شغف المعرفة

مراجعة كتاب “الديمقراطية: الإله الذي فشل” لهانز هيرمان هوبه (الجزء الثالث)

5- التدهور الديمقراطي

اختصارًا للأجزاء السابقة، في الملكية، تتم خصخصة الحكومة، وتكون مصلحة الملك بصفته مالكًا على المدى الطويل، وتكون الضرائب معتدلة والحرب محدودة. ولكن عندما تكون الحكومة خاضعة للملكية العامة، الديمقراطية والجمهورية، تكون الآثار معادية للحضارة مرتبطة بتفضيل ما هو فوري: بذلك يضيع رأس المال، وينتصر النظر إلى المدى القصير، وتصبح الحياة الاجتماعية الصورة “طفولية”، و يشهد العنف تزايدًا.

ووفقًا لهوب:

“مباشرةً بعد الثورة الفرنسية والحروب النابليونية، فهم الجميع الطبيعة العنيفة للنظام الجمهوري: الحرب الخارجية والإرهاب الداخلي والوحشية ضد الكنيسة، والمساواة بل وحتى الاشتراكية الاقتصادية. أُسِّس كل هذا بشكل دائم في فرنسا. من 1815 إلى 1914، انتشرت الروح الديمقراطية، ولكن كانت كل أوروبا، باستثناء فرنسا وسويسرا، مَلَكيَّةً. وبذلك سرعان ما تحولت حرب 1914-1918 إلى حرب إيديولوجية. حدد الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون مهمة توسيع الديمقراطية والقضاء على السلالات. في عام 1918، تم القضاء على سلالات رومانوف وهابسبورغ وهوهنزولرن. في الملكيات التي بقيت، لا يملك الملوك صلاحيات كبرى، إذ أن الحاكمين الفعليين هم البرلمانيون والموظفون الحكوميون الكبار. بدأ عصر الهيمنة الأمريكية وإيديولوجيتها الجمهورية والديموقراطية”.

من وجهة نظر النظرية الاقتصادية، نهاية الحرب العالمية الأولى هي فترة استبدال الحكومة من الملكية الخاصة إلى الملكية العامة التي ينتج عنها الميل إلى زيادة نسبة تفضيل ما هو فوري ونمو حجم الدولة، إضافةً لبداية عملية تدهور أخلاقي. يتناسب تعريف القرن العشرين مع صعود نجم الدولاتية، وتدهور الأخلاق، وارتفاع معدل العنف. منذ عام 1918، ارتفعت جميع مؤشرات تفضيل ما هو فوري.

من وجهة نظر ونوع الحكومة، ظهر الجانب المتطرف من الإيديولوجية الديمقراطية الجمهورية متمثلًا في الشيوعية (استعباد عمومي + قتل ممنهج في وقت السلم)، والفاشية، والاشتراكية الوطنية، وشكل آخر أكثر استدامةً هو نظام الديمقراطية الاجتماعية (اليسار). الأنظمة الثلاثة الأولى أنظمةٌ مستبدةٌ بشكلٍ مباشر (سلطات تعسفية باسم الشعب وتطلب الدعم الشعبي) تتخذ الشيوعية كنموذج، وما الفاشية إلا نظام مشتق.

أصبحت الخدمة العسكرية الشاملة واسعة الانتشار، وتضاعفت الحروب الخارجية والأهلية وأصبحت أكثر قسوةً، وازدادت المركزية السياسية. أدت الديمقراطية الجمهورية إلى الزيادة المفرطة في الضرائب والديون العامة وعدد موظفي الخدمة المدنية. دُمٍّر معيار الذهب، وارتفع التضخم واستُبعِد القانون الخاص من خلال التشريعات والتنظيم المستشري.

أما اجتماعيًا فقد عرفت مؤسسات الزواج والأسرة ضعفًا، حيث انخفض عدد الأطفال، كما ارتفعت معدلات الطلاق، والأطفال غير الشرعيين، وازدادت حالات الإجهاض، وانخفض معدل الادخار على الرغم من ارتفاع الدخل. وبالمقارنة مع القرن التاسع عشر، فإن المستوى الفكري للنخبة السياسية قد انهار بشكلٍ كبير، وكذلك جودة التعليم العام. ازدادت معدلات الانحراف والبطالة والتطفل والإهمال والوحشية والفظاظة والأمرض العقلية والهيدونية غير المنتظمة.

في بعض البلدان التي اتخذت الديمقراطية لهجةً معاديةً للدين، تضاعف كل هذا خصوصًا أن الدين، بما في ذلك المسيحية، يكبح تفضيل ما هو فوري، الصفة النفسية لغير المتحضرين.
بالنسبة لهوبه، فإن الأفكار هي التي تقود العالم، صحيحة كانت أم خاطئة. كان الملوك يحكمون فقط لأن الرأي العام اعتقد أن ذلك مشروع، و لم تكن القوة سوى أداة مساعدة. بنفس الطريقة تعتمد الحكومة الديمقراطية على تعاطف الرأي العام، مع القوة كأداة مساعدة. اليوم، يجب أن يتغير هذا الرأي العام إذا أردنا وقف عملية تراجع الحضارة المرتبطة بعيوب الديمقراطية. هوبه مقتنع بأن فكرة الحكم الديمقراطي بحد ذاتها ستُعتبر في يومٍ ما غير أخلاقية ولا يمكن تصورها سياسيًا. هذا الاعتبار ضروري من أجل منع الكارثة الاجتماعية القادمة، لأن مؤسسة الحكومة التي هي مصدر الحضارة. ولكن مؤسسة الملكية الخاصة، والدفاع عن حقوق الملكية والعقود والمسؤولية الفردية:

“أي حكومة على أساس الملكية الخاصة هي بالضرورة أكثر حضارية من حكومة أُمِّمَت ممتلكاتها. لذلك من الضروري أن نوضح للرأي العام تفوق النظام الملكي التي يستند إلى القوانين العلمية للاقتصاد”.

6- الدخول الحر إلى السوق السياسي ليس تقدمًا

في ظل نظامٍ ملكي، الملك هو من يقرر ما إذا كان بإمكانك المشاركة في السلطة. أما في نظام ديمقراطي، يمكن للجميع المشاركة من الناحية النظرية. كان الاعتقاد سائدًا أن ذلك تقدم وكان هذا الاعتقاد مخطئًا. في نظام ديمقراطي، القانون لا يساوي بين الجميع لأن القانون العام متفوق على القانون الخاص. لا توجد امتيازات مرتبطة بالشخص ولكن الامتيازات مرتبطة بالوظائف العامة.

“الامتياز والتمييز والحمائية لا تختفي. على العكس، بدلًا من أن يقتصر الأمر على الأمراء، يمكن أن يمارسها أي شخص. يستغل المدير القابل للتغيير احتكار السلطة برؤيته على المدى القصير وهو غير مكترث بالعبء الذي سيحدثه على ممتلكات الآخرين. سيكون للملك بصفته مالكًا بنفسه ضميرٌ أكبر. ولن تكون له أي مصلحةٍ في إفساد ممتلكات الآخرين عن طريق إعادة توزيعها. مع الملك، يظل القانون الخاص هو القانون الأعلى. في الديمقراطية، يسود القانون العام ويقوض القانون الخاص. بذلك فالدخول الحر إلى السوق السياسي، الذي لم يعد محجوزًا لأصحاب السلطة، يعني حرية الدخول لأشخاص غير مسؤولين”.

  • الكاتب: محمد فيزازي.
  • تدقيق لغوي: رأفت فياض.

اقرأ أيضا:

هذا المقال يُعبر عن رأي كاتبه، و قد لا يعبر بالضرورة عن وندرلاست

 

تعليقات
جاري التحميل...