in

حقيقة الأزمة المالية لسنة 2008 وأسبابها

تلوم أغلبية الناس اقتصادَ السوق الحرّ، والرأسمالية على أزمة الرّهن العقاريّ التي ضربت العالم وأمريكا في البداية سنة 2008، إذ نسمع دائمًا كيف يُكرر هؤلاء الأشخاص تلك البروباغندا اليسارية التي تلوم السوق الحرّ على هذا الانهيار العالمي للاقتصاد.

في المقال الآتي سأثبت العكس وأصحّح العديد من المغالطات التي يردّدها اليساريون، والحاقدون على السوق الحرّ فيما يتعلّق بهذا الموضوع، وسنرى كيف أنَّ سبب الأزمة كان التدخّل الحكوميّ في الاقتصاد عن طريق البنك المركزيّ، والبرامج الحكومية الاجتماعية.

يرتكب البشر أخطاءً، وأحيانا تكون أخطاءً كارثية. ومن المُغري من الناحية الأخلاقية أن نلقي لوم أزمةٍ مالية مدمِّرة، وركودًا عميقًا على الجشع، والغطرسة، وغباء الرأسماليين. ولكن كما يقول روس روبرتس الباحث المرموق في معهد ميركاتوس  فإنَّ”

“الجشع، والغطرسة، والغباء دائمًا معنا”

يكمن التحدي في شرح سبب ارتكاب الأشخاص للعديد من الأخطاء في الوقت نفسه. وقد تكون السياسة العامة بقدرتها على تغيير حوافز الملايين في نفس الوقت أحد التفسيرات لمثل هذا الفشل النظاميّ.

وفي ظلّ الأزمة التي عصفت بأمريكا في العقد الأول من الألفية الثانية لم تكن أمريكا في هذا الوقت تعيش في ظل سوق حرَّة، بل كانت تعيش في ظلّ اقتصاد مختلط يمتاز بتدخّل حكوميّ كبير في الاقتصاد ويختلف هذا الخليط بحسب الصناعة. ومن أهمّ القطاعات التي كانت تعاني من تدخّلات، ورقابة كبيرة من قبل الحكومة هي قطّاع الخدمات المالية، وليس بالأمر الغريب أنَّ يكون هذا القطاع هو القطاع الذي شهد أكبر المشاكل، وكان السبب الرئيس في الأزمة المالية.

أُنشئتْ هذه المشاكل عن طريق الإجراءات التي اتّخذها البنك الاحتياطيّ الفيدراليّ جنبًا إلى جنب مع سياسة الإسكان الحكومية، والمؤسّسات التي ترعاها الحكومة: فريدي ماك وفاني ماي خاصةً (سوف أتحدث حول هذه المؤسّستين من بعد).

[better-ads type=”banner” banner=”288″ campaign=”none” count=”2″ columns=”1″ orderby=”rand” order=”ASC” align=”center” show-caption=”0″][/better-ads]

التدخّل الحكوميّ المضلّل في السوق هو السبب الحقيقي في وضْع الأساس للركود الكبير.

 

يعتمد التحليل على قوانين اقتصادية مُثبتة منذ فترة طويلة. على الرغم من رغبات، وآمال السياسيين  فإن القوانين الاقتصادية لا تتغير مثلها مثل قوانين الفيزياء. إذا قفزت من مبنى مكوّن من عشرة طوابق، فإنّ السقوط على الأرض لن يكون ممتعًا. إذا كان الاحتياطيّ الفيدراليّ يحمل أسعار فائدة أقلّ من سعر السوق الطبيعيّ عن طريق التوسّع السريع في عرض النقود (طباعة المال) كما فعل آلان غرينسبان (محافظ البنك المركزي)، فإنّ الأفراد والشركات سوف يتّخذون قرارات استثمارية سيئة وستكون هناك عواقب سلبية على حسابنا الاقتصادي ورفاهية المجتمع على المدى الطويل.

تلاعب البنك المركزيّ الدائم بأسعار الفائدة، والتفضيل الزمنيّ والاستهلاك الزائد:

 

تضرّ البنوك المركزية الناسَ، والاقتصاد أكثر ممّا تُفيد. وجميع دول العالم -تقريبًا- تمتلك اليوم بنكًا مركزيًا. وتقدّم البنوك التجارية خدمة ضرورية في اقتصادات السوق. لكن حين تخلق الحكومة بنكًا مركزيًّا، فهذا يدمر عمل البنوك. ما يؤثر على الاقتصاد والمواطنين بالدرجة الأولى.وإذ تتعامل البنوك في نظام السوق الحرّ على حساب القانون الاقتصادي الشهير “العرض والطلب” ويتغيّر سعر الفائدة حسب متطلّبات السوق.

تؤدّي البنوك دور المنسق بين خطط الناس (المدخرين والمستهلكين) فقط. وهذا التنسيق مهمٌّ لأنّ لهذه الأموال علاقةً وطيدةً مع الدورة الاقتصادية في أيٍّ من الأوقات يكون لدينا قدرٌ محدودٌ من المنتجات والخدمات في الاقتصاد، وإنْ لم يكن هناك تنسيق بين خططنا فلن تكون هناك أيّ سبيلٍ لمعرفة أيّ مشروع نستطيع أن نعمله.

لقد تبيّن أنّ اختيار المشاريع التي يبدؤها المستثمرون يتأثّر بسعر الفائدة (مدى غلاء اقتراض المال) كثيرًا. وتُحدّد أسعار الفائدة في السوق الحر عن طريق التوازن بين المدّخرين والمستهلكين. فكلّما زاد عدد المدّخرين زاد قدْر التمويل المتوفّر الذي يُمكن اقتراضه، وكلّما انخفض سعْر الفائدة، وقلّ عدد المدّخرين قلّ عدد التمويل المتوفّر الذي يمكن اقتراضه، وارتفع سعر الفائدة.

فحين يكون الإقراض غاليًا تكون المشاريع الأكثر أمانًا من تتلقى التمويل فقط، وعندما يصبح الإقراض رخيصًا يصبح بإمكان المستثمرين أن يبدؤوا مشاريع بعيدة المدى أو تتميّز بمجازفةٍ أكثر. لكن عندما تتدخّل الحكومة عن طريق البنك المركزي فسعر الفائدة لا يعود يمثّل العلاقة الحقيقية بين المدخرين والمستهلكين.

وما تفعله البنوك المركزية في الحقيقة هو تخفيض سعر الفائدة عن قصد في كثير من الأحيان لتساعد على تحفيز الاقتصاد. وتفعل هذا عن طريق خلْق مالٍ جديد تحقن الاقتصاد به، وبعد فترة قصيرة حين ينخفض سعر الفائدة عن طريق تدخّل البنك المركزيّ يكون هناك ازدهارٌ زائف وهنا تخلق البنوك ما يُسمّى ب Boom and Bust cycle هذا ما يطبّقه على الداوم السياسيون الذين يريدون أن يبقوا في الرئاسة مدةٍ أطول، ويحصلون على أصوات انتخابية أكثر.

والذي يحدث بسبب هذا التدخّل هو أنّ البنوك تشرع في إقراض قدرٍ أكبر من المال في الحين الذي تبدأ فيه الشركات مشاريع جديدة وبعيدة المدى خلال توسّعها. ويتبيّن للأسف أنّ العديد من هذه القروض تُعدُّ استثماراتٍ سيئةً (لأنها زائفة)، وقد كان مقدّرًا لهذا الازدهار أن يُعكس منذ البداية لينتهي بأزمة.

ويحدث هذا لأنّ عكْس اقتصاد السوق الذي لا يستهلك فيه شخصٌ مدخرٌ، ويدعُ شخصًا آخر يقوم بهذا فعند تدخّل البنك المركزيّ لخفْض سعر الفائدة، ونشْر العديد من القروض يصبح الجميعُ مستهلكين في الوقت نفسه.وهذا م ا يُسمّيه الاقتصاديّ الكبير لودفيج فون ميزس بـ الاستهلاك الزائد Over-Consumption .

[better-ads type=”banner” banner=”288″ campaign=”none” count=”2″ columns=”1″ orderby=”rand” order=”ASC” align=”center” show-caption=”0″][/better-ads]

دور البنك المركزيّ، والحكومة في الأزمة المالية لسنة 2008:

 

خُفِّضتْ أسعار الفائدة إلى 1 بالمائة في سنة 2001. الأمر الذي أدّى لموجة من القروض في البلد. وقد اتَّبع البنك الاحتياطي الفيدراليّ من سنة 2001 إلى 2006 أكثر السياسات النقدية توسعيّة منذ 1970 على الأقل. هذا الذي أدّى إلى دفْع أسعار الفائدة بالانخفاض؛ أي أقلّ من المعدّل الطبيعيّ بكثير.

اقرأ أيضا: النظام المالي العالمي الحديث

في يناير من عام 2001 ، بلغ معدّل الفائدة على الأموال الفيدرالية 6.5%، وهو معدّل الفائدة الرئيسيّ الذي يستهدفه الاحتياطيّ الفيدراليّ. وقد بلغ المعدل  بعد 23 شهرًا فقط ، وبعد 12 تخفيضًا متتاليًا 1.25% ؛ أيْ أقلّ من مستواه السابق بنسبة 80٪ . وقد بقيت النسبة أقلّ من 2٪ مدة عامين وكانت هذه سياسة نفذّها محافظ البنك المركزيّ آلان غريسبان، ثمّ بدأ الاحتياطيّ الفيدراليّ في رفْع أسعار الفائدة في يونيو من عام 2004. وكان المعدّل منخفضًا جدًا خلال هذه الفترة لدرجة أنّ معدّل الفائدة الفيدراليّ الحقيقيّ (وهو المعدّل الاسميّ مطروحًا منه معدّل التضخّم) كان سالبًا لسنتين ونصف.

هذا يعني أنّ البنوك كانت البنوك تدفع في الواقع مقابل اقتراض المال، وبعد ارتفاع سريع في منتصف عام 2004، عاد السّعر إلى 5٪ بحلول مايو من عام 2006؛ أيْ في الوقت الذي بدأت فيه أسعار المنازل في الانهيار. وللحفاظ على هذا المعدّل المنخفض لمعدّل الاحتياطيّ الفيدراليّ فترة الخمس سنوات كان على الاحتياطيّ الفيدراليّ زيادة العرض النقديّ زيادة ملحوظة. ولقد نما أحد المقاييس العامة من العرض النقديّ بنسبة 32.5%. وبسبب هذا أُجريتْ الكثير من الاستثمارات غير المنطقية اقتصاديًّا خلال هذه الفترة، ولكنَّ ذلك لم يكن بسبب “الوفرة غير المنطقية الناجمة عن اقتصاد عدم التدخّل” كما اقترح البعض.

كان هذا نتيجةً لخلل في إشارات أسعار السوق بسبب تلاعب بنك الاحتياطيّ الفيدراليّ بالمال والائتمان. فبالكاد تُعتبر السياسة النقدية السيئة من قبل وكالة حكومية سياسةَ سوق حرّ. ومع مثل هذه السياسة النقدية التوسعية أُرسلتْ إشارات متناقضة، وغير صحيحة لسوق الإسكان. وقد أُعطيَ سوق الإسكان والصناعات المتعلقة به من ناحية أخرى الضوءَ الأخضر للتوسّع. يبدو الأمر كما لو أنّ الاحتياطيّ الفيدراليّ زوّدهم بوفرة من الخشب، وشجَّعهم على بناء منزلهم الاقتصادي بقدر ما يرضون.

نادرًا ما يفهم أولئك الناس أنّ التدخّل الحكوميّ قد يكون سبب المشكلة. ومع ذلك فإنّ نظام الاحتياطيّ الفيدراليّ، وآلاف الصفحات من اللوائح المالية، وآلاف من الصفحات الأخرى لسياسة الإسكان الحكومية أظهرتْ غيابًا تامًّا لـ “سياسة عدم التدخّل”.

إنّ أسعار السوق تشبه إشارات المرور إلى حدٍّ كبير. وهكذا فإنّ  أسعار الفائدة هي إشارة المرور الرئيسية. فهي توفّق بين رغبة بعض الناس في التوفير؛ أيْ تأخير الاستهلاك حتى تاريخ مستقبليّ مع رغبة الآخرين في الاستثمار في الأفكار أو المواد أو المعدّات التي ستجعلهم وأعمالهم أكثر إنتاجية. ففي اقتصاد السوق تتغيّر أسعار الفائدة كلّما تغيرتْ الأذواق والظروف.

فعلى سبيل المثال إذا أصبح الأشخاص أكثر اهتمامًا بالاستهلاك في المستقبل فيما يخصّ الاستهلاك الحاليّ فسوف يزيدون من المبلغ الذي يوفّرونه. وهذا بدوره سيخفّض أسعار الفائدة ممّا يسمح لأشخاص آخرين باستعارة المزيد من الأموال للاستثمار في أعمالهم.

إنّ زيادة الاستثمار تعني عمليات إنتاج أكثر تعقيدًا، وهذا يعني توفّر المزيد من السّلع في المستقبل. تضمن العملية في اقتصاد السوق الذي يعمل عملًا طبيعيًّا أن يكون الادّخار استثمارًا متساوٍ، وكلاهما متوافق مع الشروط الأخرى، ومع التفضيلات الزّمنية العامّة.

في دراسة للأزمة المالية لسنة 2008 باسم The House That Uncle Sam Built: The Untold Story of the Great Recession of 2008 أجراها الاقتصاديان Steven Horwitz و Peter Boekttke، إذ يُظهران أنّ لهيب فقاعة الإسكان قد أُثيرت بفعل السياسة النّقدية المُتساهلة التي طبّقها البنك الفدراليّ المركزيّ والتي شجَّعتْ تراكم العمالة ورأس المال في الإسكان، والتمويل، والصّناعات ذات الصّلة. والذي حدث هو أنّ التكيّف المؤلم أصبح أمرًا حتميًا، الأمر الذي أدّى للأزمة المالية وهذا عندما أصبح من الواضح أنّ هذه الاستثمارات لا تتّفق مع تفضيلات المستهلكين الزّمنية.

لقد أدرجتْ الحكومة الأمريكية نفسها في كلّ صفقة تقريبًا مع التلاعب في إشارات الأسعار، وتشويهها على طول الطريق. وإنّ قليلًا من التدّخلات لا يقلّ أهمية عن تلك المرتبطة بالسياسة النقدية التي ينفذّها الاحتياطيّ الفيدراليّ. فجوهر المال هو أنه وسيلة تبادل مقبولة عمومًا، ممّا يعني أنّها نصف كلّ عملية شراء وبيع في الاقتصاد. مثل الدم المتداول في الجسم فإنّه يمسّ كلّ شيء. وعندما يلجأ بنك الاحتياطيّ الفيدراليّ إلى عرْض النقود فإنّه لا يؤثّر على سوق واحد أو سوقين محدّدين مثل سياسة الإسكان أو سوق آخر، ولكن في كلّ سوقٍ؛ أي في الاقتصاد بأكمله. إنَّ صلاحيات مجلس الاحتياطيّ الفيدراليّ تُعطيها مجالًا واسعاً لخلْق الفوضى الاقتصادية.

إنَّ البنوك المركزية مثل بنك الاحتياطيّ الفيدراليّ تخلق التضخّم فإنّها توفّر للبنوك المزيد من المال عن طريق الإقراض على الرغم من أنّ الجمهور لم يحدث أيَّ مزيد من المدّخرات.

تستجيب البنوك عن طريق خفْض أسعار الفائدة لجذب المقترضين الجُدد. والمقترضون يرون انخفاض سعر الفائدة، ويعتقدون أنّه يشير إلى أنّ المستهلكين أكثر اهتمامًا بالتأخّر في الاستهلاك بالنسبة للاستهلاك الفوريّ. ثم يبدأ المقترضون بالاستثمار في تلك المشروعات طويلة الأجل وهي الآن أكثر استحسانًا نسبيًا نظرًا لأسعار الفائدة المنخفضة.

غير أنَّ المشكلة تكمن في أنّ الطّلب على هذه المشاريع طويلة الأجل ليس موجودًا بالفعل. فالجمهور ليس أكثر اهتمامًا بالاستهلاك في المستقبل على الرغم من أنّ إشارات أسعار الفائدة تشير إلى خلاف ذلك. مثل إشارات المرور الخاطئة.  فإنَّ معدّل الفائدة المشوَّه للتضخّم سوف يسبّب الكثير من الحوادث. وهذه الحوادث هي الاستثمارات الخاطئة في عمليات الإنتاج على المدى الطويل

يجد هؤلاء المنتجون الذين يشاركون في العمليات الأطول في نهاية المطاف أنّ تكلفة الحصول على موادهم الخام مرتفعة للغاية، لا سيّما أنّه من الواضح أنّ رغبة الجمهور في تأجيل الاستهلاك حتى المستقبل ليست هي ما سوف يأتي به سعْر الفائدة المُقترح. ثمَّ يُتخلّى عن هذه العمليات الأطول أجلًا ممّا يؤدّي إلى انخفاض أسعار الأصول (السّلع الرأسمالية والأصول المالية، مثل أسعار أسهم الشركات ذات الصِّلة)، ويبدأ ظهور العمال العاطلين عن العمل في القطّاعات المرتبطة بصناعات السلع الرأسمالية.

هكذا تبدأ مرحلة الانهيار في دورة السياسية النقدية Boom and Bust cycle فعندما تنخفض أسعارُ الأسهم تنخفض أسعار الأصول بدورها، ويتباطأ النشاط الاقتصاديّ العام، وترتفع معدلات البطالة. فالانهيار يُعدُّ إشارةً إلى أنّ الاقتصاد يمرّ بإعادة تجديد، وإعادة تشكيل رأس المال والعمالة. إذ أنّه يُزيل الأخطاء التي حدثتْ خلال فترة الازدهار الاصطناعيّ السابق. والنقاط المهمّة هنا هي أنَّ الازدهار الصناعيّ يكون عندما تُرتكب العديد من الأخطاء، والذي يحدث هو أنَّه عند الانهيار تُصحَّح هذه الأخطاء.

لم تكنْ أسعار الفائدة منخفضة لأنَّ الناس كانوا في حالة مزاجية للادخار؛ أي كانوا منخفضين لأن بنك الاحتياطيّ الفيدراليّ قد جعلهم كذلك عن طريق نظام FIAT، والأسوأ من ذلك أنّ سياسة الاحتياطيّ الفيدراليّ أعطتْ المورَّدين المُحتملين لرؤوس الأموال الذين ربّما كانوا يحاولون الادّخار الضوء الأحمر لعدم فعل ذلك بسبب معدّلات فائدةٍ منخفضة جدًا لأنّه بهذا لن يكون لديهم أيُّ حافزٍ لوضْع أموالهم في البنك لإقراض الآخرين.

ولكن لماذا تدفَّق ائتمان بنك الاحتياطيّ الفيدراليّ بأكمله إلى السّكن؟ صحيحٌ أنّ الائتمان السّهل ساهم في تمويل موجة من الاقتراض الاستهلاكيّ، وعمليات الاندماج والاستحواذ. لكنَّ الجزء الأكبر من الائتمان ذهب إلى السَّكن. وهذا حدث لأنّ الحكومة كانت تسعى جاهدةً لزيادة القدرة على تحمّل تكاليف السكن.

[better-ads type=”banner” banner=”290″ campaign=”none” count=”2″ columns=”1″ orderby=”rand” order=”ASC” align=”center” show-caption=”0″][/better-ads]

علاقة البرنامج الحكوميّ للإسكان، و شركة فاني وفريدي ماي بالأزمة المالية لسنة 2008 :

يعود تدخّل الحكومة في سوق الإسكان إلى الكساد الكبير على الأقل. والمبادرات الحكومية الحديثة المرتبطة بالرّكود الحاليّ ظهرتْ في إدارة كلينتون. ومنذ ذلك الحين اعتمدتْ الحكومة الفيدرالية مجموعةً متنوّعة من السّياسات التي تهدف إلى جعل الإسكان بأسعار معقولة للمجموعات ذات الدّخل المنخفض، والمتوسّط، ​​وللأقليّات المتعدّدة في أمريكا.

فاني و فريدي ماي Fannie and Freddie Mac :

فاني ماي هو الاسم الشائع للرّابطة الفدرالية الوطنية للرّهن العقاريّ Federal National Mortgage Association وهي تُعدُّ واحدةً من أكبر مؤسّسات الرهن العقاريّ العاملة في السوق الثانوية للرهن في الولايات المتحدة الأمريكية. تأسّست بعد الكساد الكبير لسنة 1929 تطبيقًا لخطّة الرئيس روزفلت “الصّفقة الجديدة” وتُعدّ شركةً مساهمة إلا أنّها مضمونة من قبل الكونغرس الأمريكي بحسب نظام Government sponsored entreprise. (ستجدون شرح للمصطلح أسفل المقال)

أما فريدي ماي فتُعدّ مؤسِّسة لرهن المنازل العقارية الفدرالية The Federal Home Loan Mortgage Corporation وتُعدّ واحدة من أكبر شركات الرهن العقاري في الولايات المتحدة أيضًا وتُعدّ كشركة شقيقة لفاني ماي. إذ يمتلكان ما يمثّل 50 بالمائة من إجمالي سوق الرهن العقاريّ الأمريكيّ والذي يُقدّر ب3 تريليون دولار.

تأسّست فريدي ماي سنة 1970 كشركة خاصّة لكنّها مضمونة من قبل الكونغرس الأمريكي بحسب نظام الحماية الحكومية تبعًا لمهمَّتهما لتحقيق أهداف الوزارة، والتنمية الحضارية التي أسّسها الرئيس الديمقراطيّ ليندون جونسون الذي عُرف بالعديد من السياسات الاشتراكية التي أدخلها على النظام الرأسمالي الأمريكي مثل برنامج الإسكان، والصحة، والحرب على الفقر.

ومن أجل تطبيق مخطّط توفير الإسكان لأكبر عدد ممكن من المواطنين الأمريكيين سعتْ شركات تابعة للدولة مثل “فريدي ماي وفاني ماي”، و”بنك الفدرالية للقروض المنزلية The Federal Home Loan Banks” لبذل المجهودات من أجل تحسين ملكيّة المنازل للأُسر ذات الدّخل المنخفض والمتوسّط عمومًا من خلال أساليب خاصّة بأسعار معقولة مثل القدرة على الحصول على رهن عقاريّ بسعر فائدة ثابت مدَّة 30 سنة مع دفعة منخفضة، والتوافر المستمرّ للرهن العقاريّ في نطاق واسع من الظروف الاقتصادية، ثمَّ في سنة 2003-2004 بدأ ظهورُ أزمة الرهن العقاريّ.

بدأ في هذا الوقت التّحوّل نحو الرهون العقارية ذات المخاطر العالية بسبب سعي المؤسّسات المالية  للحفاظ على مستويات الأرباح التي ارتفعتْ خلال الفترة 2001-2003 بسبب طفْرة مالية لم يسبقْ لها مثيل بسبب أسعار الفائدة المنخفضة جدًا التي طبَّقها البنك المركزيّ الأمريكيّ.

كان يُفترض على نطاق واسع أنَّ “ماني وفريدي ماي” تتمتّع بدعم الحكومة الفيدرالية. هذا الضمان الضمنيّ والصريح سمح لهم بالاقتراض بنصف نقطة مئوية أقلّ من منافسيهم، وهي ميزة تنافسية كبيرة, لم يكن هذا هو الامتياز الوحيد لهذا النوع من الشركات، فعلى نحو ما يشرح ميتشل في كتابه The Pathology of Privilege فإنَّ:

“فاني ماني وفريدي ماي كانتا تتمتّعا بسلطة ائتمانية في وزارة الخزانة الأمريكية، وإعفاء من الضرائب الحكومية والمحلية، وإعفاء من مُتطلّبات إيداع الأوراق المالية والبورصة ومتطلبات رأس المال منخفضة.”

هذه النِعم جاءت مع أوتار مرتبطة. ويوضّح روبرتس أنَّ صانعيْ السياسة شجَّعوا فاني وفريدي تشجيعًا منهجيًّا على إدارة محافظهم الاستثمارية نحو استثمارات أكثر خطورة.

يُثبت عالم الاقتصاد أرنولد كلينغ من معهد ميركاتوس في دراسة علميّة باسم : Not What They Had in Mind: A History of Policies That Produced the Financial Crisis Of 2008 أنَّ العامل الرئيسي في تراكم المخاطر في قطاع الإسكان كان “المراجحة التنظيمية” Regulatory arbitrage من خلال هذه العملية التي دفعتْ الأنظمة الأكثر تعقيدًا روّاد الأعمال إلى ابتكار أساليب أكثر ابتكارًا في هيكلة استثماراتهم من أجل تقليل متطلبات رأس المال التنظيمية إلى الحد الأدنى.

شجَّعتْ هذه العملية تشجيعًا منهجيًّا الاستثمارَ في الأوراق المالية المدعومة بالقروض العقارية. وقد ساعد ذلك وكالات التصنيف المحمية من المنافسة بفضل امتيازاتها التنظيمية (التي ضمنتها لها الحكومة) بالفشل في تقدير المخاطر المتزايدة وقدمت عن طريق الخطأ هذه الأصول أعلى تصنيفاتها إيجابية. كانت نوايا هذه البرامج الحكومية هي توفير منازل لأكبر عدد من الناس بأسعار معقولة لكن النوايا الحسنة لا تستطيع عزلنا عن عواقب السياسات السيئة.

أصبح السياسيون يثيرون الجميعَ بوعودهم الخيالية كعادتهم، من خلال توفير ملكيّة المنازل والإسكان بتكاليف ميسورة، والسياسيون جَنَوا العديد من النقاط التي يمكن أنْ يسجّلوها من خلال الادّعاء بأنّهم أبطالُ الشعب وبأنّهم دفعوا الاقتصاد. أما هم فقد دفعوه في الحقيقة نحو مسارٍ اصطناعيّ دعا إلى تصحيحً لا مفرّ منه، وهذا التصحيح كان مؤلمًا بشدّة للاقتصاد الأمريكيّ والعالميّ.

أنشأ الكونغرس مؤسّسات ضخمة ترعاها الحكومة، ثمَّ شجّعها على تحطيم معايير الإقراض. ولقد أعان الكونغرس قانونَ الضرائب لصالح العقارات على الاستثمارات الأخرى. ومن خلال سياساته المالية المتهوّرة أدّى مجلس الكونغرس الأمريكيّ والاحتياطيّ الفيدراليّ إلى إغراق الاقتصاد بالسّيولة ودفع سعْر الفائدة إلى الانخفاض. وقد شجَّعت كلّ واحدة من هذه السياسات الكثير من موارد الاقتصاد على الدّخول في قطاع الإسكان.

وتعدُّ “فاني ماي” (المؤسّسة الفيدرالية الوطنية للرهن العقاريّ) و “فريدي ماك” (شركة تمويل قروض المنازل الفيدرالية) من اللاعبين الأساسيين هنا في الأزمة. لا تُعدّ فاني ولا فريدي شركات “سوق حرة”. فقد كانا مُستأجران من قبل الحكومة الفيدرالية. وعلى الرغم من أنّها مملوكةٌ ملكيْةً خاصة حتى بداية الانهيار في عام 2008 إلا أنّها مُنحت عددًا من الامتيازات الحكومية بالإضافة إلى تحمل وعدٍ ضمنيٍّ بدعم الحكومة في حالة وقوعها في مأزق. (هذا ما يُسمى تسميةً واضحةً برأسمالية المحاسيب. النظام الذي يُعدّ مٌناقضا كليًّا للسوق الحرّ الرأسمالي، والمنافسة الشريفة).

وفي الواقع لم تصدر فاني وفريدي معظم القروض السيئة التي شملتْ أزمة السكن. فقد قُدِّمتْ قروض أيضًا من قِبل البنوك، وشركات الرهن العقاريّ التي عُرفت بأنّها يمكن أن تبيع تلك القروض في سوق الرهن العقاريّ الثانويّ، إذ ستشتريها “فاني وفريدي”، وتُعيد تجميعها للبيع إلى مستثمرين آخرين.

وقد ابتكرتْ شركة فاني وفريدي عددًا من أنواع التسهيلات الائتمانية المنخفضة، وغيرها من أنواع القروض الإبداعية العالية المخاطر التي تم استُخدمتْ خلال فترة ازدهار الإسكان. وكان منشئو القروض مستعدين لتقديم هذه الأنواع من القروض لأنّهم كانوا على علمٍ بأنَّ فاني وفريدي على استعداد لشرائها. و”مع الوعد الضمنيّ بدعمٍ حكوميٍّ من وراءهم فتُمرَّر المخاطر من المنشئين إلى دافعيْ الضرائب.” فإذا تعثَّر أصحاب المنازل سوف يتضرّر مشترو الرهن العقاريّ وليس المنشئين. وقد أدّى وجود فاني وفريدي في سوق الرهن العقاريّ إلى تشويه حوافز للجهات الفاعلة الخاصة مثل البنوك.

وإنّ أسعار الفائدة المنخفضة لبنك الاحتياطيّ الفدراليّ إلى جانب مشتريات فاني وفريدي التي ترعاها الحكومة للرهون العقارية جعلت إقراضَ أيّ شخص، وكلّ شخص من الربحية العالية والمصطنعة.

لم تكن البنوك، وشركات التمويل العقاريّ بحاجة إلى أن تكون أكثر سذاجة ممّا كانتْ عليه بالفعل. عندما رأت البنوك أنّ فاني وفريدي على استعداد لشراء أيِّ قرض تقريبًا لمقترضين غير مؤهَّلين فقد قاموا بالكثير منها.

يمكن لسياسة المال السّهل التي يتَّبعها الاحتياطيّ الفيدراليّ، وسياسة الكونجرس الخاصّة بالإسكان فقط تفسيرُ سببِ حدوث الأزمة عند حدوثها، ومتى، وأين حدث ذلك.

وممّا له أهميةُ إضافية حقيقة أنَّ فاني وفريدي كانا تحت ضغط سياسيٍّ كبير لإبقاء السكن في متناول اليد للجميع، ومنْحِ الفرص للمجموعات أو الأقلّيات “السكان المحرومين” تاريخيًّا.

صُمِّمتْ العديد من الرهون العقارية الجديدة ذات الدفعات المنخفضة، والمنخفضة جدًا بسبب هذا الضغط الحكومي لتمرير سياسات يسارية لتوفير سكن للجميع.

لم يقتصر الأمر على توفير الكثير من الأموال للإقراض، ولا على أنَّ الحكومة كانتْ تدعم شراء الرهون العقارية ضمنًا بل كانتْ تُشجّع المقرضين أيضًا على إيجاد مزيد من المقترضين الذين كانوا يعتقدون في السابق أنَّهم غير قادرين على تحمُّل رهن عقاري. وهذا ما يسمى بأزمة Subprimes. وقد حُوِّلَ التدفّق الكبير لمدفوعات الرهن العقاري الناتجة عن فقاعة الإسكان الناتج عن التضخّم إلى مجموعة متنوعة من المركّبات الاستثمارية الجديدة. وفي أبسط الشروط بدأت المؤسسات المالية مثل فاني وفريدي في شراء هذه الرهونات من البنوك أو شركات الرهن العقاريّ، وجمْعِها معًا، وبيْع تدفّق المدفوعات من تلك الحزمة كأداة تشبه السّندات لمستثمرين آخرين.

لقد امتلكتْ فاني وفريدي في وقت تأميمها في خريف 2008 نصف سوق الرهن العقاريّ بأكمله أو خضعا له. وأمكن للمستثمرين شراء ما يُسمّى “الأوراق المالية المدعومة بالقروض العقارية” وكسب الدخل المُستمدّ في نهاية المطاف من مدفوعات الرهن العقاريّ لأصحاب المنازل.

[better-ads type=”banner” banner=”288″ campaign=”none” count=”2″ columns=”1″ orderby=”rand” order=”ASC” align=”center” show-caption=”0″][/better-ads]

دور وكالات التصنيف في الأزمة المالية لسنة 2008:

اتخذ بائعو الأوراق المالية حصةً لكونهم وسيط. كما قسَّموا الأوراق المالية إلى “شرائح” أو مستويات مخاطر. وقد دفعت الشرائح ذات المخاطر الأقلّ في البداية، إذ  كانت تمثل أقلَّ المخاطر من الرهونات العقارية التي تدعم الأمن، وقد دفعت المخاطر المرتفعة هذه الأموال المتبقّية لأنّها تعكس الرهون العقارية ذات المخاطر العالية.

التقط المشترون هذه الأدوات أو الشرائح المتنوعة لأسباب:

أولاً: مع استمرار ارتفاع أسعار المساكن، بدتْ هذه الأوراق المالية وكأنَّها مصدرٌ ثابت للدّخل المتزايد باستمرار. وكان يُنظر على أنَّ المخاطر ستكون منخفضة نظرًا للازدهار في سوق الإسكان. وبالطبع كان هذا الازدهار وهميٌّ ،والذي كشف عن نفسه في نهاية المطاف.

ثانيًا: صُنِّفتْ معظم هذه الأوراق المالية المدعومة بالرهن العقاريّ على تصنيف AAA وهو أعلى تصنيف، من قبل وكالات التصنيف الثلاث: Moody’s, Standard and Poor’s و Fitch وقد دفع هذا الأمر المستثمرين إلى الاعتقاد بأنَّ هذه الأوراق المالية آمنة للغاية. كما أنَّ العديد من المسؤولين أيضًا اعتقدوا أنَّ الأسواق كانت غير منطقية. فكيف صُنِّفتْ هذه الأوراق المالية، وأُعطيتْ درجةً عالية، والتي سرعان ما اكتُشِفتْ من بُعد على أنّها مشكلة كبيرة. والإجابة هي أنَّ وكالات التصنيف الثلاث هذه هي كارتل أو مجموعة من صنْع الحكومة التي لا تخضع لمنافسة بينها ذاتِ معنى وهذا يُظهر لنا ثانيةً كيف أنَّ سببًا آخر من الأسباب الرئيسية للأزمة لا علاقة له بالرأسمالية والسوق الحر التي تتميز بالمنافسة، والحرية من التدخل الحكوميّ.

وقد أُعطيتْ العديدُ من الأدوات أو الشرائح تصنيف AAA الشيء الذي لم يكن حقيقيًا لأن تصنيفها الحقيقيَّ كان سيئًا جدًا، ولم يكن ينبغي أنّ تُعطى هذا التصنيف الذي نشره كارتل في وكالات التصنيف. ليس لأنَّ الأسواق فشلتْ بطريقة أو بأخرى بسبب الجشع أو اللاعقلانية، ولكن هذا حدث لأنَّ الحكومة قطعتْ، ومنعتْ عمل المنافسة الحقيقية في السوق، والنتيجة كانت ما حدث بعد ذلك من انهيارٍ للأسواق المالية، والاقتصاد العالميّ.

في سنة 1975 قرّرتْ هيئة الأوراق المالية، والبورصات فقط أنَّ تقديراتٍ ثلاث “منظّمات تصنيف إحصائية مُعترف بها وطنيًا” ستلبّي مُتطلّبات التصنيف لعدد من اللوائح الحكومية، وقد تم وُجِّهتْ الأنشطة منذ ذلك الحين نحو تلبية مُتطلّبات المنظَّمين، وليس المنافسة الحقيقية.

ولم يكن هناك أيُّ احتمال لدخول مشارك جديد بتقنية أكثر دقة لمنافستهم، وإظهار تصنيفات شفّافة للعملاء في السوق إذا ارتكبوا خطأً في تصنيفاتهم.

مثال ونظرة عامة فيما يخصُّ عمل القروض:

 

فُكِّر في تعميم الثروة من خلال تعميم القرض على مرّ كلّ العصور، ولكن في السنوات الأخيرة على نحو  خاصّ بدءًا يُخلط بين السعر النقديّ بالمنتجات، ثم بين الورق، والسعر النقديّ، ومن هذا الخلْط يُمكن استخلاص واقعٍ وحقيقة. وإنَّه من الضروري جدًا في هذه الحالة نسيانُ المال، والنقود، والأوراق، وكافة الوسائل المُتبقّية التي تنتقل بواسطتها المنتجاتُ من يدٍ لأخرى كي لا تُرى سوى المنتجات وحدها، التي هي مادّة القرض.

لأنّه حين يقترض فلاحٌ 50 يورو لشراء محراث فإنّه لا يُقرَض الخمسين يورو، وإنّما المحراث، وحين يقترض تاجر 20 ألف يورو لشراء منزل، فإنَّه لا يكون بذمَّته للجهة المُقرضة عشرين ألف يورو، وإنَّما المنزل. فالمال لا يظهر هنا إلا لتيسير الاتّفاق بين مختلف الأطراف.

أيْ لا أحد يقترض المال من أجل المال في حدِّ ذاته بل يُقترض المال للحصول على المنتجات. والحال أنَّه لا يُتداول في أيِّ بلد كانتْ سوى حجم المنتجات المتوفّرة، ومهما بلغ قدْر السِّعر النقديّ والأوراق المتداوَلين، فإنَّ مجموع المُقترضين لا يمكنهم الحصول على أعداد إضافية من المحاريث أو المنازل أو المواد الأوّلية، ممَّا ليس متوفِّرًا عند مانحيْ القروض .

ولنستوعب الأمر جيدً، فلأنَّ كلَّ مقترض يَفترض وجود مُقرض، وأنَّ كلّ اقتراض يعني قرضًا. ففي هذه الحال، ما الذي بإمكان مؤسّسات القروض فعلُه ؟ إنَّها تقوم تُسهِّلُ وسيلةَ اللقاء، والتفاهم بين المُقرض والمُقترض. ولكنْ ما لا يمكنها فعله هو الرفع رفعًا آنيًا من كميات المنتجات موضع القروض والاقتراض.

وبالعكس فإنَّه يتعيّن فعل هذا، كي يُبلغَ هدف الاصلاحيين، الذين لا طموح لهم سوى توفير المزيد من المحاريث، والمنازل، والأدوات، والتجهيزات، والمواد الأوّلية في متناول كلّ من يرغب فيها. ومن أجل هذا فكَّروا بمنح “القرض بضمانة الدولة”.

لشرح المسألة شرحًا أوسع سأحاول طرْح مقتطف من كتاب “ما يُرى وما لا يُرى” للاقتصاديّ الفرنسيّ الشهير فريديريك باستيا:

“لنفترض أنّه لا يوجد في العالم كلّه إلا محراثٌ واحد يحتاج له فلاحان اثنان”بيير” يملك المحراث الوحيد المتوفّر .ويرغب جان وجاك في اقتراضه. ولكن “جان” بفضل نقاء ذمّته، وممتلكاته، وسيرته الجيّدة  يُمنح الضمانات. أما “جاك” فلا يُمنح الثقة أو تُمنح له قليلًا. والطبيعيُّ أنَّ “بيير” سيقرض محراثَه لجان.

لكن وبتأثير الاشتراكية تتدّخل الدولة وتقول لبيير: اقرضْ محراثك لجاك. أنا أضمن لك التعويض، وهذه الضمانة هي الأفضل من تلك التي قدَّمها جان لأنه لا يملك سوى ذاته المسؤولة عن ذاته، أمَّا أنا فصحيح أنَّي لا أملك شيئًا، ولكنّي أتوفّرعلى ثروات كافة دافعيْ الضرائب، وبواسطة أموالهم سأسدّد في حال اقتضى الأمر ذلك السعر الأصليّ والفائدة، والنتيجة هي أنَّ بيير يُقرض محراثه لجاك: هذا ما نراه .

ويفرك الاشتراكيون أيديهم، وهم يقولون :”انظروا كيف نجحتْ خطّتنا. فبفضل تدخّل الدولة نال الفقير محراثًا. لم يعد بحاجة إلى قلْب الأرض بيديه. إنَّه يسير على طريق الثروة، وهذا نفعٌ له، ومكسبٌ للأمّة عمومًا.”

أبدًا، أيُّها السادة. ليس في هذا مكسبٌ للأمّة. لأنّ هذا هو ما لا نراه. لا نرى أنَّ المحراث لم يصبح بحوزة جاك لأنه لم يُمنح لجان. ولا نرى أنَّه إذا أصبح جاك يحرث عِوض أنْ يقلب الأرض سيضطر جان إلى قلْب الأرض عِوضًا عن حرْثها. ومن ثمَّ، وكنتيجة لذلك، فما عُدَّ  نموًا في القرض ليس سوى تحويلًا للقرض. وبالآتي نحن لا نرى أنَّ هذا التّحويل ترتَّب عنه ظلمان عميقان.

ظلمٌ لجان الذي بعد أن استحقَّ، ونال القرض بفضل أمانته، ونشاطه حُرمَ منه. وظلمٌ لدافعيْ الضرائب المهدّدين بتسديد دين لا علاقة لهم به.

هل سيُقال أنَّ الحكومة تَمنح جان التّسهيلات ذاتها كما لجاك؟ لكن وبما أنَّه لا يوجد إلا محراثٌ واحد   فإنَّه لا يُمكن قرْض اثنين. فالحجّة تعود دائمًا لقول إنّه بفضل تدخّل الدولة ستكون هناك اقتراضات كثيرة أكثر مما سيكون هناك قروض، بما أنّ المحراث يشكّل مجموع الرساميل المتوفّرة.”

خلاصة:

القوانين الحكومية التي كانت تضمن الحسابات البنكية قد سمَّمتْ بالفعل النّظام المصرفيّ من خلال ضمان حسابات الجميع .. هذه ليست الرأسمالية ..إذا لم تكنْ الحكومة تضمن حساب البنوك فإنَّ البنوك ستكون مسؤولةً أكثر بكثير لأنَّ الموْدعين سيهتمّون فعلًا بما فعلته البنوك بأموالهم .. أمّا في ظلّ هذا النظام فإنَّه لا يهمُّ ما تفعله البنوك لأنّ الحكومة هي من ستدفع في النهاية.

يُعدُّ الضمان المصرفيّ بمثابة تعهّد من مؤسّسة الإقراض لتغطية الخسارة إذا تخلّف المُقترض عن سداد القرض.

في حين أنَّ النظام الاقتصاديّ الأمريكيّ يتمتّع بقدر كبير من المرونة، ومن المرجّح أنْ يكون نوعًا من الانتعاش الاقتصادي بعد الأزمة إلّا أنَّ كلّ الإجراءات السياسية الهامّة التي اتّخذتها الحكومة استجابةً للركود الكبير سوف تسيء الأمر أكثر.

فالأزمة ظهرت بسبب فشل سياسات الحكومة من خلال الأفكار الاشتراكية التي تغلغلت في تدّخل الحكومة من أجل توفير الإسكان للجميع، وسلطة البنك المركزي. وليس بسبب فشل السوق. وهذا أمر بالغ الأهمية لتحديد العلاجات المناسبة. فبما أنَّ الحكومة هي من خلقتْ المشكلة؛ أيْ تسبَّبت في الكارثة فمن غير المنطقيّ الاعتقاد بأنَّ المزيد من الحكومة سيكون هو العلاج لهذه المشكلة.

هامش:

شركة ترعاها الحكومة – Government-sponsored enterprise: هي نوع من أنواع الخدمات المالية التي أنشأها كونغرس الولايات المتحدة. وتتمثّل مهمَّتهم المنشودة في تعزيز تدفّق الائتمان إلى قطاعات الاقتصاد المستهدفة، وجعْل تلك القطاعات من سوق رأس المال أكثر كفاءة وشفافية، والحدّ من المخاطر التي يتعرّض لها المستثمرون وغيرهم من مورديْ رأس المال وحمايتهم. ويتمثّل التأثير المرغوب لمثل هذا النوع من الشركات في تعزيز التوافر، وخفض تكلفة الائتمان، والاقتراض للقطاعات المستهدفة بالدرجة الأولى عن طريق الحد من مخاطر الخسائر الرأسمالية للمستثمرين:مثال على هذه القطاعات ” الزراعة، وتوفير المنازل، والتعليم” الشركات العامة المتخصصة المعروفة جيدًا هي الرابطة الوطنية الاتحادية للرهن العقاريّ فاني ماي / و شركة الرهن العقاريّ الاتّحادية لقرْض المنزل فريدي ماك.

  • إعداد: محمد مطيع.
  • تدقيق لغوي:غنوة عميش.

المراجع:

  • –       Applied Mainline Economics: Bridging the Gap Between Theory and Public Policy – Peter Boettke
  • –       Not What They Had in Mind: A History of Policies That Produced the Financial Crisis Of 2008
  • –       The House That Uncle Sam Built : The Untold Story of the Great Recession of 2008
  • https://bit.ly/2O14eFA
  • https://bit.ly/2wxZbFA
  • https://bit.ly/2M7LGla
  • –       Ce qu’on voit et ce qu’on ne voit pas – Frédéric Bastiat
  • –       Economic depressions: Their cause and cure – Murray Rothbard
  • –       The Case against the FED – Murray Rothbard
  • –       The Pathology of Privilege: The Economic Consequences of Government Favoritism  –  Matthew Mitchell
  • https://bit.ly/2O2gWUB
  • https://bit.ly/1SlUa4G
  • https://bit.ly/2QfNBr5
  • https://bit.ly/2oOKppI
  • https://bit.ly/1YdreAj
  • https://bit.ly/2d7TGEe
  • https://bit.ly/1Tt1sn9

ما رأيك في هذا المحتوى؟

Avatar

كتب بواسطة محمد مطيع

طالب جامعي متخصص في الاقتصاد، مهتم بالفلسفة، السياسة و الأدب الروسي. أكتب مقالات اقتصادية و سياسية بهدف إغناء المحتوى العربي و الشمال إفريقي بمواضيع و أفكار الحرية، الرأسمالية و الفردانية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

10 أعمال فنيّة مشهورة لـ: ليوناردو دا فينشي

مراجعة كتاب “الديمقراطية: الإله الذي فشل” لهانز هيرمان هوبه (الجزء الخامس)