شغف المعرفة

مراجعة كتاب “الديمقراطية: الإله الذي فشل” لهانز هيرمان هوبه (الجزء الثاني)

3 – الديمقراطية، نظام إدارة قصير النظر

بالنسبة لهوبه، على عكس الاعتدال الداخلي والخارجي للنظام الملكي، فإن الحكومة المؤمَّمَة، والملكية “العامة”، المعروفة باسم “الديمقراطية”، تركز على التعسف. يستخدم رئيس النظام الديمقراطي جهاز الحكومة لصالحه، لكنه ليس المالك. يستطيع استخدام إيرادات الدولة، ولكنه لا يملك رأس المال. وبالتالي قد يزيد من الدخل الفوري متجاهلًا تدهور رأس المال. يجعل عدم قدرته على بيع موارد الدولة الحسابَ الاقتصادي في السوق مستحيلًا. سيحاول هذا المدير المؤقت استخدام الموارد في أسرع وقتٍ ممكن: هذا هو الاستهلاك الفوري. في نظامٍ ملكيٍّ ليس للملك أي مصلحة في تخفيض رأس مال بلاده، لكن بالنسبة لرئيسٍ ما، فليس للاعتدال سوى المساوئ، فهو يمنعه من الاستفادة من السلطة، والنتائج الجيدة على المدى الطويل لن تفيد إلا خلفه الذي كان من قبل منافسه الانتخابي.

إضافةً إلى ذلك، في نظامٍ جمهوريٍّ، يعتقد الشعب أنه يحكم نفسه، وبالتالي يكون أقل يقظة. من المفارقات أنه يتسامح مع جميع أنواع التعسف في السلطة. بالنسبة لهوبه، فإن الديمقراطية ليست تقدمًا، شأنها شأن تأميم الشركات. في ذلك تقوم الدولة بفرض الضرائب، والاستيلاء على الديون والمصادرة. سيزيد وزن الدولة في الاقتصاد من 20% في القرن الثامن عشر إلى 50% في القرن العشرين. تحت نظام جمهوري ديمقراطي تُفضَّل المديونية بشكل خاص لأنها ستضرب الحكومة المستقبلية: لأنه لا يوجد تضامن في الديمقراطية بين الحكام المتعاقبين.

في النظام الملكي، لا تنشئ الحكومة القانون. يتمتع الملك بامتياز في إطار القانون الخاص الذي ينطبق على الجميع. من ناحيةٍ أخرى، تُظهر الحكومة العامة (الديمقراطية) حقًا عامًا موجهًا نحو إعادة التوزيع. لا يخشى المدير الديمقراطي من أن يؤدي إعادة التوزيع إلى خفض الإنتاجية في المستقبل، كونه يواجه الانتخابات والحكومة المفتوحة للجميع. يدفعه هذا إلى إنشاء دولة رفاهية اشتراكية. وبالتالي، فإن الديمقراطية هي الخطوة الأولى نحو اشتراكية أصبحت حتمية بالآلية الانتخابية القائمة على التملق بالجماهير.

يخلق التضخم التشريعي حالةً من عدم الأمان القانوني. يحترم الإنسان بشكلٍ أقل حقًا يتغير باستمرار، وتصبح الجريمة نسبيةً، ويمنع الضمان الاجتماعي الناس من الاستباقية. ونتيجةً لذلك، تنخفض القيمة الاقتصادية للزواج والأسرة والأطفال: إذ يصبحون أقل فائدةً عند كبر السن. يقول هوبه: “منذ وصول الديمقراطية، تتزايد جميع مؤشرات الخلل الأسري”، من مثل: انخفاض عدد الأطفال، وركود السكان الأصليين، وزيادة حالات الطلاق، والأسر ذات العائل الواحد، والإجهاض.

وفقًا لريتشارد هيرنشتاين (“الجريمة والطبيعة البشرية”، سيمون وشوستر، نيويورك 1985)، يمكن أن تكون الجريمة مغريةً اقتصاديًا بالنسبة للمعتدي لأن مكافأتها فورية والعقاب مستقبلي، وقد يكون غير مؤكدٍ. للشخص ذي التفضيل لما هو فوري إذن ميولٌ ليصبح جانحًا. الديمقراطية هي من توجّه الناس إلى تفضيل ما هو فوري بسبب استهتار وسائل الإعلام وعدم المسؤولية التي يخلقها الضمان الاجتماعي. حيث يُعفى الفرد من المسؤولية، ليس من المستغرب إذن أن يزيد عدد الجنح والجرائم بعد قرنٍ من الديمقراطية في الغرب.

يقول هوبه:

“في هذا السياق، لا يُنتج شيءٌ له قيمة، ولا يعرف كيف يتنبأ بالمستقبل يصبح أقل إزعاجًا من الإنتاج والتنبؤ. ونتيجةً لذلك، وبغض النظر عن النوايا الطيبة للمشرّع في مساعدة الفقراء وحمايتهم، سيكون هناك المزيد والمزيد من الناس الذين سينتجون أقل ويخططون بشكل ضعيف، وعدد أقل وأقل من الناس لإنتاج المزيد والتنبؤ بشكل صحيح. إذا تعاقبنا على الإنتاج، فسوف نحد من النشاط الإنتاجي المسؤول، الموجه نحو المستقبل لصالح الاستهلاك والتطفل والاعتماد والرؤية قصيرة الأمد. على العكس من ذلك، فإن المشاكل التي يتعين على إعادة التوزيع تسويتها ستزداد سوءًا. مع صعود نسبة التفضيل للفوري، المرتبط بالضعف، سيزداد التمييع وإحباط معنويات المواطنين”.

4- مقارنة السياسة الخارجية للملكية والديمقراطية

في نظام ديمقراطي، تلتحم الملكية المؤممة للسلطة مع الدخول الحر إلى السوق السياسي لتؤدي الى زيادة الرغبة في التوسع. ليوسّع النظام الديموقراطي الإمبريالي قاعدته الضريبية، فهو لا يمتلك طريقةً أخرى غير الحرب. يعارض هوبه كانط الذي يعتقد أن تعميم الديمقراطية سيجلب السلام العالمي. بالنسبة للاقتصادي النمساوي، يحارب الملوك من أجل أهداف ملموسة بجيوشٍ مبنيةٍ بالتمويل الخاص، وهذا محدودٌ للغاية. يدعم الناس هذه الحروب طالما أن المرء يميز المقاتلين وغير المقاتلين. يكون التجنيد نادرًا للغاية. للجندي قيمةٌ، ولا يجب أن تضيع. الحرب ليست أيديولوجية وبالتالي فهي أقل قسوةً.

على النقيض من ذلك، تميل الحروب الديمقراطية إلى أن تصبح شاملة. أُزيل التمييز بين الحكام والمحكومين. لذلك، يقول هوبه بأن الجمهور يرتبط عاطفيًا مع الأمة في الحرب. يصبح التجنيد هو القاعدة، لا يكلف الجندي شيئًا. يمكن قتل عدد ما تحتاج إليه الدولة وسيستبدلون بآخرين، وتزداد وحشية الحرب. لا تحافظ الدولة الديمقراطية على المدنيين، لكنها تصور نفسها كتجسيد للخير. تبعًا للحالات، يصور النظام الديمقراطي نفسه كممثلٍ للحرية والثورة (فرنسا، والاتحاد السوفياتي) أو الأمة! و يُطلق العنان للمشاعر والعاطفة.

“على النقيض من الحرب المحدودة للنظام القديم (باستثناء حرب الثلاثين عامًا، التي كانت حربًا دينية)، فإن الحقبة الجديدة للحرب الديمقراطية التي تبدأ مع الثورة الفرنسية والحروب النابليونية، والتي تستمر مع الحرب الأهلية الأمريكية، التي بلغت ذروتها مع الحربين العالميتين، هي حقبة الحرب الشاملة.” وفقًا لفولر (الحرب والحضارة الغربية): “كان تأثير القومية المرتبطة بالديمقراطية عميقًا في تطوير الجانب العاطفي للحرب وجعلها أكثر وحشيةً. في القرن الثامن عشر، كانت الحرب حكرًا على الملوك والبلاط والنبلاء. يعيش الجنود على أموال الملك. وكانت تكاليف الحرب باهظة الثمن بحيث لا يمكن هدر مالها لوقت طويل. لقد كانت الثورة الفرنسية هي من غيرت ذلك. اذ حل روح “اللا متسرول” محل روح البلاط. وقد نمت الجيوش في الحجم والوحشية. في عام 1793 ، أعطت الثورة العالم فكرة التجنيد الاجباري العام، وأصبحت مذابح المدنيين شائعةً. يكتب هوبه: “في 150 سنة، التجنيد يعيدنا إلى العصر الهمجي”.

  • الكاتب: محمد فيزازي.
  • تدقيق لغوي: رأفت فياض.
تعليقات
جاري التحميل...