شغف المعرفة

ميلتون فريدمان على صفحات بلاي بوي

خلال شهر فبراير من عام 1973 تقدم الاقتصادي المعروف ميلتون فريدمان الذي بلغت شهرته الآفاق بحوار اقتصادي وفكري مطول لمجلة بلاي بوي. لقد كانت تلك سابقة في تاريخ الفكر الاقتصادي، وإن لم تكن سابقة في تاريخ الفكر بصفة عامة، على الأقل في صف من ينتمون إلى التيار الليبرتاري الذي ينتمي إليه فريدمان، إذ تقدمت الروائية والفيلسوفة الليبرتارية الجذرية الأميريكية من أصل سوفييتي آين راند بدورها بحوار لتلك المجلة عام 1964.

لا تعتبر مجلة بلاي بوي مجلة أكاديمية، ولا حتى مجلة ثقافية وسيطة بين النخبة المثقفة في الجامعات والمختبرات والقراء العاديين، بل هي في الأصل مجلة “صفراء” بمعايير عصرها، وحتى بالنسبة للطبقة المحافظة من المجتمعات الغربية ربما إلى حدود اليوم، فهي مجلة أقرب لهوى اليسار والنسوية البوفوارية منه لمزاج اليمين الليبرالي المحافظ في ذلك الوقت.

تخصصت بلاي بوي في نشر أخبار الموضة وفن العيش وصورا إيروتيكية. إن نشر صور نساء عاريات بالألوان إنما بدأ مع مجلة بلا بوي، ومنها صور الممثلة الأمركية المشهورة مارلين مونرو صديقة الرئيس الأمريكي المغتال جون إف. كندي، وعدد من الوجوه الغنائية والسينمائية وفي مجال الموضة التي برزت في حقبة ما بعد الماكارثية المعادية للشيوعية واشتداد عود الموجات الثقافية الجديدة التي حملتها معها رياح ثورات الستينات الشبابية التحررية من القرن العشرين ذات الهوى اليساري.

لم يفوت فريدمان الفرصة، ووضع اسمه على لسان أكثر وسائل الاعلام شهرة وأوصل أفكاره إلى أكثر الأوساط معاداة له (ليست بلاي بوي معادية لتياره على أية حال)، فالعدد الذي نشر فيه حوار فريدمان تتصدر غلافه صورة امرأة عارية تماما، وهذا لم يكن مألوفا أبدا في الأوساط الأكاديمية في ذلك الوقت وربما حتى اليوم. لكن فريدمان لم يكن يهتم إلا بمن سيقرأ تصوراته عن معارضته لتضخم النفقات الحكومية ومراقبة الأسعار وفرض حد أدنى للأجور والتسامح مع مستويات عالية من التضخم وغيرها من المواضيع التي تشغل باله وتشكل موضوع جدل كبير بينه وبين اقتصاديين كينزيين وعلى رأسهم جون كينيث غالبريت الذي يعد أشهرهم على الإطلاق.

قبل سنة من تقديمه لهذا الحوار نشر فريدمان كتابه ذائع الصيت “الرأسمالية والحرية” (1962)، ومن قرأ هذا الكتاب سيعرف أنه موجه للجمهور العام وليس للمتخصصين، مما يعني أن فريدمان كان يريد فعلا لأفكاره أن تصل لكل الشرائح، وقرر بنفسه النزول للجمهور العام والانخراط في النقاشات العامة وتسويق أفكاره عبر كل المنابر المتاحة.

يتميز فريدمان بعمقه الفكري مع حفاظه على التبسيط متى استدعت الضرورة ذلك. فهو بالاضافة إلى فريدريك هايك معا من تحملا مسؤلية إعادة إحياء مذهب اقتصاد السوق الحر (الليبرالية الاقتصادية) في الغرب كله، إذ وقفا ضد الكينزية وضد الاشتراكية والشيوعية وقوفا قويا، إن شعبوية اليسار والدولاتيين (أنصار الدولة المتضخمة) لا يمكن مواجهتها من خلال المجلات الأكاديمية ومدرجات الجامعات فقط، بل أمام الجمهور العام، ولا بد لهذا من شجاعة فكرية وتبسيط متى كان ذلك ضروريا.

بعد حوار فريدمان مع مجلة بلاي بوي بثلاث سنوات توجته الأكاديمية السويدية بجائزة نوبل في الاقتصاد عام 1976، وهو ما يعني أن فريدمان كان قد أصبح بالفعل في ذلك الوقت اسما لامعا في الأوساط الأكاديمية، إذ أن هذه الجائزة من المؤكد أنها لا تقدم إلا لمن قدم أبحاثا علمية محترمة في مجال تخصصه. وهذا أمر معروف بالنسبة للاقتصاديين على الأقل، ففريدمان اسم اقتصادي كبير خصوصا في مجال الاقتصاد النقدي، إذ يعد مؤسس التيار النقدي ورائده.

إن فريدمان في الواقع ليس استثناء في العالم الغربي الذي ينتمي إليه، فهذه تقاليد ترسخت هناك حول أهمية نزول الفيلسوف والأكاديمي والمفكر والمثقف من برجه العاجي والخروج من مدرجه الجامعي ليساهم في النقاش العام ويؤطر جدالات المجتمع ويساهم في تصحيح الأفكار وتقديم مقترحات جديدة لتحسين مجرى هذا النهر العظيم الذي يمثل تاريخ البشرية بتعبير الفيلسوف كارل بوبر. ففي الغرب يعتبر إغناء النقاش العام وإثراء المجتمع غاية كل عمل فكري وعلمي، وتأهيل تفكير الجمهور العام من مهام المثقف السامية.

لا تحتاج قصة ميلتون فريدمان مع مجلة بلاي بوي لأي إسقاط ما على واقعنا المغربي، فيما عدا بعض الاستثناءات القليلة التي لا تلغي قاعدة عامة.

تعليقات
جاري التحميل...