شغف المعرفة

مراجعة كتاب “الديمقراطية: الإله الذي فشل” لهانز هيرمان هوبه (الجزء الخامس)

الجزء الأخير

9- الروح المحافظة والروح الليبرتارية متكاملان

يعتقد هوبه بأن الفكر المحافظ والأفكار التحررية يسيران جنبًا إلى جنب. يعرف هوبه المحافظ كالتالي:

“المحافظ هو الشخص الذي يؤمن بوجود نظامٍ طبيعيٍّ يتوافق مع طبيعة الأشياء وطبيعة الإنسان، وبأن هذا النظام الطبيعي قديمٌ وأبديٌ”

بالنسبة لهوبه، تُعدّ العائلة والملكية والتسلسل الهرمي جزءًا من هذا الترتيب الطبيعي. ويقول:

“يجب على المحافظين، وعلى وجه التحديد المحافظين ذوي الخلفية اليونانية والمسيحية في العالم الغربي، الدفاع عن الأسرة أولًا، ثم عن التسلسلات الهرمية الاجتماعية وعمّن يؤمن السلطة المادية والفكرية والروحية الناشئة عن العلاقات الأسرية والقرابة”

يجب على هؤلاء المحافظين، وفقًا لهوبه، تبني الأفكار الليبرتارية.

قامت الديمقراطية بإفساد الفكر عندما جعلت الناس يعتقدون أن إزالة الظواهر التي تتعارض مع النظام الطبيعي، وتدمير الأسر، والسلطة، والجريمة، وما إلى ذلك، يستدعي اللجوء المتزايد إلى الدولة. إذ يعتقد هذا التيار المحافظ الجديد أن الأمر لا يتطلب سوى “الإرادة السياسية” لحل المشاكل. متجاهلًا القوانين الاقتصادية وقوانين السلوك البشري. الدولة، بتشريعاتها الاجتماعية هي المسؤولة عن تراجع الأسرة والانحدار العقلي والعاطفي للبالغين العالقين في سن المراهقة.

ينطلق الفكر الليبرتاري بفكرة ملكية الموارد النادرة التي بدونها لا يوجد مجتمع قابل للبقاء، يُعاد النظر في الأخلاقيات والقانون الجنائي من حيث حقوق الملكية. كافة حقوق الإنسان هي حقوق الملكية. لا تُعتبر الأخلاق الليبرتارية ثوريةً بل محافظة لأنها تستند على ديمومة القانون الطبيعي، وهي لا تبتكر لأنها مبنية على ثوابت الطبيعة البشرية.

“الأفضل من ذلك، إذا كان المحافظون مهتمين بحماية الأسرة والمجتمع، والتسلسل الهرمي، والسلطة، ويهتم الليبرتاريون بحقوق الملكية وإدارتها، فكلاهما يهتمان بالأمر نفسه: العمل البشري والتعاون. الأسر والسلطة والتسلسل الهرمي هي عبارة عن تجسيد لتصورات مجردة كمفاهيم الملكية والإنتاج والتبادل والعقد. في العالم الفعلي، لا توجد ملكية خارج العلاقات الأسرية. هذه الأخيرة هي من تعطي للملكية شكلها. إذن فالتفكك الأسري والانحطاط الأخلاقي والثقافي الذي يتأسف عنه المحافظون هو نتيجة تدمير دولة الرفاهية للقواعد الاقتصادية للأسر. يمكن لنظرية العدالة أن تساعد المحافظين على صياغة مطالبهم بشكل أفضل من أجل العودة إلى الحضارة (الحياة الطبيعية الأخلاقية والثقافية)”

يعترف هوبه بأن العديد من الليبرتاريين قد خلطوا بين معاداة الدولاتية والأفكار الثقافية اليسارية والمذاهب الجامحة، داعين إلى التغير العاطفي والعودة إلى الهمجية. النسبية الأخلاقية والمناداة بالمساواة المعادية للسلطة هي صفات نفسية مؤقتة للمراهقة المستمرة بين أوساط المثقفين اليساريين. بالنسبة لهذه الدوائر الليبرتارية العدمية، يجب أن نتحمل الابتذال، والفحش، والمخدرات، والبغاء، والولع الجنسي بالأطفال كأشياء عادية ما لم يكن هناك اعتداء جسدي على الآخرين.

وهكذا، فإن الحركة الشرعية المناهضة للدولة التي تسعى إلى استعادة حقوق الملكية واقتصاد السوق قد استولت عليها الأدبيات العاطفية والعقلية لدعاة دولة الرفاهية: الفئة الجديدة من المراهقين الأبديين، وهذه مفارقة لأن الأفكار الليبرتارية لا تعني التسامح مع أي شيء.

“حرمت الدولة الحديثة المالكين من حقهم في الاستبعاد الذي يدخل ضمن مفهوم الملكية الفردية. وأصبح التمييز غير قانوني: لم يعد باستطاعة أرباب العمل توظيف من يريدون، ولا يستطيع المالك تأجير من يريد. بهذا سرقت الدولة من الأفراد الكثير ممّا وفر لهم الحماية الجسدية. مما يعني أن عدم وجود الحق في استبعاد الآخرين يعني عدم امتلاك الحق في حماية النفس، نتيجةً لهذا التآكل في حقوق الملكية الذي سببته الدولة الديمقراطية، يجب على الأمريكيين قبول المهاجرين الذين لا يريدونهم. لا يمكن للمعلمين استبعاد الطلاب الذين يتصرفون بشكلٍ سيء، صار أصحاب العمل مجبرين على إبقاء الموظفين السيئين، ويُجبر أصحاب العقارات بالحفاظ على مستأجرين لا يحتملون، ولا يحق للبنوك تجنب الزبائن المعرضين للخطر…”

بالنسبة لهوبه، في ميثاق مجتمع ليبرتاري من المالكين الأحرار، يحتاج المرء إلى قواعد لحماية الملكية والعائلة:

“تهدد المساواة والنسبية الثقافية المجتمع، فلا تتوافق المساواة مع فكرة الملكية الفردية، وهذه الأخيرة مبنية على التفرد وعدم المساواة والاختلاف، ولا تتوافق النسبية الثقافية مع العلاقات الأسرية العادية. المساواة والنسبية هما سلاحان للهروب من قيود المجتمع الطبيعي. تستند المساواة على الفكرة الطفولية القائلة بأن الملكية “تُعطى” (بشكلٍ تعسفيٍّ) بدلًا من إنتاجها واكتسابها بواسطة العمل المنتِج. إنه السلاح الفكري للمراهقين والشباب الذين يريدون الموارد الاقتصادية الحرة ليعيشوا حياةً ‘متحررة’ من أي نظامٍ أسريٍّ”.

في المجتمع الليبرتاري، لا مكان للتسامح مع الأفكار الديمقراطية والشيوعية (كلاهما مرتبطان) اللتان قد تدمران النظام الحر المتفَق عليه بين المالكين. وفقًا لهوبه، لا علاقة للتسامح المفرط الذي يؤدي إلى الانحلال الأخلاقي، والتفكك الاجتماعي، والانحطاط الثقافي بالأفكار الليبرتارية. إذ يستند النظام الاجتماعي الحر بالضرورة إلى الحق في الاستبعاد المرتبط بمفهوم الملكية الفردية. إن معاديي السلطوية ودعاة الثقافة المضادة ليسوا ليبرتاريين بل مجرد محتالين.

الخلاصة: استعادة النظام الملكي؟

إعادة الملكية تعني إعادة السلطة السياسية المخصخصة. أثناء سقوط الشيوعية في أوروبا الوسطى، أُعيدت خصخصة الشركات المؤممة لأسباب تتعلق بالعدالة والكفاءة. يجب أن نفعل الشيء نفسه الآن مع السلطة السياسية وإعادة صياغتها من خلال إسنادها مرةً أخرى إلى أصحابها الشرعيين الذين ألغاهم العنف الثوري.

في الواقع، البروفيسور هوبه ليس منظرًا ملكيًا. إنه اقتصادي ليبرتاري على التقاليد الأمريكية (والنمساوية، فون ميزس وهايك). إنه يحلم بمجتمع من الملّاك الأحرار بدون دولة. لكن الإنسان يفتقر إلى الكمال، والاستغناء عن الدولة أمر مستحيل. الخيار الثاني هو النظام الملكي لأنه الشكل الأكثر طبيعيةً من السلطة كونه ينبثق من الحاجة الطبيعية إلى الحماية، وهو نظامٌ متجسدٌ، وليس مجردًا. هل يمكننا العودة إلى الملكية، أي إعادة خصخصة الدولة؟ يبدو ذلك صعبًا للوهلة الأولى ولكن سيكون من الخطأ الاعتقاد بأن التاريخ لا يمكن أن يتخذ منعطفات غير متوقعة. توقع عددٌ قليلٌ من الناس، فيما عدا هايك على سبيل المثال، السقوط العنيف للاتحاد السوفييتي. لم يتنبأ أحد بنجاح إصلاح لوثر أو عصر النهضة الإيطالية، وهناك العديد من الأمثلة الأخرى الجيدة والسيئة. ليس للديمقراطية الغربية أي سببٍ لتكون أبديةً. في روما، كما في أثينا، كانت الجمهورية والديمقراطية مراحل انتقالية. ويتوافق الحد الأقصى لرقي الحضارة في اليونان مع العهد الهلنستي والملكي والأمبراطورية الرومانية في مهدها (في ظل حكم أوغسطس، على سبيل المثال)، وليس مع الفترة الجمهورية. يعتقد هوبه أن الديمقراطية سوف تنهار تحت وطأة ديونها وإنفاقها الاجتماعي والانهيار الديموغرافي التي تلوح في الأفق والتي سببها تدمير القيم العائلية.

  • الكاتب: محمد فيزازي.
  • تدقيق لغوي: رأفت فياض.

اقرأ أيضا:

تعليقات
جاري التحميل...