شغف المعرفة

طغيان الخبراء والفقر المستدام

عمل وليام ايسترلي اقتصاديا ومستشارا في البنك الدولي، وفي سنة 2001 أصدر كتابه المعنون “بحث بعيد المنال عن النمو” وتم على إثر ذلك طرده من هذه المؤسسة المالية التي تدعم برامج التنمية في أغلب الدول الفقيرة. الكتاب الذي ترجم إلى اللغة الفرنسية تحت عنوان دال “هل أدينت الدول الفقيرة بالبقاء في الفقر؟” كان بمثابة الجرس الذي دقه إيسترلي، وكان رنينه مزعجا لخبراء هذه المؤسسة المالية وللحكومات الغربية التي تقف وراءهم ولسياساتهم في دعم الأنظمة الأوتوقراطية في العالم النامي، ولهذا كانت الاستجابة فورية بإخراج إيسترلي من دائرة البنك الدولي لأن نظرته لمسألة الفقر وتنمية الدول الفقيرة تختلف تماما عن نظرة هذه المؤسسة المالية ولتوجهات خبرائها ومصالحهم المتشابكة.

عاد ايسترلي إلى هذا الموضوع سنة 2006 وأصدر كتابه التالي “عبء الرجل الأبيض: لماذا أنتجت جهود الغرب لمساعدة بقية الدول كثيرا من المساوئ وقليلا من الأمور الجيدة“. هذا المشروع الآخر ألقى نظرة نقدية على برنامج المساعدات الذي تستفيد منها الدول الفقيرة ووجه نقدا للسياسات الدول العظمى التي قال أنها غارقة جدا في استعلائها ونظرتها الدونية إلى البلدان الفقيرة، وميزها بطابعها الامبريالي (الفصل الثامن: من الاستعمار إلى الامبريالية ما بعد الحديثة)، لقد وضع إيسترلي أصبعه على الجرح لما قال أن المنطق الاستعماري عاد إلى الغرب، وتسرب إلى سياسات الحكومات الغربية ومؤسساتها المالية وجيش الخبراء الذي يدير تلك السياسات في التعامل مع الدول الفقيرة.

يسمي إيسترلي هذا الفريق من الخبراء ب”المخططين” أولئك الذين يؤمنون بتنمية المجتمعات من أعلى، أولئك الذي ينظرون إلى الفقراء من فوق ويعتبرونهم مجرد أعداد وذرات في مجتمع يحتاج إلى سياسات تنموية فوقية وإلى خطط تقودهم إلى التنمية والرفاه. ويميزهم عمن يسميهم ب”الباحثين” الذين يؤمنون باستخراج الحلول من الأسفل، بالاعتماد على الاختيارات الحرة للأفراد، أولئك الذين يؤمنون أن مشاكل المجتمع تحل من الأسفل للأعلى، عن طريق حرية الأفراد في الاختيار، ومن خلال ممارسة حقوقهم كأفراد بإرادات حرة وبطريقة ديمقراطية داخل مجتمع حر وتعددي.

ووفاء لنفس الخط الفكري، أصدر إيسترلي أحدث كتبه العام الماضي، الكتاب الذي يحمل عنوان “طغيان الخبراء: الاقتصاديون والطغاة وحقوق الفقراء المنسية” ما يزال محور نقاشات في أوساط الاقتصاديين والباحثين. في هذا الكتاب الجديد يؤكد إيسترلي أن نظريات التنمية التي تؤمن ب”التخطيط من أعلى” سمحت للمانحين والخبراء بالتعامل مع ديكتاتوريات العالم النامي وتجاهلت الحقوق الفردية للفقراء، إنها نظريات تولي أهمية لقراءة المؤشرات العامة وتتجاهل وضعية الحقوق والحريات.

يبدأ ايسترلي حكاية كتابه المملوءة بالأحداث والأسماء المشهورة التي تدير شبكة من الخبراء بشراكة مع ديكتاتوريات العالم النامي باللحظة التي وقف فيها اقتصاديان مشهوران عام 1974 أمام الأكاديمية السويدية لينالا مناصفة جائزة نوبل في الاقتصاد لذلك العام؛ كونار ميردال وفريدريش هايك. أما ميردال الذي يمثل “نظرة الخبراء” التي تؤمن ب”التخطيط من أعلى” وإن بواسطة ديكتاتوريين مثل الصيني تشيانغ كاي تشيك أو الإثيوبي ميلس زيناوي فإنها ستلقى رواجا كبيرا في أوساط خبراء البنك الدولي والحكومات التي تدير العالم النامي، بينما ستغيب مقاربة هايك التي تؤمن بحل مشكلة التنمية عن طريق الأسواق والمؤسسات الحرة والسماح للأفراد بمتابعة اختياراتهم بشكل حر ومسؤول.

إن النهج التكنوقراطي الذي يديره الخبراء بشراكة مع الحكام الشموليين يتجاهل الحقوق الأساسية للفقراء، ويغيب بالتالي أحد الأسس الكبرى التي بنت عليها الديمقراطيات الغربية ازدهارها الاقتصادي؛ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان. ولا غرابة في أن نجد اليوم أن جماعة الخبراء هم أعداء صريحون لكل المطالب الديمقراطية التي تنبعث من عمق المجتمعات الفقيرة، بل نجدهم يقفون في صف ديكتاتوريات تعيق التنمية عن طريق النهب وتعطيل المؤسسات الرقابية ونظام العدالة.

لقد قدم إيسترلي مثال ميليس زيناوي حاكم إثيوبيا الديكتاتوري السابق الذي لقي ثناء من خبراء البنك الدولي ومن توني بلير وبيل غيتس، باعتباره أحد الحكام الذين استطاعوا خفض معدل وفيات الأطفال في إثيوبيا ما بين عامي 1990 و2010 ب59 بالمائة، لقد اعتبروا ذلك تحقيقا “لأهداف مرسومة بعناية ومخطط لها”، إنه منهج يتماشى ورؤية الخبراء لحل مشاكل الفقر حسب زعمهم. لكن سيرة زيناوي ليست حسنة، لقد استغل هذا الديكتاتور برامج المساعدات التي تدفقت على بلاده لخدمة أجنداته الخاصة وابتزاز المعارضين وتكوين نظام حكم سلطوي يتمركز حول شخصه.

لقد أدت خطط الخبراء إلى استدامة الفقر، وجعلت من البنك الدولي ومن المؤسسات المانحة سندا كبيرا للحكام السلطويين الذين يديرون ثروات هائلة، بينما بقيت شعوبهم ترزح في الفقر. لقد أدت هذه النظرة الطغيانية في صف من يعتبرون أنفسهم خبراء مخولون بإعطاء دروس للآخرين ووضع خطط لمعالجة المشكلات الاجتماعية البنيوية إلى انزلاق المجتمعات النامية في هوة سحيقة من الفقر وتدهور المؤسسات التي تحمي الأفراد والجماعات من تغول السلطة في بلدان العالم النامي.

إنه عالم من المصالح المتشابكة، عالم تختلط فيه ادعاءات الخبراء بمصالح السلطة ومصالح الحكومات الغربية التي تسعى للحفاظ على مكتسباتها. عالم فضل السير بعيدا عن الأفكار التي تؤمن بأن التنمية تأتي باحترام حقوق وحريات الأفراد، كما قال ذلك هايك مؤلف “الطريق إلى العبودية” (1944)، إنه عالم رسم معالم طريق سالك لاستعباد مواطني الدول النامية.

  • مقال بواسطة: رشيد أوراز.
هذا المقال يُعبر عن رأي كاتبه، و قد لا يعبر بالضرورة عن وندرلاست

 

تعليقات
جاري التحميل...