شغف المعرفة

الفلسفة الموضوعية: آين راند

تُعتبر آين راند من أهم مفكري و فلاسفة القرن العشرين وتُعتبر فكريًا من أشد أعداء الفكر الشمولي من يساريين، وشيوعيين، ونازيين. سأحاول في هذا المقال شرح فلسفتها بطريقةٍ مبسطةٍ ورؤيتها للميتافيزيقيا، والأخلاق، ونظرية المعرفة، ومفهوم الحب، والسياسة، والاقتصاد…

آين راند هي فيلسوفةٌ، وروائيةٌ، وكاتبة مسرحياتٍ وسيناريو روسيةٌ أمريكيةٌ وُلِدت سنة 1905 في روسيا و ماتت سنة 1982. كانت تعيش في روسيا تحت حكم دكتاتورية الاتحاد السوفيتي وهربت بعدها لأمريكا لأنها وجدت مسعاها هناك باعتبارها أرض الحرية، والفكر، والتقدم، كانت راند متأثرةً بالاقتصاد والفلسفة السياسية والسينما الأمريكية، أما من الناحية الفلسفية فكان للفيلسوف أرسطو أكثر تأثيرٍ على فلسفتها.

Atlas Shrugged
Atlas Shrugged

قامت بكتب العديد من الكتب والروايات الرائعة حول فلسفتها ورؤيتها للحياة من خلال شخصيات الرواية نفسهم، منها (We the Living , The Fountainhead ,The Virtue of Selfishness: A New Concept of Egoism ) و أهمها Atlas Shrugged

الآن بعد نبذةٍ بسيطةٍ عن حياتها وأعمالها سأقوم بالتطرق لأهم النقاط في فلسفتها التي تُسمّى بالفلسفة الموضوعية.

Randism / Objectivism : الموضوعية

المبدأ الأساسي للموضوعية يُلخَّص في أن:

“الواقع معطىً موضوعيٌّ، الكون هو كما هو وليس كما نريده أن يكون، وتمني خلاف ذلك لن يجعله كما نريد”.

الفلسفة الموضوعية هي فلسفةٌ مبنيةٌ على الواقع الموضوعي مبنيةٌ أولًا على أن الكون موجودٌ بموضوعيةٍ مطلقةٍ وأن عقل الإنسان (المنطق) هو وسيلته الوحيدة لإدراك هذا الكون ويجب على الشخص امتلاك أخلاقٍ عقلانيةٍ.

في نظرها أن الأخلاق يجب ألّا تكون مبنية على العواطف والإيمان والآمال بل على العقلانية وإمكان إثبات صحتها و ضروريتها بواسطة المنطق.

الأخلاق في الفلسفة الموضوعية مبنيةٌ على أن حياة الإنسان كمعيار القيم وبما أن عقل الإنسان أداته الأساسية للنجاة. إذاً إذا أراد الإنسان أن يعيش على وجه الأرض، ويعيش كإنسان عليه التمسك بالعقلانية كقيمةٍ مطلقة، وهذا يعني بأنه المرشد الوحيد لتصرفاته وأعماله وعليه أن يعيش باستقلالية أحكامه التي يفرضها عليه عقله، وأعلى قيمة أخلاقية هي تحقيق سعادته الشخصية كما عليه ألا يكره الآخرين، وألا يقبل حقهم في إكراهه، وأن يعيش كلّ إنسان كفاية لتحقيق ذاته، وأن يتبع بعقلانية مصلحته الذاتية.

و تلخص فلسفتها الأخلاقية في المقولة التالية:

“أعظم الأهداف الأخلاقية هو السعي لتحقيق سعادتك الذاتية. وإن الأنانية تُفسر بصورةٍ مغلوطةٍ، إنها لا تعني استغلال الآخرين لمصلحتك الذاتية بل إنها تعني أن تدرك قدراتك القصوى وذلك من خلال طرقٍ عقلانيةٍ وأن تعيش بتناغمٍ واحترامٍ مع الآخرين.”

المبدأ الأخلاقي الغيري الذي ينص على أن واجب الإنسان الأخلاقي أن يعيش للغير والتضحية بنفسه من أجل الغير، تعتبره آين راند مبدأً ضعيفًا، فاشلًا يؤدي إلى فشل الفرد ويُعتبر أساس الأخلاق الدينية والاشتراكية.

تعتبر أن حب الغير هو حبٌّ غير أخلاقي إذا تم تقديمه على الذات. أكثر من هذا ترى إن هذا الحب شيءٌ مستحيلٌ لأنه عندما يُطلب منك أن تحب الجميع دون تمييز أو أن تحب الناس دون أيّ معيارٍ يعني أن تحبهم بغض النظر عما إذا كانت عندهم أيّة قيمة أو فضيلة فإنه في الحقيقة يُطلب منك ألا تحب أحدًا.

بالنسبة لها يجب على الإنسان أولًا السعي لتحقيق سعادته وعدم مطالبة الآخرين بالتخلي عن حياتهم لجعله سعيدًا.

تقول:

“أنت لا تحب بدون سببٍ، ولا تحب الجميع دون تمييزٍ أنت تحب فقط أولئك الذين يستحقون ذلك”.

باحترام حقهم في العيش وتحقيق سعادتهم، في الجانب الميتافيزيقي تعتبر آين راند أن الواقع موجودٌ لأنه موضوعٌ مطلقٌ والحقائق معزولةٌ تمامًا عن رغبات الإنسان مشاعره وآماله، أما حول نظرية المعرفة فتعتبر العقل هو الملكة التي تتعرف على الوقائع وتنظمها والمصدر الوحيد للمعرفة والأخلاق تقوم بتبني الجانب النفعي و تحقيق أقصى درجات السعادة.

في السياسة والاقتصاد تُعتبر آين راند من أكثر المنادين بالرأسمالية واقتصاد السوق وتعتبر نفسها ضد دولة الرفاه والرعاية الاجتماعية التي تقدمها الدولة للمواطنين من خلال الضرائب لأنها سياسة تؤدي للخراب بشكلٍ تامٍ بما أنها مبنيةٌ على الأخلاق الغيرية التي تتسبب في تدهور الدول (الأخلاق الجماعاتية والاشتراكية) وتعتبر أيّ نظامٍ مبنيٍّ على هذه الأخلاق مصيره الفشل ونظام الجميع فيه مستعبدًا من قبل الجميع.

عن الديمقراطية وطريقة عملها ترى آين راند أنها ضد الحقوق الفردية بسبب مبدأ إعطاء الأغلبية الحق في التصويت على حياة الفرد، وحريته، وملكيته. فحتى لو صوّت الأغلبية لقضيةٍ ما فهذا لا يجعل منها قضية عادلة لأن “أصغر أقلية على الأرض هي الفرد”.

ترى أن للشعب الحرية في التصويت السياسي على المنتخبين ولكن يجب أن تكون سلطة هؤلاء المنتخبين محدودةً. و أن لا يكون لديهم الحق في استخدام العنف أو القهر ضد أيّ مواطنٍ إلا إذا كان مجرمًا أو استخدم العنف.

فليس من حق الحكومة أن تقوم بتجريد الناس من حرياتهم و ممتلكاتهم (من ضرائب مرتفعة، فرض رعاية صحية،…) فهذا الفعل يُعتبر سرقةً لأن الدولة هنا تقوم بسرقة أموال أشخاص من أجل تبذيرهم على أشخاصٍ آخرين بطريقةٍ غير قويمةٍ وهذا فعلٌ غير شرعيٍّ تقوم به الحكومة.

تنادي راند دائمًا بفكرة فصل الاقتصاد عن السياسة مثلما تم فصل الدين عن السياسة.

وتؤكد هذا الكلام في هذا المقطع من كتابها بحيث تقول أن:

“النظام السياسي والاقتصادي المثالي هو الرأسمالية وهو نظام يتعامل فيه الرجال مع بعضهم البعض ليس كضحايا أو جلادين، لا كأسيادٍ أو عبيدٍ، وإنما كتجارٍ، من خلال التبادل الطوعي الحر والمنفعة المتبادلة. هو نظامٌ لا يجوز فيه لأيّ إنسانٍ الحصول على أيّة قيمٍ من الآخرين عن طريق اللجوء إلى القوة البدنية ولا يجوز لأيّ إنسانٍ أن يشرع في استخدام القوة البدنية ضد الآخرين، إذ لا تعمل الحكومة إلا كشرطيٍّ يحمي حقوق الإنسان (الحقوق الطبيعية)، تُستخدم القوة البدنية فقط في الثأر أو ضد أولئك الذين يبدؤون استخدام العنف، مثل المجرمين أو الغزاة الأجانب. في نظامٍ للرأسمالية الكاملة، ينبغي أن يوجد هناك فصلٌ كاملٌ للدولة والاقتصاد، بنفس الطريقة ولنفس أسباب فصل الدولة والكنيسة”.

وترى أنه إذا تم فصل الحكومة عن الاقتصاد وإذا لم تقم الحكومة بفرض قوانين على الإنتاج والتجارة ستكون لديك شركاتٌ مسالمةٌ وتناغمٌ وعدالةٌ بين البشر عن طريق تعاملاتٍ حرةٍ واختياريةٍ.

تقوم أيضًا بانتقاد ظاهرةٍ شائكةٍ في الاقتصاد تُسمّى رأسمالية المحاسيب وهي قضيةٌ تحكم رجال الأعمال والشركات في الحكومات والضغط من أجل تمرير مصالحهم الشخصية وترى أنه يجب التعامل مع هذه الظاهرة بالقوة لأنهم يقومون باستخدام قوة الدولة كجماعةٍ من أجل مساعدتهم في إقصاء منافسيهم في جوٍّ خالٍ من المنافسة العادلة والاقتصاد الحر وتعتبرهم الجماعتيون الحقيقيون.

عن موضوع الاحتكار في اقتصاد السوق تؤكد لنا آين راند أن هذا الأمر لا يمكن حدوثه أبدًا في نظام اقتصاد السوق الحر، لأن سبب الاحتكار الأساسي هو التدخلات والمساعدات الحكومية، وإنه في تاريخ الاقتصاد لا وجود لأيّ احتكارٍ بدون تدخل الحكومة، أما في التنافس الحر لا يستطيع أحد أن يسيطر على السوق بواسطة منتجٍ نادرٍ.

تدعو آين راند دائمًا لخصخصة جميع القطاعات وتقول بأنه لا يجب على الحكومة بناء مدارس، مستشفيات، طرق عن طريق الإكراه (الضرائب) لأن هذه الثروة المنتجة ليست من صالح الحكومة بل هي ثروة شخصٍ عمل من أجلها ويجب عليه أن يتمكن من استغلالها بكلّ حريةٍ ودون إكراهٍ من الحكومة لأن هذه الثروة تُعتبر ملكيته وليس لدى الدولة الشرعية لأخذها عن طريق الضرائب، لأن الضرائب سرقة.

اقرأ أيضا:

تعليقات
جاري التحميل...