شغف المعرفة

كيف ساهم التطور التكنولوجي في تحسين معيشة المرأة؟

ما الذي صنع هذا التقدم التكنولوجيا الذي ساهم في تحسين مستوى المعيشة؟

لنأخذ الطب كمثال، فقد كانت معدلات الوفيات التاريخية أثناء الولادة من 1,000 إلى 2,000 لكل 100 ألف ولادة حية، أما اليوم فقد أصبح هذا في نطاق بين 10 و 20. أعتقد أن خفض ترتيبين من الحجم أمرٌ جيد، لكن هذا ليس كل شيء، في ذلك الوقت كانت المرأة تقضي حياتها كاملة حول الحمل أو الرضاعة.

كانت معدلات وفيات الأطفال بحاجة إلى 10 حالات حمل لضمان وجود أحفاد، الآن نفس الاحتمال المتمثل في استمرار وجود الأسرة بمعدل خصوبة لا يزيد عن اثنين فقط، وهذا يعني هذا أن خطر إصابة المرأة انخفض بمقدار 500 ضعف.

يُعتبر هذا جيدًا جدًا، خاصة في تلك العقود الأخيرة التي أنتجت وسائل فعالة للنساء للسيطرة على الخصوبة، وتُعتبر هذه السيطرة على الأقل جزءًا من الطريق إلى الحرية الاقتصادية.

قد ننظر أيضًا إلى ثاني أكبر تغيير في عالم العمل خلال القرن الماضي وهو الإلغاء القريب للأعمال المنزلية. وقد أدى التقدم التكنولوجي على الأقل إلى الحد بشكلٍ كبيرٍ من العمالة غير مدفوعة الأجر اللازمة لإبقاء الأسرة المعيشية على الطريق، كما يظهر كيف تحررت المرأة من الغسيل والأعمال المنزلية الشاقة مع التطور التكنولوجي، وقد أبدى مراقبون مختلفون مثل هانز روزلين وهون جون تشانغ نفس النقطة التي جعلت التكنولوجيا المحلية تحرر النساء بشكل خاص.

حررت غسالة الملابس النساء من روتين الغسيل أو على الأقل من التوقف عن قضاء يومٍ كامل أو أكثر في الأسبوع للقيام بهذه المهمة. ونتيجةً لذلك، فإن الأميركيين الآن يفقدون أقل من ساعتين في الأسبوع لهذه المهمة، واليوم أصبحت نسبة أكبر من الأسر الأمريكية الفقيرة تمتلك غسالات أكثر من العائلات الأمريكية العادية في السبعينيات. في حين أن الغسالات بعيدةٌ كل البعد عن كونها السبب الوحيد في تضاعف خيارات النساء في الغرب إلا أنها ساعدت بالتأكيد، وتوضح كيف ساهم التقدم التكنولوجي -الذي كان نتيجة للرأسمالية-  ساهم في تسهيل حياة البشر.

التغيير مستمر. وبفضل النمو الاقتصادي والانخفاض السريع للفقر العالمي فإن المزيد من النساء يمتلكن غسالات أو لديهن القدرة على الوصول إلى الغسالات أكثر من أيّ وقتٍ مضى. ومع ذلك قدرت دراسة في عام 2013 أن 46.9% من الأسر في العالم تملك غسالة واحدة في عام 2010. وهذا يعني أنه لدى سوق الغسالات مساحة كبيرة للنمو، وأن هناك قدرًا هائلًا من الإمكانات البشرية الكامنة لا يزال موجودًا، ولكن لا يمكن إطلاق العنان له.

لنأخذ الصين كمثال، وهي موطن أكبر نسبة انخفاض في الفقر عبر كل العصور. عندما حُرِّر الاقتصاد خرج مئات الملايين من الفقر. نما الاقتصاد 31 ضعفًا بين عامي 1978 (عندما تخلت البلاد عن السياسات الاقتصادية الشيوعية) و2016.

في عام 1981، كان أقل من 10% من الأسر الصينية الحضرية لديها غسالة (كما يُقارب عدد المجموعات لكل مئة أسرة). لكن بحلول عام 2011، بلغت النسبة 97.05%. ففي عام 1985، أقل من 5% من الأسر الريفية في الصين امتلكت غسالة، ويرجع ذلك جزئيًا إلى النفقات، ولكن أيضًا بسبب افتقارها إلى الطاقة الكهربائية. بحلول عام 2011، كان 62.57% من العائلات تملك آلة. وبالتالي فإن امتلاك غسالة يُعد مؤشرًا مفيدًا ليس فقط للتقدم الهائل الذي حققته الصين بل أيضًا في تضييق الفجوة بين المناطق الريفية والحضرية.

من المهم أن نلاحظ ما هو أصل هذا التقدم. لم تكن المنافسة والربح هما الحافز الوحيد لاختراع الغسالة بل كان الدافع الرأسمالي هو ضمان التسويق المستمر للعملاء الجدد في البلدان النامية.

الابتكار راكد في ظل النظم الاشتراكية، ولكن الرأسمالية خلقت المزيد من الابتكارات أكثر من أي نظام اقتصادي آخر وقامت بأكثر تحسين لمستويات المعيشة في التاريخ.

وتبقى أفريقيا القارة التي تتمتع بأسوأ سجل في مجال الحرية الاقتصادية فضلًا عن كونها أفقر قارة تتمتع بأقل قدر من الوصول إلى تقنيات توفير الوقت، ولكن حتى في إفريقيا فإن الحلقة المفرغة تتكسر والرأسمالية تساعد ببطء في التخفيف من حدة الفقر. قد تكون ملكية آلة الغسيل منخفضة لكن معظم الأفارقة متفائلون بمستقبلهم وإمكانياتهم الاقتصادية.

وهكذا اليوم، لا تزال الغسالات تقوم بالعمل الذي كانت تقوم به منذ 80 عامًا، وهو ليس مجرد تنظيف الملابس. هذه الصناديق هي تقنيات لتحويل الحياة تسمح للنساء بالتصرف في وقتهن وعمالتهن لاستخدامٍ أكثر بناءً. ومع انتشار الملكية الخاصة في جميع أنحاء العالم يمكننا أيضًا متابعة تقدم الحرية الاقتصادي.

لكن كان التغيير الأبرز هو القضاء على قوة العضلات في سوق العمل المدفوع الأجر. قبل أن تبدأ الرأسمالية بأتمتة المهام كان ما وُظِّف حقيقةً هو الجهد البشري. وهذا ما جعل سوق العمل غير مناسبٍ للنساء.

وبمجرد أن تقوم الماكينات بعمليات الرفع والتفريغ، تصبح هذه الاختلافات الفطرية أقل أهمية من أي وقت مضى، وهذا ما سمح -أكثر من أي شيء آخر- بدخول النساء إلى العمل المأجور، بالطبع فقد أدى هذا الأمر للحرية الاقتصادية والحرية الاجتماعية.

يقود مزيجٌ من الرأسمالية والأسواق الحرة هذا الأمر، وبالنظر إلى أنه من الواضح أن هذا يعمل بشكل جيد وأنه من أكثر النظم الاجتماعية والاقتصادية تحسين لوضعية المرأة فإن الاستنتاج المنطقي هو أن المزيد من ذلك سيحل مشكلة اللامساواة في مجملها.

بغض النظر عن المواقف القائمة على الرضا فإن مهنيي التنمية غير فعالين إلى حدٍّ كبيرٍ في التخفيف من حدة الفقر، على سبيل المثال لا تؤدي البرامج التي تقدم الطعام للنساء الفقيرات أيّ مكاسب اقتصادية طويلة الأجل.

وكما نعلم فإن الفقر يجعل النساء ضعيفات بشكلٍ خاص. وبالفعل فإن مراجعة أدبيات التنمية المنشورة في مجلة الأدب الاقتصادي تشير إلى أن “عدم المساواة بين الجنسين ينخفض ​​مع انخفاض مستوى الفقر وبالتالي فإن حالة المرأة تتحسن أكثر من حالة الرجال“. وبعبارةٍ أخرى يرتبط التمكين الاجتماعي للمرأة ارتباطًا وثيقًا بالتمكين الاقتصادي وتستفيد المرأة أكثر من هذا التقدم والرخاء.

السماح للنساء بتحقيق قدرٍ أكبر من النفوذ الاقتصادي يمكّنهن من الضغط من أجل التغيير الاجتماعي الذي يتدفق منه التغيير السياسي والقانوني.

ذكر ميلتون فريدمان أن:

“الحرية الاقتصادية هي… وسيلةٌ لا غنىً عنها لتحقيق الحرية السياسية”.

في بعض الدول لا يُسمح للنساء حتى بالحصول على العمل المأجور بدون إذن الزوج.

تظهر العديد من البيانات أنه فقط خلال العقدين الأخيرين انخفض الفقر المدقع إلى النصف مع إحراز تقدم مشجع بشكل خاص في آسيا.

تتحسن المساواة بين الجنسين بموجب القانون كلما أصبحت الدول أكثر حريةً من الناحية الاقتصادية.

لم يكن هذا التقدم الاقتصادي مدفوعًا بالمعونة، ولكن من خلال المشاريع الخاصة والحرية الاقتصادية. تفوق النمو الاقتصادي في الصين والهند بشكلٍ كبير على أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى على الرغم من المساعدات الهائلة التي تتجه لإفريقيا.

تزامن هذا النمو الاقتصادي مع سياسات التحرر الاقتصادي، الناس في البلدان الفقيرة ليسوا ضحايا سلبيين ينتظرون الإنقاذ، بل إنهم يمتلكون القوة ويُخرجون أنفسهم من الفقر أينما كانوا يتمتعون بحرية القيام بذلك.

ينطبق هذا بشكل خاص على النساء، فلننظر في بنغلاديش التي شهدت انخفاضًا حادًا في الفقر والتغيير الإيجابي في حياة المرأة، وكما لاحظت نائلة كبير، الخبيرة الاقتصادية الاجتماعية في كلية لندن للاقتصاد:

“لقد استغرق الأمر قوى السوق وصناعة ملابس موجهة نحو التصدير لتحقيق ما فشل فيه عقدٌ من الجهود الحكومية وغير الحكومية من أجل إنشاء نساء عاملات”.

أدى التصنيع إلى زيادة التحصيل العلمي للمرأة وانخفاض معدلات زواج الأطفال، ووفقًا لكبير فقد أدى ذلك أيضًا إلى تخفيف المعيار الاجتماعي المتمثل في الخمار والبرقع وتحسنت استجابات نظام المحاكم للنساء. قال إحدى عاملات المصنع لكبير: “كانت الملابس جيدة جدًا للنساء”. مكّنتها أرباحها من الهروب من زوجها الذي يسيء معاملتها جسديًا، واستطردت قائلة: “أشعر الآن أن لديّ حقوقًا تمكّنني من البقاء على قيد الحياة” إن الهروب من الفقر وتحقيق الحقوق المتساوية في كثير من الأحيان يسيران جنبًا إلى جنب.

ويختتم زكريا حديثه قائلًا: “يحتاج مفهوم تمكين المرأة إلى إنقاذ فوري وعاجل من قبضة المنقذين المحتملين في صناعة التطوير”. يمكننا أن نتفق على هذا القدر.

أيضًا يمكننا أن نتفق على أن الحريات السياسية حيوية لكن يجب ألا نتجاهل أهمية الحرية الاقتصادية. إن النساء اللواتي يعانين في البلدان النامية قادرات تمامًا على إنقاذ أنفسهن إذا أُعطين هذه الحرية فقط.

هل الرأسمالية تساعد أم تؤذي المرأة؟

 

Capitalism, For and Against: A Feminist Debate
Capitalism, For and Against: A Feminist Debate

هذا سؤال دائم والنقاش حوله متعدد وللإجابة على هذا السؤال نُشر كتاب رائع باسم الرأسمالية مع وضد، مناظرة نسوية.

الكتاب حول نقاش بين أساتذة الفلسفة، فكل من آن كود من جامعة بوسطن ونانسي هولمستروم من جامعة روتجرز يريدان مزيدًا من الحرية ومستويات معيشة مادية أعلى للنساء، لكنهم يختلفون حول كيفية تحقيق هذا الهدف.

آن تعتقد أن الرأسمالية هي الحل ونانسي ترى الاشتراكية هي الحل لهذا. تُختزل اختلافاتهما إلى نقطتين: كيف أثرت الرأسمالية على النساء حتى الآن وجدية النظم البديلة لتحسين معيشة المرأة.

قد لا تتفق الأستاذتان فيما بينهما ولكن البيانات والتاريخ يعطيان الرأسمالية الأفضلية على الاشتراكية في تحسين معيشة المرأة واستقلالها.

عندما يتعلق الأمر بمستويات المعيشة المادية لدينا صفحات من الأدلة لإثبات أن الرأسمالية أحدثت تحسنًا هائلًا في حياة البشر عن طريق الحد من الفقر وتحفيز الابتكار. على سبيل المثال في قطاع الرعاية الصحية. أصبح الموت في مرحلة الطفولة أكثر ندرةً مما كان عليه في الماضي، وأحجام الأسرة أصبحت أصغر بسبب تمكن الأطفال من الحياة حتى البلوغ، وتضاعفت خيارات النساء نتيجةً لذلك.

كما تظهر البيانات فإن أعمال المصانع قامت بالفعل بمساعدة النساء للخروج من الفقر ومن الأدوار الصارمة للجنسين في المناطق الريفية.

يفترض الطرح الاشتراكي للأستاذة هولمستروم في الكتاب بأن الفقراء في العالم يفضلون العمل الشاق في الحقول والأرياف عوضًا العمل الحضري، لكن الهجرة العالمية المستمرة من الأرياف إلى المدينة تظهر أدلةً تعكس هذا الافتراض.

الرأسمالية لم تحرر المرأة من الحقول فحسب بل ساعدت المجتمع على رؤية النساء كأفراد، فهي لا تشجع فقط التقدم المادي ولكن أيضًا الابتكار الاجتماعي الذي ساعد في كسر تلك الآراء القديمة مثل التحيز ضد المرأة.

“تستمد الرأسمالية تبريرها الأساسي من تعظيم الحرية الفردية وتصدر المجتمعات الرأسمالية أيديولوجية الفردية التي تساعد على كسر الأعراف والممارسات التمييزية”.

والحقيقة أن النظرة الرأسمالية للعالم تدمر التمييز الجنسي والأشكال الأخرى من التمييز الجماعي، ما عليك إلا أن تنظر إلى كيفية تآكل النظام الطبقي الهندي في السنوات الأخيرة عند تبنيها للرأسمالية.

تقلل الرأسمالية من الاضطهاد الذي نشأ من المجتمعات التقليدية التي تفرض التسلسل الهرمي للجنس والطبقة الاجتماعية لأن جزءًا لا يتجزأ من التبادل في السوق نفسه هو فكرة أن كل فرد يجب أن يكون حرًا في السعي وراء مصلحته الذاتية، كما أن المشاركة في السوق تزيد من قدرة المرأة على المساومة داخل المجتمع وتمكينها من ممارسة الضغط من أجل المساواة القانونية وزيادة الحرية.

زادت الرأسمالية من الحرية من خلال الحد من الفقر وتشجيع التسامح الاجتماعي.

  • إعداد: محمد مطيع.
  • تدقيق لغوي: رأفت فياض.

المصادر:

تعليقات
جاري التحميل...