكشرط للحد الأدنى، يجب أن يكون هناك إنتاج للسّلع الاستهلاكية بمعنى تخزين السلع الفائضة (بهدف حفظها للاستهلاك لاحقًا). ذلك أن الإنسان فقط لو أضاف بهذا النحو شيئًا إلى الطبيعة ما كان له، من دون جهده المبذول، أن يوجد على الإطلاق؛ فقد يكون هناك سبب لدى شخص ما أن يبقيَ على حياة شخص آخر لمصلحته هو (أي لدوافعه الأنانية الخاصة ومنفعته).

فحقيقة أن شخصًا ما قد أضاف شيئًا إلى موارد السلع الطبيعية قد توفر أيضًا سببًا لشخص آخر كي يتعدى عليه ويسلب منه هذا المنتج. لكن؛ المتيقن أن هناك أسبابًا أقل لقتل شخص كهذا مقارنة بشخصٍ لا يضيف شيئًا، بل يكتفي بأخذ واستهلاك ما يمنح له (ومن ثم ينقص حتمًا مما يتوفر للآخرين). وإضافة لذلك، طالما أنّ المرء يضيف شيئًا إلى المورد الكلي للسلع المتوفرة، فهناك أيضًا سبب لدى شخص آخر لعدم التدخل في عمله وتركه يستمر فيه، وللانتفاع منه ومن نشاطه عبر التبادل معه بشكل حرّ وعلى نحو مفيد للطرفين، ومن ثم تكوين مشاعر متعاطفة معه في النهاية.

2- الهجرة:

بدأت عملية الهجرة من إفريقيا قبل حوالي 50 ألف سنة، بعيد ظهور الإنسان الحديث سلوكيًا واكتسابه القدرة على صنع القوارب، منذ ذلك الوقت وحتى قرابة 12 ألف أو 11 ألف سنة انخفضت الحرارة العالمية تدريجيًا وأصبحنا في فترة دافئة بين جليدية وهبطت مستويات البحار وفقًا لذلك.

انتهت آخر فترة دفء كبرى قبل حوالي 120 ألف سنة، وخلال هذه الفترة كانت مجموعات فرس النهر تعيش في الراين والتيمس، وكان لشمال أوربا مظهرًا أفريقيًا نسبيًا. ومنذ ذلك الحين، اتجهت طبقات الجليد بثبات نحو الجنوب وانخفض مستوى البحر إلى أكثر من 100 متر. وأصبح كل من نهري التيمس واللإلبه رافدين لنهر الراين، قبل أن يصب أولًا في بحر الشمال ومن ثم في المحيط الأطلسي.

و حين انتهت هذه الفترة، على نحو مفاجئ، قبل حوالي 12 ألف سنة؛ حيث انحسر الجليد بسرعة وارتفع مستوى البحر، ليس بمقدار مليمترات كل عام؛ بل بسرعة هائلة أشبه بالطوفان. وخلال فترة وجيزة جدًا فإن إنجلترا وإيرلندا اللتين كانتا فيما مضى مرتبطتين بالقارة الأوروبية، استحالتا لجزيرتين. وهكذا ظهر بحر البلطيق وأكثر منطقة بحر الشمال الحالية للوجود. وبالمثل، فإن معظم الخليج الفارسي المعاصر يعود لتلك الحقبة. وقد اجتاز الناس البحر الأحمر عند باب المندب، الذي كان حينها فجوة ضيقة من الماء مليئة بالجزر.

استمرت الهجرة بدفعات لا تزيد عن 150 شخصًا نحو الشرق، وكان التنقل في المعظم بالقوارب؛ لأنه إلى ما قبل 6500 سنة، حين تعلم الإنسان ترويض الحصان، كان هذا الشكل من التنقل أسرع وأسهل من المشي على الأقدام.

وهكذا فقد سارت الهجرات بمحاذاة السواحل  -واستمرت بعد ذلك نحو الداخل عبر وديان الأنهار- في البدء طوال الطريق نحو الهند ومنها، كما تشير الأدلة الجينية، فقد انقسمت حركة السكان في اتجاهين؛ تقدمت من جهة حول شبه القارة الهندية إلى جنوب شرق آسيا وإندونيسيا، التي كانت آنذاك مرتبطة باليابسة الآسيوية، نحو قارة ساهول السابقة، المغمورة حاليًا (التي تكونت من أستراليا وغينيا الجديدة وتسمانيا، اللّاتي كنّ متصلات إلى حدود 8000 سنة مضت) والتي لم يكن يفصلها عن أرض آسيا آنذاك سوى قناة مائية بعرض ستين ميلًا، تطرزها الجزر التي تسمح بقفزات قصيرة فيما بينها، وكذلك شمالًا نحو ساحل الصين وفي النهاية اليابان.

و من جهة أخرى، اتجهت عملية الهجرة من الهند نحو شمال الغرب عبر أفغانستان وايران وتركيا وفي النهاية أوروبا. كما أن بعض الناس انفصلوا عن تيار الهجرة هذا؛ فمضوا نحو شمال الشرق إلى جنوب سيبيريا. أما الهجرات اللاحقة، المرجح أنها جاءت على شكل ثلاث موجات، بدأت الأولى قبل حوالي 14 ألف-12 ألف سنة مضت من سيبيريا لتعبر مضيق بيرنغ، الذي كان (حتى قرابة 11 ألف سنة خلت) جسرًا بريًا نحو القارة الأمريكية، لتصل إلى باتاغونيا بعد 1000 سنة فقط (فقد أوضحت الاكتشافات الأثرية لرفات بشرية في تشيلي بعمر 12 ألف و500 سنة). وانطلق آخر مسار للهجرة من تايوان، التي استوطنت قبل حوالي 5000 سنة فقط، ليبحر عبر المحيط الهادي حتى يصل  إلى جزر بولينيزيا وأخيرًا، قبل 800 سنة إلى نيوزلندا.

حافظت العملية دوما على جوهرها:

جماعةٌ تحتل بقعة ما يتصاعد ضغط السكان فيها.. يلازم البعض مكانهم.. وتتجه مجموعة أخرى إلى ما هو أبعدد، جيلًا بعد جيل، بمحاذاة الساحل؛ سعيًا وراء الأنهار والطرائد وبعيدًا عن الصحاري والجبال العالية، ربما استغرقت الهجرة من إفريقيا وصولا إلى أستراليا حوالي 4000 أو 5000 سنة، واستغرقت الهجرة إلى أوروبا 7000 سنة (فتعود أقدم الآثار التي تنسب فيها للبشر المحدثين ووجدت في بلغاريا إلى ما قبل 43 ألف سنة) واحتاجت 7000 سنة أخرى لوصول إلى غرب إسبانيا.

وما أن تفككت مجتمعات الصيد والجمع المختلف، لم يَعدْ بينها أي اتصال. وبالتالي، رغم علاقتها الوثيقة فيما بينها في البدء بفضل علاقات القرابة، فقد شكلت هذه المجتمعات بركًا جينية منفصلة، وبعد أن واجهتها بيئات طبيعية مختلفة وكنتيجة للطفرات والانجراف الجيني المتفاعل مع الانتخاب الطبيعي، اكتسبت على مرّ الزمن مظاهر مختلفة ومتمايزة.

وبشكل عام، فإن الفرق الجيني بين مجتمعات مختلفة يتزايد كلّما اتسعت المسافة فيما بينها وامتدّت. تعلقت هذه الفروق الظاهرة، ذات الأساس الجيني، مدة انفصالها بأمور مثل؛ لون البشرة والبُنية والقوة البدنية ومقاومة البرودة والأمراض المختلفة وتقبل مواد متنوعة. كما تعلقت بشؤون إدراكية أيضًا. وهكذا، إليكم أدلةً جينيةً على تطورين لاحقين مهمين يخصان حجم الدماغ البشري وقدراته الإدراكية:

– حدث الأول قبل حوالي 37 ألف سنة وأثّر في معظم سكّان أوربا وكذلك غرب آسيا (لكنّه خلّف آثارًا ضئيلةً في أفريقيا).

– وحدث الآخر قبل حوالي 6000 سنة وأثر في الشرق الأوسط وأوروبا في المعظم. لكن؛ كان تأثيره أقل في شرق آسيا ومعدوما في أفريقيا جنوب الصحراء.

قبل حوالي 35 ألف سنة، أي بعد 15 ألف سنة من الخروج الأول لأسلافنا من إفريقيا، كانت كل من أوروبا وآسيا وأستراليا وإفريقيا قد احتلت على يد أسلافنا البشر المحدثين وكان البشر القدماء على حافة الانقراض. وقبل حوالي 12 ألف سنة كان البشر أيضًا قد انتشروا في أرجاء الأميركيتين.

التغيرات المناخية :

حدثت في الفترة الممتدّة بين 35 ألف و11 ألف سنة تغيرات مناخية قاسية. وقبل 20 ألف سنة، مرت فترة زمنية تدعى باسم “الذروة الجليدية الأخيرة”، ما يميز هذه الفترة أن درجات الحرارة انخفضت بحدّة وأصبحت معظم أرجاء شمال أوربا وسيبيريا غير مأهولة للعيش. ثمّ إنّ كل من بريطانيا واسكندنافيا كانت مغطاة بطبقات من الجليد بأسرها، وتحولت معظم سيبيريا إلى صحراء قطبية، وامتدت السهوب الجرداء حتى وصلت إلى البحر المتوسط والبحر الأسود وبحر قزوين. وبعد 5000 عام، أي قبل حوالي 15 ألف سنة، بدأ الجليد بالتراجع ليسمح للناس والحيوان والنبات بالاستيطان من جديد في مناطق كانت مهجورة من قبل؛ بسبب هذا الاكتساح الجليدي.

ولكن؛ بعد 25 قرن وخلال عقد واحد فقط عادت درجات الحرارة للانخفاض إلى تلك المستويات القاسية السابقة، وبعد ألف سنة أخرى فقط، أي قبل 11 ألف و500 سنة، مرت درجات الحرارة بتزايد مستمر على نحو مفاجئ ودخلت الأرض في حقبة الهولوسين، وهي أحدث فترة دافئة بين جليدية ولا تزال مستمرة.

“خلال فترة الهولوسين الحالية، استمرت الحرارة في التقلب بشكل واضح؛ إذْ قبل حوالي 10 آلاف سنة، بعد فترة دفء استمرت لآلاف السنين وصلت درجات الحرارة إلى مستواها الحالي، ولعدّة مرّات لاحقة ارتفعت الحرارة على نحو مُلفت فوق هذا المستوى (بحدود درجتين مئويتين)؛ قبل 8000-6000 سنة، وقبل 6000-5500 سنة قبل 5000-4000 سنة، وقبل 2500-2000 سنة، وارتفعت مُجدّدًا، بين القرنين العاشر والرابع عشر، خلال ما يُعرف بالفترة الدافئة القروسطية. وكذلك وجدت فترات عديدة كانت فيها الحرارة أكثر وطئةً بشكل واضح من الوضع الحالي: قبل 9000-8000 سنة، وقبل 6800-6000 سنة، وقبل 4000-2500 سنة، بين القرنين الثاني والتاسع، ومجدّدًا من القرن الرابع عشر حتى أواسط القرن التاسع عشر، فيما عرف بعصر الجليد الصغير.”

أصل التعاون البشري:

لم يعد بإمكان الأراضي المتوفرة أن تتّسع لإشباع الحاجات البشرية، وفي المصطلح الاقتصادي فإن مورد عامل الإنتاج “الأرض” أصبح ثابتًا، وكل زيادة في حجم السكان البشري كان عليها أن تعيش على ريع المساحة ذاتها، التي لا تتغير، والخيارات الثلاثة المتاحة هي : الانتقال والقتال والارتجال… ولم يبقَ سوى الأخيران.

يجب إلقاء نظرة على توزيع العمل ضمن مجتمع صيد وجمع؛ بغية إبراز المشكلة بشكل واضح. لقد سلّمنا أنّ التعاون السلمي ضمن العشيرة أو الجماعة موجود. ومن المؤكد أن هناك أساسًا بيولوجيًا لبعض أشكال التعاون البشري. وقد كتب ميزس حول هذا في قوله:

“إن الانجذاب الجنسيّ المتبادل بين الذكر والأنثى متجذّر في الطبيعة الحيوانية للإنسان ومستقل عن أي تفكير أو تنظير. ومن الجائز أن ندعوه أصيلًا أو نمائيًا أوغريزيًا أو غامضا.”

يرى هوب أنه يمكن قول ذلك عن العلاقة بين الأم وطفلها؛ إذْ لو كانت الأمّهات لم يعتنين بأطفالهنّ لفترة مطولة من الزمن، سيموت الأطفال وستصبح البشرية في خطر!

فهذه الدرجة الضرورية والمقدرة بيولوجيًا من التعاون بعيدة جدًا عما يشاهد فعلًا في مجتمعات الصيد والجمع، ويُضيف ميزس:

“لا يمكن للمُساكنة أو لما يسبقها أو يليها أن تنتج التعاون والأنماط الاجتماعية للحياة؛ إذْ ترتبط الحيوانات أيضًا عن التكاثر، لكنها لم تطور علاقات اجتماعية. ثم إنّ حياة العائلة ليست مجرّد نتيجة للجماع الجنسي. وليس من الطبيعي أو الضروري أن يعيش الآباء والأطفال معًا ضمن أسرة، كما يفعلون؛ بل إن العائلة البشرية ثمرة تفكير ومداولة وتصرف. وهذه هي الحقيقة التي تميزها جذريًا عن تلك الجماعات الحيوانية التي ندعوها قياسًا بالعائلات الحيوانية.”

لماذا حدث مثل هذا التعاون البشري؟- ولماذا لم يقمْ كل شخص على حدة بمواجهة مورد مقيد بالسلع الطبيعية والانفصال عن غيره كي يتجنب الصراع إلى أن يستملك كل الأرض ومن ثم تندلع حرب الكل ضد الكل؟

حدث هذا بسبب الاعتراف بأن التعاون أكثر إنتاجية من الفعل المنفرد والمكتفي بذاته. فتوزيع العمل والتعاون على أساس هذا التوزيع زاد من إنتاجية العمل البشري.

هناك ثلاث أسباب لذلك :

أولًا؛ هناك مهام تتجاوز قدرات أي إنسان منفرد، ولهذا تتطلب الجهود المشتركة لعدّة أشخاص كي ينفذ العمل بنجاح. فبعض الحيوانات قد تكون أضخم وأخطر من أن يصطادها أفراد لوحدهم، لكنّها تتطلب مشاركة وتعاون مختلف الأفراد. وقد تكون هناك مهام يمكن أن ينجزها شخص واحد بشكل أوليّ، لكنها ستستغرق وقتًا طويلًا بحيث لا تبدو النتيجة النهائية تستحق العناء. وبالعمل المنسّق وحده يمكن إنجاز تلك المهام في فترة زمنية قصيرة بما يكفي لاعتبار النتيجة ذات قيمة.

ثانيًا؛ حتى لو كانت البيئة الطبيعية التي تواجه كل شخص متماثلة نسبيًا؛ فإنّ كل فرد مختلف عن غيره، فالرجال مثلًا مختلفون بشكل مهم في قدراتهم عن النساء؛ الرجال بطبيعتهم صيادون أفضل في العادة، والنساء جمّاعات أفضل. وبعض الناس أقوى بدنيًا وآخرون أكثر مهارة، البعض طوال القامة والبعض أكثر سرعةً، البعض يمتلكُ بصرًا حادًّا وآخرون نافذوا الشم.

ثالثًا؛ نظرًا لهذه الفروق، من المفيد بكل وضوح أن تقسم المهام المختلفة التي تُعدّ ضرورية لضمان حياة مريحة على نحو يكفل تخصص كل شخص في تلك النشاطات التي يملك فيها ميزة على الآخرين. ويظلّ توزيع العمل أمرًا منتجًا أكثر في المُجمل من العمل بشكل فرديّ. ونظرًا لحقيقة ندرة الوقت، سيظل من المعقول اقتصاديًا، أن هذا يقود إلى إنتاج مادي أكبر للبضائع المنتجة لكل وحدة عمل. وأن يتخصص كل شخص في المهمة التي تُعد فيها كفاءته الأعلى.

هذا ما يسمى نظرية تقسيم العمل التي أشار إليها الاقتصادي الشهير آدم سميث، هذه المنافع التي يوفرها تقسيم العمل تفسِّر التوازن ضمن القبيلة بدلًا من القتال، وعلى أساس هذا التعاون الذي ربما بدأ بدوافع أنانية بالكامل، تفسر التطور التدريجي لمشاعر التعاطف تجاه أقران المرء، التي تتجاوز أي أساس بيولوجي قد يوجد للعلاقة الخاصة الأعلى من الصداقة بين الأقرباء.

  • إعداد: محمد مطيع.
  • تدقيق لغوي: نور عبدو.

 

تعليقات
جاري التحميل...