in ,

الأصول العنصرية لسياسة الحد الأدنى للأجور

ما مدى علاقة العنصرية بـ الحد الأدنى للأجور؟ أكثر بكثير مِمَّا يدركه معظمُنا، وإنَّ نظرةً متأنية إلى تاريخه تشير إلى أنَّ الحد الأدنى للأجور كان في الأصل جزءًا من استراتيجية تحسين النسل، وهو جزءٌ من سياسة عامة هدفُها تطهير المواطنين غير المرغوب بهم. ولهذه الغاية سيتعيَّن على الدولة أن «تصمِّمَ» العزلة والتعقيم وإبادة السكان غير المتميزين عن طريق سَن قوانين مختلفة.

الحد الأدنى للأجور كخطة لسياسة تحسين النسل العنصرية

جاءت حركة تحسين النسل المدعومة عالميًّا من الصحافة العلمية والشعبية في العقود الأولى من القرن العشرين كرد فعلٍ على التغيرات الديموغرافية الهائلة في الجزء الأخير من القرن التاسع عشر التي حدثت بسبب ارتفاع الدخل وتوسُّع الحياة كما لم يحدث من قبل في التاريخ نتيجةً للرأسمالية ولانتشار الأفكار الليبرالية الكلاسيكية. وقد كان لهذه المكاسب نتائج إيجابية على جميع الأجناس والطبقات الإجتماعيَّة إذ تحسَّنت المداخيل وانخفضت وفيات الرضَّع، وكان سبب كل هذا التوسع الهائل في الأسواق والتكنولوجيا والتجارة التي غيَّرت العالم للأحسن، ونتج عن ذلك ازديادًا هائلًا في عدد السكان بين جميع الفئات فكانت الجماهير تعيش طويلاً وتتكاثر بسرعة.

أقلق هذا المسارُ الطبقةَ الحاكمة في معظم البلدان الأوروبية وفي الولايات المتحدة الأمريكية، كما وثَّق «جون كاري» في كتاب «المثقفين والجماهير» بأنَّ جميعَ مؤسسي الثقافة الأدبية الحديثة من «هربرت جورج ويلز» إلى «توماس إليوت»، جميعهم اشمأزوا من الرخاء الحديث الذي عرفه العالم وتحدثوا بإسمٍ مختلف عن الإبادة والتطهير العرقي لوضع حد للاتجاهات الديموغرافية الناشئة حديثًا. وكما أشار «ويلز»:

«إنَّ الإفراطَ في تكاثر الولادات الحديثة كان الكارثة الأساسية في القرن التاسع عشر».

ظهرت حركة تحسين النسل كتطبيق لمبدأ المجتمع المخطط، معادية بشدة لليبرالية الكلاسيكية والأسواق الحرة وانتشرت بشكلٍ كبير بداية القرن العشرين في أوساط السياسة الامريكية.

وكما لخصت مجلة The New Republic في افتتاحية عام 1916م:

«البلهاء يلدون البلهاء، مثل الدجاج الأبيض الذي يلدُ الدجاج الأبيض، وتحت قانون عدم التدخل، يُمنح البلهاء فرصة للتكاثر ويفعلون ذلك في الواقع بمعدل أعلى بكثير من المخزون المؤهل».

ولمواجهة الاتجاهات التي أطلقتها الرأسمالية، بدأت الولايات والحكومة القومية بتنفيذ سياسات تهدف إلى دعم الأعراق والطبقات المتفوقة وإلى عرقلة الأعراق الأدنى عبر تقليص قدرتهم على الإنجاب. وكما وضَّح كتاب «إدوين بلاك» لعام 2003 بعنوان «الحرب ضد الضعفاء: تحسين النسل والحملة الأمريكية لخلق عرق أسمى»، فإنَّ الهدف كان إقصاء المرأة والأطفال، أمَّا فيما يتعلق بغير البيض فقد كان أساسيًا إقصاؤهم أيضًا.

لم تكن الوسائل المختارة هي فرق إطلاق النار وغرف الغاز بل كانت الأساليب أكثر دقة وخفة مثل وسائل التعقيم، الإقصاء من الوظائف والفصل القسري.

خلال هذه الفترة ولهذا السبب، شهدنا أول دورة تجريبية للحد الأدنى للأجور في ولاية «ماساشوستس» عام 1912، وتعلَّق القانون الجديد بالنساء وبالأطفال كإجراء لاستبعادهم وكذلك بغيرهم من المعالين اجتماعيًّا، وعلى الرغم من أنَّ الإجراء كان صغيرًا ولم يتم تنفيذه بشكل جيد إلا أنه في الواقع خفض التوظيف بين الفئات المستهدفة.

لكي نفهم لماذا لم يُنظر إلى هذا الأمرعلى أنه فاشل يجب أن نلقيَ نظرةً على النقاشات الأولى الحديثة للحد الأدنى للأجور التي تظهرُ في الأدب الأكاديمي، وكان من الممكن أن تُنسى هذه الكتابات تمامًا، ولكن ورت مقالة في مجلة المنظورات الاقتصادية عام 2005 أعادتها إلى العلن.

وثَّق «توماس سي ليونارد» في هذه المقالة سلسلة مثيرة للقلق من المقالات والكتب الأكاديمية التي ظهرت بين عامي 1890 و 1920 والتي كانت واضحة بشكل ملحوظ حول مجموعة متنوعة من المحاولات التشريعية للضغط على الناس خارج قوة العمل. لم يتم كتابة هذه المقالات من قِبَل شخصيات هامشية أو متطرفة، ولكن من قِبَل قادة المهنة من واضعي الكتب المدرسية الكبيرة وقادة الرأي الذين شكلوا السياسة العامة.

ويوضِّحُ «ليونارد» أنَّ :

«الاقتصاديين التقدميين يعتقدون أنَّ الحد الأدنى للأجور الإجباري سيؤدي إلى فقدان الوظائف. ومع ذلك يعتقد الاقتصاديون التقدميون أيضًا أنَّ فقدان الوظيفة بسبب الحد الأدنى للأجور كان ميزة اجتماعية حيث كان يؤدِّي خدمة تحسين النسل التي تخلِّص القوى العاملة من العاطلين عن العمل».

على الأقل، لم يكن علماء تحسين النسل ساذجين بشأن آثار الحد الأدنى الأجور على الرغم من كلِّ ما لديهم من مغالطاتٍ علمية زائفة؛ ولكنَّ الغريب أن نجدَ في هذه الأيام صحافيين وسياسيين وعدد لا يحصى من الناس يعلنون مدى روعة الحد الأدنى للأجور للفقراء ويعلنون أنَّ مستويات الأجور ستحسِّن مستوى المعيشة!

كانوا يعلمون جيدًا، في العام 1912، أنَّ الحد الأدنى للأجور يستبعد العمال وكانوا يفضِّلون هذا على وجه التحديد لأنَّ هذه السياسة تدفع الناس للخروج من سوق العمل. وانطلاقًا من أنَّه لا يمكن للناس الذين ليس لديهم عمل أن ينعموا بالازدهار، فإنَّ وضعَهم هذا سوف يثنيهم عن التكاثر. فقد تمَّ تصميم هذا القانون على وجه التحديد لتنقية المشهد الديموغرافي للذين ينتمون إلى العِرق الأدنى وإبقاء الناس على هامش المجتمع.

نشر الاشتراكي المشهور «سيدني ويب» مقالًا باسم «النظرية الاقتصادية للحد الأدنى للأجور» عام 1912، ومِمَّا ورد في مقالِه: «إنَّ الحد الأدنى القانوني للأجور يزيد بشكلٍ إيجابي من إنتاجية صناعة الأمة من خلال ضمان أن يكون فائض العمال العاطلين عن العمل على وجه الحصر أقل العمال كفاءة، أو بطريقة أخرى من خلال التأكد من أنَّ جميع الحالات يتم ملؤها من قبل أكثر الكفاءات المتاحة».

يُبيِّنُ لنا التاريخ الفكري أنَّ الغرض الكلي من الحد الأدنى للأجور هو خلق البطالة بين الناس الذين لا تعتقد النخب أنهم يستحقون شغل الوظائف.

ويزداد الأمر سوءًا من خلال ما كتب «ويب»: «ماذا ستكون نتيجة الحد الأدنى للأجور على الرغبة المستمرة لدى صاحب العمل في استخدام الصبية، الفتيات، المرأة المتزوجة، كبار السن، ذوي العقلية الضعيفة والعاجزين المتعثرين وجميع البدائل الأخرى في العمل على مشاركة العمال البالغين الذكور المؤهلين بمعدل قياسي؟ وبعبارة قصيرة فإنَّ كلَّ هذا العمل طفيلي على الفئات الأخرى من المجتمع، وهو مستخدم حاليًّا بهذه الطريقة فقط لأنه طفيلي».

علاوة على ذلك، يؤكِّد «ويب»: «إنَّ العاطلين عن العمل لا ولن يتمكنوا تحت أي ظروف كسب متطلبات عيشهم، وما يتعيَّن علينا القيام به هو أن ندبر أنه يتم إنتاج أقل عدد ممكن منهم».

على الرغم من أن «ويب» كان يكتب عن التجربة في المملكة المتحدة وكان تركيزه على منع الطبقات الدنيا من الازدهار، فإنَّ وجهات نظره لم تكن غير عادية، فقد كان نفس التفكير واضحًا في السياق الأمريكي، ولكن العرق وليس الطبقة  كان هو العامل الحاسم في هذا السياق.

وضع «هنري روجرز سيجر» – من جامعة «كولومبيا» والرئيس الأسبق للرابطة الاقتصادية الأمريكية – كلَّ ذلك في «نظرية الحد الأدنى للأجور» التي نُشِرت في مراجعة التشريعات العمالية الأمريكية سنة 1913، ومِمَّا جاء فيها:

«إنَّ تشغيل الحد الأدنى للأجور من شأنه أن يوسِّعَ تعريف «المعيوبين» ليشمل جميع الأفراد الذين حتى بعد حصولهم على تدريب خاص يظلون غير قادرين على تقديم الدعم الذاتي الكافي».

إلى حدٍّ أبعد كتب:

«إذا أردنا الحفاظ على عرقٍ يتألف من أفراد ومجموعات عائلية قادرة وفعالة ومستقلة، فإنَّه يجب علينا قطع الوراثة التي ثبت أنها غير مرغوبة بشجاعة، وسنقوم بهذا عن طريق العزلة أو التعقيم».

إنَّ عزلَ وتعقيمَ مجموعاتٍ سكانية غير مرغوب بها شكلٌ من أشكال الإبادة البطيئة، وقد كان الحد الأدنى للأجور جزءًا من جدول الأعمال هذا، ولم يكن صُنَّاع الرأي منذ 100 عام خجلين من قول ذلك إذ كانت هذه السياسة سلاحًا مهمًّا في حربهم من أجل تحسين النسل ضد مجموعات الشعب الضعيفة وغير النخبوية.

كان «Royal Meeker» من جامعة «برينستون» مفوّضَ العمل للرئيس «وودرو ويلسون»، وقد أعلن عام 1920: «من الأفضل بكثير سن قانون الحد الأدنى للأجور حتى لو حُرم «سيئو الحظ» أو «غير المرغوبين» من العمل»، ويضيف مؤكِّدًا: «من الأفضل أن تدعمَ الدولة عدم الكفاءة بشكلٍ كامل وأن تمنع تكاثر هذه السلالة أكثر من إعانة عدم الكفاءة لأن هذا يمكِّنُهم من جلب المزيد من هذا النوع».

يسأل «فرانك تاوسيج»، الذي كان خبيراً اقتصادياً،  في كتابه «مبادئ الاقتصاد» (1911): «كيف نتعامل مع العاطلين عن العمل؟»، فيجيب: «يجب ببساطة أن نقضيَ عليهم، لم نصل إلى المرحلة التي يمكننا فيها المضي قدمًا إلى تخديرهم مرة واحدة وإلى الأبد، ولكن على الأقل يمكن عزلهم وإغلاقهم في الملاجئ والمُصحات ومنعهم من نشر نوعهم».

والسؤال المطروح هنا: ما هي احتمالات توظيف جميع الأشخاص الأصحاء القادرين على التقدم مقابل الأجور المحددة؟

سيكونُ الأشخاص المتأثرون بمثل هذا التشريع في أدنى مجموعة إقتصادية وإجتماعية، إذ تعتمد الأجور التي يستطيعون من خلالها إيجاد عمل على الأسعار التي سيتم بيع منتجهم مقابلها في السوق وبلغة الاقتصاد الحديث على المنفعة الحدية لخدماتهم.

وبالتالي سيضطرُّ كلَّ أولئك الذين سيقوم منتجهم الإضافي بتخفيض الأسعار إلى الحد الأدنى الذي لم يعد بإمكان أصحاب العمل دفعه بعد الآن، سيضطرون إلى البقاء بدون عمل.

قد يكون من الممكن عمليًّا منع أصحاب العمل من دفع أيِّ مبلغ أقل من الحد الأدنى للأجور وهذا ما يظهر الحاجة على أن يكون القانون قويًّا، وكذلك أن يكون مطبَّقًا بصرامةٍ بغية منع إجراء الصفقات التي هي موضع ترحيب لكل المقايضين في السوق.

وفي هذا السياق، يقول الاقتصادي «توماس سويل»: «إنَّ قانون الحد الأدنى للأجور الذي ظهر بشكل تطبيقي في بدايات القرن الماضي في أستراليا كان يعتبر كوسيلة لحماية مستوى معيشة الأسترالي الأبيض من التنافس اللاذع مع الأجناس الملونة والمهاجرين وخاصة الصينيين».

الحد الأدنى للأجور كسياسة للتمييز ضد المرأة

قام ﻣﺴﺘﺸﻔﻰ ﻓﻲ اﻟﻮﻻﻳﺎت اﻟﻤﺘﺤﺪة الأمريكية بإقالة ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ ﻣﻦ اﻟﻨﺴﺎء من عملهنَّ ﺑﻌﺪ أن أﻣﺮ ﻣﺠﻠﺲ اﻟﺤﺪ اﻷدﻧﻰ ﻟﻸﺟﻮر ﻓﻲ ﻣﻘﺎﻃﻌﺔ آﻮﻟﻮﻣﺒﻴﺎ ﺑﺄن ﻳﺘﻢ رﻓﻊ أجورهن إﻟﻰ اﻟﺤﺪ اﻷدﻧﻰ اﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻲ، فرفعت النساء دعوى قضائية لوقف إنفاذ قانون الحد الأدنى للأجور.

وفي سنة 1923، حكمت المحكمة العليا في الولايات المتحدة بأنَّ قانون الحد الأدنى للأجور هو تحديد للأسعار وأنه يمثِّلُ انتهاكًا غير معقول لحرية الأفراد في تحديد السعر الذي سيبيعون به خدماتهم.

قام البروفيسور «Edward A. Ross» بنشر مقالة سنة 1908 في جريدة «نيويورك تايمز» تحت عنوان «الثمن الذي تدفعه المرأة بسبب التقدم الصناعي» حيث حذَّر من أنَّ الشكل الأنثوي الرفيع لأمريكا معرَّضٌ للخطر بسبب المجتمع التجاري، وقد رأى «روس» كذلك أنه إذا تم السماح للمرأة بالعمل فإنَّ امتحان الاختيار التطوري سيضبط تكاثرها على حساب الجنس البشري.

بالنسبة له، فإنَّ النساء الرشيقات والجميلات اللواتي سيحملن أطفالًا سوف يتم إخراجهن من صندوق الجين المشترك ويحل محله نساء متابعدة القدمين، ذات وجوه عريضة، ذات أعناقٍ قصيرة وذات صدورٍ مسطَّحة، وهذا هو النوع الذي سيفتقرُ إلى كلِّ النعمة التي نربطها بالنساء.

أعطى «روس» «نساء شرق بروسيا» اللواتي يحملن أطفالهنَّ في الصباح ويخرجن للعمل في فترة ما بعد الظهر مثالًا على كلامِه، وقد أعلن أنَّ النساء اللواتي عملن في المصانع لن يصنعن أطفالًا مناسبين، حيث قال: «فكِّر في الوضع المحبط للشاب الذي بعد زواجه بسنتين أو ثلاث سنوات يجد أنَّ زوجَتَه التي كانت في سن الثامنة والعشرين أو الثلاثين قد انهارت وأصبحت بائسة باطلة، تعاني آلامًا طوال الوقت، وقد تجد نفسها غير قادرة على الحفاظ على جمال منزِلِها، وكلُّ هذا بسبب بضعة دولارات إضافية تضاف إلى أرباح صاحب العمل أو بضعة دولارات إضافية يتم توفيرها للمستهلك».

وبسبب المزج الخطير بين العمالة والاختيار الطبيعي، قال «روس» أنه كان على الحكومة أن تمدَّ يدها لمساعدة هؤلاء النساء عن طريق الحد من ساعات العمل وتأسيس قاعدة عالية لدخول سوق العمل وهذا كان الحد الأدنى للأجور.

يرى «روس» أنه فقط من خلال هذه التدخلات يمكن أن يتم إنقاذ النساء من سوق العمل حتى يتمكنَّ من العودة إلى واجبات الأمومة المتمثلة في التربية، وقد أدَّت القوانين التي عملت على طرد آلاف النساء على مستوى البلاد إلى احتجاجات واسعة.

وقامت «رابطة تكافؤ الفرص» – وهي منظمة نسوية مبكرة في نيويورك – بالضغط على المجلس التشريعي للولاية لإلغاء الحظر على العمل.

وقالت الرابطة بأنَّ «ما يُطلق عليه قانون الرعاية الاجتماعية لا يُطلب ولا تريده النساء العاملات، إنَّ مشاريع قوانين الرفاهية هذه تصاغ من قِبَل أشخاص يرتدون ملابس اجتماعية ويجزمون أنَّ النساء العاملات لا يعرفن ما يكفي لحماية أنفسهن»، وتتابع الرابطة: «هل النساء من الناس؟ المرأة لا تحتاج لوصيٍّ عليها من الدولة، وإذا كان القانون غير دستوري بالنسبة للرجل الناخب فيجب أن يكون غير دستوري أيضًا بالنسبة للمرأة الناخبة».

وقد أعلن الاتحاد أنَّ العمل في الليل ليس أكثر ضررًا من العمل في النهار، إذ قال أنَّ «الكثيرَ من النساء يفضلن العمل ليلًا لأنَّ الأجر أعلى وفرص التقدم أكبر، والنساء اللواتي لديهن أطفال يمكن أن يستمتعن بالوقت مع أطفالهن بعد ساعات الدوام الدراسي في النهار».

في الواقع، لم يتم إنشاء عبارة «الأجر المتساوي للعمل المتساوي» لإعطاء الأجور المرتفعة للنساء بل كان شعار الاتحاد الذي استند إليه لمناهضة القوانين التي جعلت من استخدام النساء للعمل حتى بعد خمس دقائق من اليوم الذي يستغرق ثماني ساعات جريمة. وقد ظهرت العبارة على أنها شعار مفضل للاحتجاج لصالح الأسواق الحرة وليس ضدها.

كما عارضت «رابطة تكافؤ الفرص» قانونَ الحد الأدنى للأجور بشدة، وقالت: «إنَّ مثل هذه القوانين، في حين أنَّها تدَّعي أنَّها تعودُ بالنفع على المرأة إلا أنَّها ستكون عقبة خطيرة أمامها في التنافس مع العمال من الرجال للحصول على مناصب مرغوبة».

وباختصار، فإنَّ خلاصة الاتحاد كانت هو أنَّ هذه القوانين والقوانين المقترحة – التي يُقصد بها ظاهريًّا وقاية المرأة العاملة وحمايتها – ستعمل في الواقع ودون أدنى شك، على أن تدمِّر عملها وتعيدها إلى خضم الكدح الذي خرجت منه بعد قرون من الجهد المؤلم والعمل الشاق لتحسين حالتها واكتساب حرية اختيارها.

كذلك، أثَّر علم تحسين النسل على مجالات أخرى من السياسة الأمريكية لا سيما الفصل العنصري، بحيث أصبح من الواضح أنَّك لا تستطيع أن تجمع الأجناس وتنظِّم الاحتفالات بين مختلف الأجناس إذ كان الهدف هو إبادة تدريجيَّة لعرقٍ معيَّن مقابل تعزيز وجود عرقٍ آخر.

كان هذا الهدف قوة دافعة وراء سياسات عدَّة مثل اللوائح على نوادي الرقص وانتشار تراخيص الزواج المصممة لمنع غير الكفؤ من الزواج والتكاثر.

ولكن نضع الحد الأدنى للأجور في فئةٍ خاصَّة لأنَّه لا يتم فهم آثاره في هذه الأيَّام إلا قليلاً، فقبل مائة عام كان تشريع الحد الأدنى للأجور من السياسات التي تم تصورها بشكل متعمد لإفقار الطبقات الدنيا وغير المرغوب بهم وبالتالي إعاقة تكاثرهم.

ومع مرور الوقت، تلاشت حركة تحسين النسل ولكن استمرَّت سياسات الحد الأدنى وبدأت بالانتشار بشكل أكثر، وقد تمَّ تحديدد حد أدنى وطني للأجور في عام 1931 مع قانون «دافيس – بيكون» الذي يطلب من الشركات التي تتلقى عقودًا فيدرالية دفع الأجور العامة وهو ما يعني الأجور النقابية، وهو مبدأ أصبح فيما بعد الحد الأدنى للأجر الوطني.

كانت الخطابات الداعمة للقانون واضحة حول الخوف من أنَّ العمالَ السود كانوا يعرضون العمل مقابلَ سعرٍ أقل، وهذا ما يضرُّ بالجماعات الخاصة بالبيض وكان الحد الأدنى للأجور هو الحل: جعل من المستحيل العمل بأقل من ذلك.

إنَّ التاريخَ الدنيء لقانون الحد الأدنى للأجور مروِّعٌ في قصده بحيث يقوم بنشر البطالة بشكل واضح في صفوف المعوزين ويوقف التنقل الصعودي في العمل.

في نهاية المطاف، فإنَّ حركة تحسين النسل فقدت صلاحيتها بعد الحرب العالمية الثانية عندما أصبحت مرتبطة بألمانيا النازية وهتلر، ولكنَّ سياسات العمل التي أدَّت إليها لا تزال قائمة إذ بدأ البعض بالترويج لها كشيءٍ إيجابي للمعوزين، به فائدة كبرى للفقراء وهذا ما نجد أنه خاطئ تمامًا ويتعارض مع الحقائق التي قرأناها.

أيًّا كانت النوايا، فإنَّ الآثار لا تزال هي نفسها، وقد كان علماء تحسين النسل على حقٍّ عندما أدركوا أنَّ الحد الأدنى للأجور يستبعد الناس من سوق العمل. إنَّ هذه السياسة تستنزف من السكان «الهامشيين» أهم قوتهم في سوق العمل: القدرة على العمل بأجر أقل لإيجاد العمل، وإنَّ ما انتجته هذه السياسة كان احتكارًا في سوق العمل من خلال السماح للمجموعات ذات الأجور الأعلى بالوصول مقابل منع المجموعات ذات الأجور المنخفضة.

إذا أردنا رفض سياسات تحسين النسل والخبث العرقي الذي يقف وراءها فينبغي علينا أيضًا التنصل من الحد الأدنى للأجور واحتضان الحق العالمي في المساومة والاختيار الطوعي.

  • إعداد: محمد مطيع.
  • تدقيق لغوي: هنادي نصر الله.
مراجع ومصادر:

ما رأيك في هذا المحتوى؟

Avatar

كتب بواسطة محمد مطيع

طالب جامعي متخصص في الاقتصاد، مهتم بالفلسفة، السياسة و الأدب الروسي. أكتب مقالات اقتصادية و سياسية بهدف إغناء المحتوى العربي و الشمال إفريقي بمواضيع و أفكار الحرية، الرأسمالية و الفردانية .

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Loading…

0

Comments

0 comments

لماذا يجب أن يُسمى منحنى لافر بمنحنى ابن خلدون؟

أصول التمييز ضد المرأة في الاشتراكية