شغف المعرفة

الفُرص هي الحل للفقر، وليس المساعدات الخيرية

لا تُحلّ مُشكلة الفقر بتقديم المساعدات المادية، وإنَّما بمنحِ الفُرص؛ فمُعالجة الأعراض لا تكفي!

عندما نمرض، تقوم أجسامنا بإرسالِ إشاراتٍ إلى الدّماغِ  للتنبيه على وجودِ مشكلةٍ ما، فعلى سبيل المثال، تساعدنا الحُمّى في معرفة أن جسمنا يعمل بشكل مُضاعف لمحاربة نوع معين من العدوى. وبالرغم من الألم الكبير الذي قد يسبّبه ذلك، فإنّنا نعرف أن الحُمّى ذاتها ليست هي المشكلة الحقيقية، وإنما هي أحد الأعراض لمشكلة أكبر على وشك الظهور.

وإذا أردنا الوصول إلى حلٍّ حقيقيٍّ، يجب علينا اكتشاف مسبّبات الحمى أولاً. إذْ يُمكننا محاولة تخفيف الألم وتسكينه باستخدام أدويةٍ كالأسبرين أو الأيبوبروفين، لكنّها مُسكّناتِ ألمٍ مؤقّتة ليس إلا، وإذا لم يتم التعرف على الأسباب الجذرية ومعالجتها، ستعود الأعراض بمُجرّد زوال تأثير الدواء المسكِّن.

الأمر سيان عند العديد من الجمعيات الخيرية والمنظمات التي تتّبع هذا الأسلوب وذلك من خلال التركيز على علاج أعراض الفقر فقط، وتجاهل الأسباب الجذرية. وعندما يتعلّق الأمر بصحتنا الجسدية، نُدرك أن الأعراض هي مُجرّد عواقب لمشكلة أكبر، وأنّ المرض الفعلي ليس واضحاً. لكن ما لا يدركه الكثير من الناس أن المبدأ ذاته يتكرّر في مجالات الحياة الأُخرى.

الفقر، على سبيل المثال، هو أشبه بحلقة مُفرغة مع العديد من الأعراض الملحوظة كالجوع، ونقص مياه الشرب النظيفة، وعدم كفاية المساكن. كُلّ هذا يندرج تحت بند أعراض الفقر، ولكنّه ليس السبب الحقيقي وراءه.

جميعنا نعرف الحكمة القائلة :

“أعطِ رجلاً سمكة، تُطعمه ليومٍ واحدٍ. علّم رجلاً أن يصطاد، تُطعمه طيلة العمر”

ومع ذلك، فإن القليل منا يستفيد من هذه الحكمة.

المشكلة مع تومس Toms

لاحظت، خلال أحد فترات الصيف، أن الجميعَ كانوا يرتدون أحذية تومس في حرم الكلية التي ادرس بها. لم يستغرقني الأمر وقتًا طويلاً حتى قمت بالبحث على جوجل، كي أصل إلى كل ما احتاج لمعرفته. ففي الصحف، يبدو أن تومس أحدثت ثورة في الطريقة التي نقارب بها الأعمال الخيرية، وذلك من خلال الاستفادة من حوافز المستهلكين.

يحبُّ مستهلكو العالم الأول المشاركة في قضية تتجاوز أنفسهم، خاصة عندما لا يكون هنالك أي شيء مطلوب منهم. وقد وجدت تومس طريقة لاستخدام هذا لصالحها ببراعة، إذْ تتعهد بأنه من أجل كل زوج من الأحذية يشتريه المُستهلك، سيتم إرسال زوج آخر إلى طفل مُحتاج في أحد بلدان العالم النامي، وبالنسبة للأفراد مِمَّن لديهم شغفٌ كبيرٌ في المشاركة بقضيةٍ تتجاوز أنفسهم، كانت هذه أشبه بفرصة ذهبية لهم.

لكن  لم تقتصر شعبية تومس على طُلّاب الجامعات فقط، بل قام الكثير من الأشخاص ذوي القلوب المرهفة بشراء أعداد كبيرة من هذه الأحذية. إضافةً إلى هذا، قامت بالتسويق لألوان وأنماط جديدة من أحذيتها بغرض مواكبة الطلب المتزايد.

كان المستهلكون الأميركيون، كما تبيّن، يحبون الشعور بأنّهم قاموا بالمساعدة، شخصياً، في تخفيف معاناة الفقراء، وقبل أن ننتبه لهذا، أصبحت تومس أشبه بمنارةٍ للرأسمالية الواعية. لكن وُجدت مشكلةٌ واحدةٌ فقط: لا يُمكن لزوج من الأحذية أن يغيّر حياة شخص ما، أكثر من إعطاءه سمكةً مجانيةً. وعاجلاً أم آجلاً، ستنفذ الأسماك، وستمتلئ هذه الأحذية بالثقوب، وتصبح بحاجة إلى الاستبدال. وبالنتيجة، ستؤدي هذه التبرعات إلى تفاقم المشكلة التي نحاول حلها في الأساس!

بدون الاكتفاء الذاتيّ، لا يمكن لأي قرية نامية أن تأمل في كسر حلقة الفقر قطْ. وعندما تعتمد قرية ما على الأحذية الأميركية بدلاً من إنتاج الأحذية الخاصّة بها، فإنّها تعزّز فكرة حاجتها إلى بلدان العالم الأول، لتزويدها باحتياجاتها الأساسية. لكن هذه ليست رسالة تساعد على الاستقلال المادي أو التمكين بشكل خاص، وعلى الرغم من أنه قد يكون من الجيد معرفة أنّنا ساعدنا طفلاً في الحصول على حذاءٍ مجانيٍّ، فإن هذا العمل وحده لا يساعد على كسر دائرة الفقر هذه، بل يساعد على تخفيف الأعراض، دون الاعتراف بالسبب الحقيقي الكامن ورائها.

ما الذي يمكن فعله؟

إذن ما الذي يمكن عمله لمساعدة القرى الفقيرة في أفريقيا؟

– تشجيع التجارة وخلق فرص العمل!

على سبيل المثال، تُعتبر السنغال أحد أسوأ الأماكن في العالم لبدء عمل تجاري، ولهذا السبب، حصلت على المركز 124 في تصنيف الحرية الاقتصادية لمعهد فريزر، في حين تكون أمريكا، والتي تعتبر منطقة حرّة للغاية بالمقارنة مع دول أُخرى، هي الدولة الحادية عشرة الأكثر حرية من بين 159 دولة مدرجة في الترتيب، مما يُظهر لنا كيف أنّ السنغال قد احتلت أسفل القائمة.

تأتي هذه المشكلة الكبرى في السنغال على شكل قوانين تنظيمية معقّدة بشكلٍ مُفرط، إذْ أنّه من الصعب الدخول إلى السوق كرائد أعمال، كما تُعاني البلاد من نقص في الأعمال التجارية. فحيثُ لا توجد شركات، لا توجد وظائف. وحيث لا توجد وظائف، لا يوجد دخل. وحيث لا يوجد دخل، فإنّه الفقر.

في الواقع، على الرغم من كل هذه  العقبات التنظيمية فإن امرأة سنغالية واحدة أثبتت عدم استحالة الرخاء الاقتصادي، والدخول إلى السوق كرائد أعمال. إنّها ماغيت وايد Magatte Wade، التي وُلدت في ميكه Meckhe، في السنغال، وعندما سافرت إلى الخارج لأول مرة خلال طفولتها أُصيبت بالصدمة والحيرة من الازدهار الاقتصادي الذي تتمتع به الدول الأجنبية، وأرادت أن تعرف سبب كون هذه الاقتصادات مختلفة جداً عن تلك التي كانت في ميكه. لم يستغرق الأمر طويلاً حتى أدركت أن خلق الوظائف يلعب دوراً رئيسياً في ازدهار الأمة. أقدمت وايد، التي عقدت العزم على جلب فُرص عمل إلى قريتها الأم، على الإبحار خلال سلسلة طويلة من المُعاملات الحكومية بغرض بدء وإدارة أعمالها داخل البلاد.

افتُتحت شركة وايد Skin Is Skin، وهي عبارة عن خط راقي لمنتجات العناية بالبشرة في أوستن، تكساس، والذي يتم إنتاجه في ميكه، السنغال.  ومع أن البدء بشركة لتصنيع مُنتجات العناية بالبشرة لم تبدو كفكرة ثورية للوهلة الأولى، إلا أنها أثبتت مكانتها على طول الخط الفاصل بين الفقر والازدهار المادي.

عاش إبراهيما ندور مدير إنتاج الشركة،  قبل العمل مع وايد، في منزل صغير بغرفة نوم واحدة مع زوجته وأطفاله الخمسة. وفي الليل، كان هُنالك سرير واحد مُخصّص لثلاثة أشخاص، بينما ينام بقية أفراد العائلة على الأرض. أما الآن فهو يعيش في منزل جميل مع عائلته، حيث يوجد أسرّة ومساحة للعب لكل واحد من أبنائه. لا شيء من هذا كان ليكون ممكنا لولا وظيفته في شركة Skin Is Skin.

أيضاً، أدجي ماريا، هي موظفة أُخرى في الشركة، لم تكن قد حصلت على وظيفةٍ أبداً قبل العثور على Skin Is Skin. ولمَّا كان اقتصاد ميكه يعتمد على الزراعة وصيد الأسماك كليّاً، وهي الأدوار التي شغلها الرجال تاريخياً، كان من المتوقع أن تعمل نساء كثيرات في منازلهنَّ في الطبخ، وخدمة أسرهنّ. لكن بفضل عملها، اكتسبت ماريا مهاراتٍ سمحت لها بمساعدة والديها وعائلتها بطريقة لم تكن ممكنة من قبل.

ماريا ليست وحدها في هذا، إذا يوجد موظفين آخرين مِمَّن ظهروا في الفيلم الوثائقي الجديد عن skin is skin يتألقون عند تحدثهم عن الفرص التي جلبتها شركة وايد إلى قريتهم.

وتتحدث مام ياكارا، وهي موظفة أُخرى، عن الإلهام الذي قدمته لها وايد:

“لو لم تقم ماغيت بهذا، لَكنْتُ مُجبرة على البقاء في المنزل، كما كنت سابقاً، والقيام بالأعمال الروتينية كالطبخ، والخدمة، وفي انتظار زوجي. لم نرَ أي شخص يفعل ما فعلته ماغيت، أتت وافتتحت شركةً في مكانٍ كهذا، لتوفير العمل لأشخاص مثلنا، مِمَّن يبقون حبيسي منازلهم دون عمل.. قامت بإخراجنا من منازلنا وتزويدنا بهذا النوع من الوظائف… لا نحصل على العديد من هذه فرص هنا.”

وعلقت مامي ماريم سيسي، وهي موظفة أُخرى، بقولها:

“لقد غيّر هذا العملُ حياتي. الآن أستطيع تقديم كُلّ ما أحتاجه لنفسي، دون أن أطلب من أي شخص القيام بذلك. “

لم تقم وايد بجلب الوظائف إلى القرية، بل مكّنت المرأة المحلية من العمل والاستقلال بطريقة غير معهودة. كما أنّ الوظائف التي وفّرتها شركة وايد لا تقتصر فقط على تصنيع منتجات العناية بالبشرة، إذْ يوضع كّلّ مُنتج يتم بيعه في حقيبةِ يدٍ جلديةٍ، مُصنّعة من قبل شركة كاونوا CAWAAN السنغالية، حيث تقوم العائلة التي تديرها بتصنيع منتجات جلدية مصنوعة يدوياً على مدى خمسة أجيال.

على مرّ السنين، و مع زيادة الرّسوم الجمُركية إلى نسبٍ تصلُ حتى 45% على المواد المستوردة، كافحت شركة كاونوا أيضاً للحصول على السلع التي تحتاجها لتقديم منتجات عالية الجودة. وبالرغم من هذه الصعوبات، استمرت وايد في شراكتها معها، أي شركة كاونوا، التي تُصرّح بأن التزام وايد تجاه أعمالها  “شجعنا على العمل الجاد وتحسين كل شيء”.

تدرك وايد أنّه من أجل كسر دائرة الفقر، يجب ضرب المشكلة من جذورها، أي: البطالة. وبما أن الوظائف شحيحة في قريتها، وكذلك في أفريقيا ككُل، فقد خصّصت نفسها لخلق فُرص عمل من خلال ريادتها، الأمر الذي لاقى تشجيعاً من قبل الآخرين. في الواقع، تعمل وايد الآن مع رئيس بلدية ميكه من أجل توفير المزيد من الفرص للتعليم والتدريب على العمل.

إن الطريق إلى الازدهار الاقتصادي لن يمرّ عبر القوانين التنظيمية للحكومات أو المنظمات الخيرية، مثل تومس.  وكي يتمكّن الأفراد من إخراج أنفسهم من دائرة الفقر هذه، يجب أن يتمتعوا بحريّة الاكتفاء الذاتيّ، وذلك من خلال جهودهم الخاصة في مجال ريادة الأعمال. و ماغيت تُعتبرُ مثالاً حيّاً على أن ريادة الأعمال، ونمو الوظائف هما الترياقان الحقيقيان للفقر.

عن المؤلف :

بريتني هنتر كاتبة ومحرّرة في مؤسسة التعليم الاقتصادي. وبالإضافة إلى المشاركة في استضافة البودكاست الأسبوعي لمؤسسة  FEE، فهي أيضًا مضيفة مشاركة لـ Beltway Banthas، وهي عبارة عن بودكاست يجمع بين Star Wars والسياسة. تؤمن بريتني أن الطريقة الأكثر فعالية لتعزيز الحرية الفردية واقتصاد السوق الحر هي نشر قصص، في الوقت المناسب، تسلّط الضوء على المبادئ الخالدة.

  • ترجمة: شذى ديبو.
  • تدقيق لغوي: نور عبدو.
مصدر Fee
تعليقات
جاري التحميل...