in

حول الرسالة الفلسفية العاشرة لفولتير: الليبرالية، التجارة والدين

يحكى عن فولتير، الذي يعد بحق أب التنوير الفرنسي، أنه كان سليط اللسان. ففي أحد الأيام رد بقسوة على اللورد النبيل “دو روهان” الذي سأل عن اسم ذلك الشاب الذي يرفع صوته أثناء الحديث في مجمع ما كانا حاضرين فيه معا! رد فولتير المعتد بنفسه قائلا أن هذا الذي يتحدث لا يملك اسما كبيرا (يقصد مثل النبلاء) لكنه نال احترام الناس باسمه (يقصد بأدبه ومواهبه)، وبسبب تلك المشاجرة أُرسل فولتير إلى سجن الباستيل الرهيب للمرة الثانية في حياته، لأنه دخل في صراع مع هذا النبيل، واستعد لمبارزة دعاه إليها. ومكث في الباستيل فترة إلى أن تم الافراج عنه مقابل أن يغادر فرنسا إلى إنجلترا. ورغم محاولة فولتير التملص من ذلك الاتفاق والرجوع إلى فرنسا، إلا أنه أذعن في الأخير، وبقي في بلاد الانجليز قرابة ثلاث سنوات.

بهذا الخروج من فرنسا إلى إنجلترا انتقل فولتير من أرض الاستبداد إلى أرض الحرية، ومن أرض التعصب الديني إلى أرض التسامح الديني، ومن بلد يحكمه الملوك ورجال الكنيسة إلى بلد يحكمه القانون ويدير السلطة فيه مجلس العموم البريطاني العريق. وحق لفولتير أن ينبهر بهذا البلد الذي تعلم لغته في عام واحد أو أقل، وكتب بها “رسائل الانجليز” التي ستنشر لاحقا بعنوان “الرسائل الفلسفية”. لم يسبق لهذا الفيلسوف الفرنسي أن رأى تلك الحرية التي يتمتع بها الكتاب الانجليز في أي مكان آخر في أوربا. والحق أن فولتير جاء إلى إنجلترا بعد أن شهدت تاريخا طويلا من الصراع من أجل الحرية والتسامح الديني. بدأ هذا العصر الانجليزي الفريد بالماغنا كارتا (1215)، واستمر في صعود وهبوط، وشهد الحربين الأهليتين لعامي 1641 و1649 اللتين أريقت فيهما دماء كثيرة، وبعدهما الثورة المجيدة (1688) التي لم تسقط فيها قطرة دم. لقد حل فولتير بإنجلترا التي وضع أسس نظامها السياسي فلاسفة كلاسيكسون أحرار وعظماء؛ منهم جون لوك وديفيد هيوم وغيرهم.

وكما قال مؤرخ الحرية الأمريكي المعاصر رالف رايكو فقد مارست التجربة الانجليزية تأثيرا كبيرا على عقول أوربا وخاصة الفرنسية منها؛ مثل فولتير ومونتيسكيو اللذين جاءا لمعاينة تجربة الانجليز. أو بعبارة أخرى جاءا لاكتشاف هذا المجتمع الحر والمزدهر حيث تطورت التجارة والتسامح الديني والفكر الفلسفي الحر. في تلك الأيام كان الفرنسيون يقفون بإجلال أما الانجليز، فهم سادة البحار وبلد الحرية وملجئ الهاربين من الديكتاتوريات المنتشرة في أغلب بلدان القارة العجوز.

في هذا الجو المختلف عما تركه فولتير خلفه في فرنسا، حيث الرعب والخوف من تبعات أية كلمة يتفوه بها الإنسان، كتب هذا الفيلسوف المتنور رسائله الفلسفية التي وزعها خفية على أصدقائه لما رجع إلى فرنسا، ولم يجرؤ أبدا على طبعها ونشرها على العموم. وما سنقف عليه في هذا المقال هو رسالته العاشرة المعروفة أيضا بالرسالة “حول التجارة”.

في ذلك النص القصير نسبيا يقوم فولتير بربط التجارة بالحرية، يقول:

“التجارة التي جلبت الثروة إلى شعب بريطانيا، ساهمت أيضا في جعلهم أحرارا، وبدورها، أدت الحرية إلى تنمية التجارة”

والحق أن التجارة فرضت على الانجليز فتح الموانئ والأسواق وبورصة لندن أمام كل الأديان والمذاهب كي يتبادل أتباعها السلع والمنافع. ولا عجب أن يخرج أكبر الاقتصاديين المدافعين عن حرية التجارة من هذا البلد، فهم وقبل أن يدعوا إلى ذلك في كتبهم ونظرياتهم رأوا منافع التجارة في تجربة بلدهم، لكن الدفاع الكبير لآدم وسميث وديفيد ريكاردو كان حاسما في دعم التجارة الحرة لأن منافعها أكبر من منافع الحمائية، والتاريخ وقف إلى جانبهم في تأكيد ذلك.

لا شك أن فولتير لم ينس أبدا أن القدر الذي جاء به إلى إنجلترا منفيا مبعدا من بلده كان بسبب اللورد النبيل “دو روهان” الذي اعتبر أن لقبه وأصله يمنحه مرتبة أعلى وجاها وسلطة. ولهذا السبب لا يفوت فولتير أية فرصة دون أن يستغلها ليبدد صورة النبلاء في المجتمع، وليبين زيف مظاهرهم بل ويصيب سلطتهم في مقتل بتنوير المجتمع بأفكار الحرية والتمرد على ذلك النظام الاقطاعي. لقد كتب فولتير مثلا في هذا الرسالة حول التجارة قائلا:

“إنني لا أعلم أيهما أنفع للدولة: نَبِيلٌ معطر يعلم أوقات استيقاظ الملك ونومه ويتظاهر بمظاهر العظمة بينما يلعب دور العبد طلبا للقاء أحد الوزراء، أم تاجر عظيم يغني بلاده ويرسل شحنة من البضائع إلى الهند ومنها إلى مصر، ويساهم في رخاء العالم”.

إن بريطانيا علمت فولتير أن التجار هم سادة المجتمع وليس النبلاء، أولئك التجار الذين يكدون ويجتهدون ويبحثون عن الفرص الجيدة ويتحملون الخسارات أيضا، وليس النبلاء الكسالى المتفاخرين بالألقاب التي ورثوها والمتباهين بمجد لا دور له في تطوير المجتمع، بينما يساهم التجار بعملهم في ترقية المجتمع وتحريره من العبودية. قدمت بريطانيا، وكما كتب فولتير نفسه مثالا رائعا للورد عمل أخوه في التجارة؛

“فعندما كان اللورد أوكسفورد يحكم انكلترا، كان أخوه الأصغر يعمل وسيطا تجاريا في حلب، ولم يرغب بالعودة إلى وطنه حتى مات هناك”

وما من شك في أن تلك المرحلة كانت حاسمة في تغيير وجهة التاريخ الغربي ككل.

إن فولتير هنا بصدد الحديث عن حلب السورية، عن ثاني أكبر الحواضر الإسلامية في بلاد الشام، تلك الحاضرة التي يدمرها الاستبداد السياسي والحروب الطائفية المجنونة والعبثية هذه الأيام، وكأنها لم تتعلم من تاريخها أن التسامح والحرية السياسة وحرية التجارة والاقتصاد من مداخل الازدهار والسلام. لقد نسيت حلب تجربة هذا التاجر الإنجليزي الذي عاش ومات فيها، بعيدا عن وطنه وعائلته وكل ما يضمنه له ذلك من مظاهر الأبهة والسلطة. لقد نسيت حلب أو تناست أن تتعلم من تجارب الأمم التي خرجت من عصور الظلم والظلام إلى عصور الحرية والرخاء. ولهذا أصبحت ضحية للصراع الديني ولاستفراد فرد واحد بالسلطة والثروة وتحول إلى إله لا يجب نقده والاعتراض عليه، حتى جلب لبلده الحرب الأهلية والتعصب الديني وهروب من نجا من مواطنيه من ويلات الحرب إلى بلدان يجهلون عنها كل شيء.

ربط فولتير ربطا وثيقا بين التجارة والحرية والتسامح الديني، فقد سبق له أن كتب في الرسالة السادسة حول التسامح الديني ملاحظة جديرة بالتأمل؛ إنه ما يشبه التبشير بدين جديد تجتمع فيه مصالح كل أتباع الأديان والفرق الأخرى. لقد قال فولتير بعد أن نظر إلى التعاملات في بورصة لندن:

“اذهب إلى البورصة في لندن، وهو مكان يتمتع بمنزلة محترمة تتفوق على الكثير من الهيئات، وستجد هنالك ممثلين عن الأمم كلها مجتمعين لمصلحة الجنس البشري. ستجد هنالك اليهود والمسلمين والمسيحيين يتعاملون مع بعضهم بعضا وكأنهم أتباع دين واحد، أما (الكافر) فهو لقب يحتفظون به لمن يصيبه الإفلاس”.

إن هذا الارتباط الوثيق بين الحرية والتجارة والسلام والتسامح الديني تكرر في كتابات كثير من الكتاب الليبراليين الكبار، فمقولة الاقتصادي الكلاسيكي الفرنسي فريدريك باستايا “الحدود التي لا تعبرها السلع يعبرها الجنود” تعد الأشهر من بين كل مقولاته الأخرى. وإذا نظرنا إلى حالة مجتمعاتنا العربية اليوم التي يمزقها الاستبداد السياسي والتعصب الديني والنهب الاقتصادي سنعرف أن هذا الوضع المتردي الذي نعيشه ليس إلا تحصيل حاصل؛ فالأفواه مكممة بسبب الاستبداد السياسي والحدود مغلقة في وجه تنقل الأفراد والبضائع، ولم نجن من وراء ذلك كله إلا الدمار والحروب الدينية والأهلية والتعصب المذهبي، ولا يبدو أننا مقبلون على خروج من هذا الجحيم في القريب العاجل.

ما رأيك في هذا المحتوى؟

Avatar

كتب بواسطة رشيد أوراز

باحث في الاقتصاد السياسي.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Loading…

0

Comments

0 comments

مراجعة كتاب “الديمقراطية: الإله الذي فشل” لهانز هيرمان هوبه (الجزء الخامس)

لماذا حصل بول رومر على جائزة نوبل؟