شغف المعرفة

مراجعة كتاب “الديمقراطية: الإله الذي فشل” لهانز هيرمان هوبه (الجزء الاول)

نشر أستاذ الاقتصاد هانس هيرمان هوبه -أستاذٌ في جامعة فرانكفورت أم ماين، وعميد معهد لودفيغ فون ميزس. نشر في الولايات المتحدة كتاب “الديمقراطية، الإله الذي فشل” مع العنوان الفرعي “الاقتصاد والسياسة بين الملكية والديمقراطية والنظام الطبيعي”.
يتوفر هذا الكتاب أيضًا باللغة الألمانية، ويدرس الكفاءة المقارنة للملكية والديمقراطية من وجهة نظر العلوم الاقتصادية وبمنظورٍ ليبرتاري.

1- عدو الحضارة، تفضيل ما هو فوري (Time preference).

يفضل كل فرد الحصول على الأشياء بشكلٍ فوريٍّ على الحصول عليها مستقبلًا، ويُسمّى هذا الأمر بـ “التفضيل الفوري”. وكلما كان ذلك مرتفعًا، انخفض الادخار والاستثمار لصالح الاستهلاك الفوري.

لدى الأطفال أعلى نسبة من التفضيل الفوري، ويرجع ذلك لكونهم الفئة الأقل تعليمًا. ووفقًا لهوبه، فإن الطبقات العليا هي الأكثر “رشدًا” لأن فكرها موجه نحو المستقبل، والانضباط الذاتي، وهي قادرة على رفض الإشباع الفوري من أجل الارتياح في المستقبل البعيد. من ناحيةٍ أخرى، في الطرف الأدنى من السلم الاجتماعي، غالبًا ما يكون الأفراد موجّهين نحو الحاضر والمتعة الفورية. إذ لا يعتبرون المستقبل شيئًا يتم إعداده بل يعتبروه كسلسلةٍ من الأحداث الخارجية التي “تقع عليك”.

باختصار، هناك أشخاصٌ أكثر اندفاعًا، لا يبالون ولا يهتمون كثيرًا بعملهم، إضافةً لكونهم أقل اهتمامًا بالأشياء، ويقللون من قيمة ممتلكاتهم، وغالبًا ما يقعون في الإدمان على الكحول والمخدرات والجريمة. سبب هذه الظواهر ليس، كما هو اعتاد الناس على القول في كثير من الأحيان البطالة أو الدخل المنخفض. على العكس، فإن الأجور المنخفضة والبطالة هي نتيجة سلوكٍ يحدده التفضيل الفوري. يتجاهل الناس غير الملمين بالاقتصاد هذه الحقيقة إلى حدٍّ كبير ويشرحون نفسية الأفراد عن طريق الظروف الاجتماعية، وهذه نظرةٌ ساذجة لأن العكس صحيح أيضًا.
يفترض الادخار والاستثمار تفضيلًا منخفضًا لما هو فوري، ويفرزان عملية تصنيع حضارة. وعلى العكس من ذلك، فإن انتهاك حقوق الملكية يزيد من التفضيل الفوري عند الضحية. التفضيل لما هو فوري هي السمة الأساسية لمن ينتهك حقوق الملكية: المجرم أو الدولة الاشتراكية. تستطيع هذه الأخيرة ذلك بشكلٍ قانونيٍّ بموجب صلاحيات التشريع والضرائب. هذا هو السبب في أنه يمكن للدولة أن تشكل تهديدًا للحضارة أيضًا. تؤدي أنواع مختلفة من الدولة إلى درجاتٍ مختلفةٍ من الحضارة. بطبيعة الحال، تسعى الإنسانية إلى زيادة رأس المال ومخزون السلع الدائمة، مما يعني رؤية طويلة الأمد (للبالغين). الخروج من الحضارة أو العودة إلى البربرية هو عندما يصبح هذا البالغ طفلًا، وتصبح بصيرته حالمة بما هو فوري، ويصبح عندها المنتج جانحًا.

يشير هوبه إلى أن المسيحية، مع أفكار اليوم الآخر ومنظور الحياة الأبدية، تقلل من ميل الإنسان إلى تفضيله لما هو فوري. و بذلك ، فهي عامل مهم للحضارة.

 

2- ما هو النظام الملكي؟

وفقا لهوبه، تبدأ أي حكومة بكونها صغيرة. وبما أننا نثق في شخصٍ نعرفه لحماية أنفسنا أكثر من شخصٍ مجهول، فالملكية هي الشكل الأصلي للحكومة والأكثر شيوعًا في تاريخ البشرية. عندما تكون الحكومة موضوعًا للامتلاك الخاص، فنحن في الملكية. عندما يتم “تأميم” الحكومة وتنتمي بذلك إلى “الجماهير”، فنحن في نظامٍ ديمقراطي، ويُعتبر الحاكم مديرًا نيابةً عن الجميع. وبما أن الجماهير أو الأغلبيات لا تتمتع بسلطة طبيعية، فإن الديمقراطية لا تولد كالملكية بعملية عفوية: فهي دائمًا نتاج الحرب أو الثورة، وبالتالي نتيجةً للعنف.

الطابع الأساسي للنظام الملكي هو الامتلاك الخاص للحكومة. بحيث تمتلك الموارد التي يتم الحصول عليها من خلالها بشكل فردي. بذلك فهي تزيد من رأس مال الملك وتصبح موضع ميراث. يمكن للملك بيع ممتلكاته، وإقالة مديره… إلخ. فهو يسعى إلى تعظيم القيمة الرأسمالية لممتلكاته ودخله الحالي. في خضم زيادة دخله الحالي لن يريد وضع نفسه في خطر تدمير رأسماله. تؤدي الملكية الخاصة إلى الحساب الاقتصادي وتطور رؤية طويلة الأمد لمصالحها. لن يفرض الملك ضريبةً قهريةً على رعاياه: فقد استحوذت الدولة الملكية على 8% من الثروة الوطنية في الفترة الممتدة من القرن الحادي عشر إلى التاسع عشر. يستفيد من امتيازات الملك قلة قليلة من الناس (العائلات والأصدقاء) على عكس الديمقراطية، كما سنرى في الجزء القادم.

في ظل نظام ملكي، لدى الناس إدراكٌ قوي بأنهم رعايا: فالحاكم والمحكوم محددون بوضوح، وهذا أمرٌ جيد لأن الملك يجب أن يحرص على ألا يفقد شرعيته بالتجاوزات. كان قَسَم الملوك الفرنسيين الأوائل:

“سأكرم كلّ واحدٍ منكم وأحميه، وأحمي حقوق الجميع، وأحافظ على العدالة”.

لا يستطيع الملك، كمالك خاص، أن يدمر لنفسه، دون خطر على نفسه وعلى أملاك الآخرين، وبذلك يوجد تضامن. كما أن النظام الملكي يدير السياسة الخارجية: فالزواج بالنسبة للملك أفضلية على الحرب لزيادة ملكيته.

  • الكاتب: محمد فيزازي.
  • تدقيق لغوي: رأفت فياض.
هذا المقال يُعبر عن رأي كاتبه، و قد لا يعبر بالضرورة عن وندرلاست

 

تعليقات
جاري التحميل...