شغف المعرفة

لماذا يجب أن يُسمى منحنى لافر بمنحنى ابن خلدون؟

تغيّرت نظرة العالم إلى الضرائب، وذلك عندما التقى الاقتصادي الأمريكي آرثر لافر في عام 1974 ميلادية، بكُلّ من ديك تشيني ودونالد رامسفيلد؛ إذْ كان يدور موضوعُ حديثهم حول الضرائب.

بيّن لافر في خلال هذا اللّقاء أنّ العلاقة بين العوائد الضريبية ومعدّلات الضريبة ليست كما يتوقّع الناس؛ فعلى سبيل المثال، لا يرفع الازدياد بمُعدّلات الضرائب من العوائد الضريبية؛ لأن الضرائب الكثيرة تُثقل كاهل الناس وتُثبِط عزيمتهم على العمل.

رسم لافر المُنحنى الشهير الخاص به، وأوضح أن معدّل الضريبة عند 0%  و100% لن يوفّر أي عوائد ضريبية؛ عند المعدل 0% لن تكون هناك عوائد ضريبية لأن المعدل صفر ببساطة، أمّا عند المعدل 100% لن يعمل أحد يعرف حقّ المعرفة أنه لن يستفيد من أرباحه، وهذا يعني عدم توفّر أي عوائد ضريبية أيضاً. ويُؤكد لافر أن في نقطة ما بين الصفر والمائة يوجد تحوّل؛ إذ تكون المعدّلات فوق هذه النقطة ذات تأثير سلبي وضار على الاقتصاد، لأن العوائد الضريبية تُصبح أقل بعد كُل زيادة في الضريبة.

يستعين الاقتصاديون اليوم بمنحنى لافر لتعزيز الدّفاع عن الضرائب المنخفضة، وقد ألهمت هذه الفكرة الولايات المتحدة لخفض الضرائب، حيث قامت إدارة الرئيس رونالد ريغان بإصلاحات ضريبية كبيرة أسهمت بتخفيض معدّل الضريبة إلى 28%، قبل أن تعاود الارتفاع إلى 39.6%. ورغم ذلك، فإنّ الداعين لمعدّلات ضريبية مُرتفعة مُدركون تماماً لتحذيرات لافر: ثمّة حدودٌ لرفع الضرائب.

نظرية آرثر لارفر هي أبعد من أن تكون نظرية جديدة

كان آرثر لافر يكتشف، من جديد، نظريةً اعتُرِف بها منذ العصر الذهبي لسياسة السوق الحرّة في الحضارة الإسلامية، وقد قال لافر، بنفسه، إنّه لم يبتكر المنحنى، وإنّما أخذه عن ابن خلدون فيلسوف القرن الرابع عشر الذي عاش في إفريقيا.

في الواقع، إنّ الكثير من الأفكار والمفاهيم التي نربطها اليوم بمفكرين غربيين قد نشأت وترعرعت في خلال العصر الذهبي للحضارة الإسلامية؛ إذ دام العصر الإسلامي من القرن الثامن الميلادي إلى القرن الثالث عشر، وفي تلك الفترة كانت منطقة الشرق الأوسط، وشمال إفريقيا، تحت حُكم عدّة خُلفاء، ليكون هذا العصر عصر التقدم العلمي والتنمية الاقتصادية والنبوغ الثقافي. ولكي يقبل مجتمعٌ ما الأسواق الحرّة والثروة التي تنتجها، يجب أن يتوّفر فيه عُرف يقتضي الدفاع عن الرأسمالية. هذا العرف تطوّر في الشرق الأوسط لقرونٍ عدّة قبل أن يصل للغرب.

ابن خلدون: من أبرز الدُعاة إلى الضرائب المنخفضة

وُلد ابن خلدون في تونس خلال القرن الرابع عشر، وقد كان عالماً فذّاً، ثم إنه مؤسّسُ علم الاجتماع، وأحد مؤسّسي الاقتصاد، ومن علماء التاريخ البارزين. له عدّة مؤلّفات أشهرها “المقدّمة”. يقول ابن خلدون إنّ الحكومة العادِلة، وفقاً للقانون الإسلاميّ، يجدُر بها سنّ ضرائب مُنخفضة؛ مِمَّا يُحفّز التجارة ويخلق الثروة، مؤدياّ، في المُحصّلة، إلى كسب ضرائب أكثر.

مع ذلك، يميل الحُكّام إلى رفع قيم الضرائب بهدف إثراء أنفسهم. تضرّ الضرائب المرتفعة بالتجارة والاقتصاد، وعندما تُرفع الضرائب لتمويل حكومة كبيرة تتقلّص القاعدة الضريبية للحدّ الذي يجعل الحكومة غير قادرة على الوفاء بالتزاماتها. وتُشير النظرية الحديثة للضرائب المرتفعة، إلى أنّ هذا سيؤدّي في النهاية إلى تآكل القاعدة الضريبية، في حين أنّ ابن خلدون ذهب لأبعد من ذلك، وأوضح أنّه حينما تُصبح الحكومة عملاقة وتتآكل القاعدة الضريبية، عندها ستنهار الدولة تحت تأثير ثقلها، وستدخل في حالة من الفوضى، مما يؤدي لصعود وتشكّل دولة جديدة.

إنّ هذا التفسير في الواقع هو معيار رئيسي لسقوط وصعود أبرز الإمبراطوريات في التاريخ، بما فيها الرومانية والفارسية وكثير من القوى العظمى الأخرى في التاريخ. عادة، كانت هذه الإمبراطوريات تبدأ بسنّ ضرائب مُنخفضة فتزدهر، ومع مرور الوقت، وتنامي المركزية في الدولة، وارتفاع الضرائب، والركود الاقتصادي، تنهار الدولة في نهاية المطاف.

أسّس آرثر لافر لِعُرف فكري يُشكِّك في سياسات الضرائب المرتفعة، وذلك بعد أنْ تعرّف إلى نظرية ابن خلدون السابقة بعدة قرون، وبنى عليها عمله. إنّ إدراكَ تاريخ الأسواق الحرّة لأمرٌ مهمٌّ ومفيدٌ لتوجيه الحاضرِ.

وإلى جانب ابن خلدون، يوجد العديد من العُلماء المسلمين الذين ساهموا في اقتصادِ السّوق الحرّ، والذين يستحقّ عملهم التقدير والإشادة في عالم اليوم. كمَثَل، أبو الحسن الماورديّ، الذي عاش في القرن العاشر، والذي كان يرى أن الاقتراض العام من قبل الدولة، لا يجب أن يكون إلا ملاذًا أخيرًا، وفي حالاتٍ نادرة. أبو يوسُف؛ قاضي القضاة في القرن الثامن في بغداد، الذي كتب مقالاً عن الضرائب والمشاكل الماليّة للدولة، ورأى أن المشاريع التنموية ذات الفائدة العامة يجب أن تُموّل بواسطة الإيرادات العامّة. ورغم ذلك، لا ينبغي أن تكون المشاريع، التي تستفيد منها مجموعاتٌ محدّدة، مُموّلة من الإنفاق العام، بل يتوجب على هذه المجموعات تمويل نفسها بنفسها. فقد كتب أبو يوسف مُتحدّثاً عن تحليل التكلفة والعائد:

” يجب على السلطة إلغاء مشروع حفر أي قناة يكون ضررها أكبر من نفعها.”

إنّ السياسات والمُثُل الليبرتارية التحرّريّة ليست جديدة؛ فقد جُرّبت على مرّ التاريخ، وأثبتت كفاءتها ونتائجها الإيجابية. هذا أمر يستحقّ الاستحضار اليوم، لأنه يُمكن لأفكار الماضي ومعارفه أن تغير عالم اليوم.

  • تدقيق لغوي: نور عبدو.
تعليقات
جاري التحميل...