شغف المعرفة

الرأسمالية هي الطريق الأساسي للأخلاق

في اقتصادياتِ السّوق الحرّ، يجب علينا أن نُقنع بعضنا بعضاً بدون إكراه.

إنّ التعليمَ العالي، في الولايات المتحدة (مثل الدول الناطقة بالعربية)، غارقٌ في حملةٍ ايدولوجيّةٍ مُناهضة للتقاليدِ السياسيّة والاقتصاديّة التي تدعمُ الحريّةَ الفرديّةَ، والمنافسةَ الحرة في الأسواقِ، ومحدوديةَ تدخُّل الدولة. يحاولون استبدالها بالأجُندةِ “الإصلاحيّةِ” لسياساتِ الهَوية الجَمعية، والاقتصاد التدخّلي، والغنيمة السياسية.

شدّدت العديدُ من الاستبيانات، عن التوجّه السياسيّ وانحياز الأكاديمية الأمريكية، على أنّ الغالبيّة العُظمى من أساتذة الجامعات ينتمون إلى التيار اليساري. أيضاً، هُنالك المحافظون والليبراليون الكلاسيكيون، لكن عددهم قليلٌ نسبياً، ومواقعهم متباعدة في معظم مؤسسات التعليم العالي. إلّا أنّ أسوأ ما في هذه الظاهرة، ليس فقط تهميش من يوصفون بأنّهم من اليمين السياسيّ، وإنّما أيضاً، نموّ التعصّب ضدّ أي وجهة نظر غير متوافقة مع أفكار اليسار ذي الأغلبية. وكما نرى في الإعلام، اتخذّ هذا التعصب شكل اعتداءاتٍ لفظيةٍ حيناً وجسديةٍ أحياناً أُخرى.

الحرب على الفردانيّة و الرأسماليّة

هنالك دوغمائيّة “إصلاحية” شبه شموليّة في بعض المقرّات الجامعية التي ترى، وكما كان الأجدادُ الماركسيون يرون جميع اليمينيين كعُملاء أو مدافعين عن الاستغلال و القمع، تعتبر هذه الايديولوجياتُ الجديدةُ الفردانيةَ، والرأسماليةَ، وحكمَ القوانين النزيهة المبنيّة على المساواة في الحقوق (وليس الامتيازات)، ليست إلّا عبارة عن سحابة ضبابية بقصد التعمية، وخداع الجموع، وجعلهم يتقبّلون الإساءة من قبل رجال الأعمال وأصحاب الامتيازات.

هم يشعرون بنداء الواجب عليهم ليقاوموا، ويقوموا بإسكات “أعداء الشعب” في كل مكان، وخصوصاً في الأروقة الأكاديمية. حيث تعتبر المعاهد و الجامعات بالنسبة لهم كـ “البيت الساخن” لزراعة أفكار الجماعة، وتلقين الشباب عقائدياً بنفس الطريقة التي تعود لأجيال سالفة. أي بذور بديلة للفردانية ولرأسمالية السوق الحرّ، يجب القضاء عليها في المهد التعليمي، حيث يتم تخصيب “الوعي المترفّع” بأمور المجتمع، والعِرق، والجندرة الجماعية.

في هذه الأجواء ، يجب على الاقتصاديين ذوي التوجه الليبرالي الكلاسيكي معارضة هذا الاتجاه والنزعة الخطيرين. ليس عن طريق الدوغمائية المطابقة وتغييب العقل، وإنّما عن طريق المنطق، والمناقشة، والاقناع. إنّه لمن الضروري بالنسبة للاقتصادي، صديق الحرية، أن يظهر كم ولماذا اقتصاد السوق الحر هو الأساس لتحرير الإنسان، ورفع السوية الثقافية، والازدهار المادي.

تكون نقطة البداية بالتأكيد على أنّه هنالك، وبشكل أساسي، طريقتين للبشر كي يتواصلوا مع بعضهم، إمّا من خلال التهديد واستخدام القوّة، أو بالاتفاق المشترك والقبول الطوعي.

جميعنا نريد أن نكون أحراراً

في بعض الأحيان، أفتتح فصلاً جديداً بتوجيه أسئلة إلى الطلاب، من الشكل التالي: من منهم استيقظ في الصباح وتمنّى بأن يقوم شخص ما، خلال النهار، بقتله؟ و في نهاية اليوم لم يتحقق ذلك، ولم يُقتل؟

لم يرفع أحدهم يده للإجابة.

أعود لأسألهم : من منهم بدأ يومه آملاً أن تتمّ سرقته أو خداعه أثناء التفاعل الاجتماعي أو التسويقي؟ و لم يتحقق ذلك؛ خاب ظنّه، ولم يتعرّض للسرقة أو الخداع؟

مرة أخرى، لم أرَ أيدٍ ترتفع.

أيضاً سألت، من منهم بدأ يومه متأملاً وبشدّة لو أنّه يتعرّض إلى التهديد بالسلاح، ويرغمه المُهاجِم على أن يكون ضحيته، وفي خدمته، ويفعل له ما يريد، تحت تهديد الإيذاء الجسدي في حال عدم الرضوخ للأمر؟ من منهم حزين لأن هذا لم يحدث له في نهاية اليوم؟

لم ترتفع أية يد، مرة أخرى.

أخيراً أطرح السؤال التالي: لو أن أحداً منهم تعرّض للقتل أو السرقة أو الخداع أو العبودية، هل يعتبرون ذلك الأمرَ جيداً، أو عادلاً؟ لا أحد ردّ بالإيجاب.

أنا اعتقد بأن جميعهم يفضّلون الحصول على الحياة، والحرية، واحترام الملكية من قبل الآخرين، بعيداً عن استخدام العنف أو التهديد به. وما يعتبرونه جيداً وعادلاً، هو أن كل واحد منهم تُرِكَ لِيُدير ويوجّه حياته بطريقته الخاصة، بسلام وبدون تدخل من قبل الآخرين في المجتمع.

تَعِد الرأسمالية بحرية وحقوق الأفراد

أقوم بعدها بالتوضيح، للطلّاب، بأنّ النظام الاقتصادي الأقرب لتوفير الحقوق الضمنية، والحماية لكلّ شخص كي يكون حُرّاً، هو نظام الاقتصاد الحرّ؛ الرأسمالية. واسألُهم فيما إذا دخل أحدهم إلى محل بيع الأحذية، وتجول فيه، وربّما جرّب زوج من الأحذية ثم قرّر المغادرة بدون أن يشتري شيء، فقال له شخص ذو ملامح بغيضة، ويحمل هراوة أو سلاح: “قال رب العمل بأنّك لا يجب أن تغادر حتى تقوم بشراء شيء ما”؟

من حسن الحظ لم يتعرّض أحد لموقف كهذا. لكن لماذا؟ لأن الهيكل الأخلاقي الضامن لإجراء المُناقلات في السوق يفرض بأنّ لكلّ طرف من الأطراف الحقّ بأن يقول” نعم” أو” لا” لمُناقلة ما. وبشكل افتراضي، بُنيت جميع الفلسفات الأخرى والنظم السياسية، التي مرّت خلال التاريخ البشري، على قاعدة معاكسة نوعاً ما، تقول بأنّك لا تملك نفسك أو حياتك أو ممتلكاتك، كلّها تحت تصرف القبيلة البدائية أو ملك العصور الوسطى أو المجتمع.

هذا هو الفرض الذي بُنيت عليه جميع أشكال السياسة والاقتصاد الجمعيين: أنت تعمل لصالح جماعة من الأشخاص، تُؤتمر من قبلهم، تَعيش و تَموت من أجلهم، وتعتقد السلطة السياسية بأنّها تملك الحقّ في إجبارك على الرّضوخ إلى حاجات ومتطلبات الجماعة.

فقط الاقتصاد الحرّ الرأسمالي، الذي تطور في بعض أقطار العالم الغربي، وخصوصاً في الولايات المتحدة، هو الذي حطّم المبدأ الجمعي للعلاقة بين الفرد و المجتمع. وقد ساهمت الأفكار المعاصرة لحرية الفرد وحرية إقامة المشاريع، في تحويل حياة الأشخاص، والهيكل الأخلاقي الضامن للشراكة البشرية.

ظَهَرَ شكل أخلاقي جديد أصبحت من خلاله العلاقات البشرية مبنية على الموافقة المشتركة والمعاهدات الطوعية، إذ يمكن أن يحاول الناس إقناع بعضهم البعض بالتعاون، وإقامة علاقات تجارية، ولكن بدون إجبار أو إكراه أحد على أخذ موافقة الآخرين حتى يصل إلى مُراده. وبالنسبة للأمريكيين، يُنظر إلى هذا الشكل الأخلاقي باعتباره المبدأ الأساسي الذي بُنيت عليه أمريكا: إنّها لحقيقة ساطعة لا تحتاج إلى دليل، أنّ كل الناس ولدوا متساويين، ولهم حقوق مضمونة لا يمكن المساس بها، من بينها، حقّه في الحياة، والحرية، والسعي نحو السعادة.

رعاية الصّدق و الآداب العامة

كنتيجة لهذا المبدأ في الحرية، يتعلّم الأفراد، في سوق المجتمع الحرّ، ويطبّقون سلوكياتِ وآدابَ الاحترام، والتهذيب، والصدق، والمُسامحة، وهذه الأخيرة تنتج، بشكل طبيعي، من الحقيقة التي تقول: لو قُضي على العنف في جميع أشكال العلاقات البشرية، أو على الأقل تمّ تقليص مستوياته للحدود الدُنيا، عندها فإنّ السبيل الوحيد لنيل ما نريد من الآخرين، هو المنطق، والنقاش، والإقناع.

يكون رجل المبيعات مدفوعٌ للتصرف باهتمام و مراعاة تجاه زبائنه، لأنه لا يستطيع إجبارهم على شراء زوج الأحذية الذي يرغب ببيعه، يستطيعون ببساطة تركه وشراء أحذية من بائع آخر، أو يمكنهم الامتناع عن شراء أي شيء.

إنّ الفكرتين القائلتين:” خدمة مع ابتسامة” ، والتي استخدمت بابتذال، و” الزبون دائماً على حق“، هما من تجليّات مبدأ الطوعيّة، الذي هو القاعدة في جميع المناقلات التجارية الحاصلة في السوق، إذْ لا يمكن لأي رجل أعمال أن يحتفظ بحصته من السوق على المدى الطويل، إذا اشتهر بالفظاظة والغش.

وقد شرح الاقتصادي الاسكتلندي المشهور، آدم سميث، الذي عاش في القرن الثامن عشر، منذ زمن بعيد، بأنّ الدافع إلى التهذيب والمراعاة من جانب أي رجل أعمال، هو مصلحته الشخصية، وجميع الشراكات التي تعرف أهمية الشهرة و العلامة التجارية، تعلم ذلك.

قد يبدأ التصرف المحترم كمحاولة لتأمين الربح، ولكن مع مرور الوقت يصبح “التصرف الجيد” جزءاً من التواصل المعتاد، إلى أن يتحوّل لِعادة، والتي يُتوقّع أن تصبح طرفاً في جميع اللقاءات البشرية داخل وخارج السوق. وبهذه الطريقة، ساهمت الضوابط الرأسمالية في رفع السوية الثقافية، والحضارة البشرية.

خلق الروح المعنوية للّإنسانية

تعزّز أيضاً رأسمالية السوق الحرّ الروح المعنوية والتصرف الإنساني. في سوق التنافس غير المُقيد، بالمبدأ، أي شخص لديه فكرة أو حلم له حرية أن يحاول تحويلهما إلى واقع، إذ لا يملك أي شخص أو أي قوة سياسية الحق في منعه عن دخول حقل تنفيذ المشاريع، ليكتشف إمكانية إثمار فكرته أم لا.

تقول” قاعدة اللّعبة الأساسية” في الرأسمالية بأنّ الجميع أحرار في الدخول إلى حلبة المشاريع إذا كان لديهم الإرادة، والإصرار، والدافع، ولا يمكن لأحد معرفة أي الأفكار ستكون ناجحة، قبل تجربتها.

أشار الاقتصادي النمساوي و الحاصل على جائزة نوبل، فريدريك فون هايك F. A. Hayek مرةً إلى أنّ المنافسة هي عبارة عن “عملية استكشاف”. سمة تواضُع السوق تشير إلى أنّ لا أحد، حتى بيروقراطيي الحكومة و الأشخاص الأكثر اطّلاعاً، يمتلك المعرفة الكافية ليكون قادراً على “اختيار الرابحين” و” تَجَنُّب الخاسرين”، من أجل الخير للمجتمع ككل. ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلّا من خلال المُنافسة بغية التفوّق في المشاريع الخاصة؛ يعمل الجميع على كسب رضا الزبون، لكنّه يختار في النهاية من بين المُنتجين بناءً على الأفضلية في تلبية احتياجاتهم.

اختيار الطريق الأساسي

الشعارات الأخلاقية لرأسمالية السوق الحرّ هي: الحريّة، والصدق، والتواضع؛ حريّة كل فرد بأن يعيش ويختار حياته بنفسه، والمتاجرة العادلة بطريقة أخلاقية، والتواضع بالإقرار بأن لا أحد منّا لديه الحكمة الكافية حتى يخطّط لكل المجتمع.

إنّها ليست مُجرّد مسألة أخلاقية خاطئة تقلل من شأن الناس، على اعتبارهم تابعين مأمورين، ولكنّها تقوم أيضاً على تقييد ما يستطيع الجنس البشري التوصل إليه، من خلال مُخيّلات حفنة من المخططين المركزيين. إنّه لمن الأفضل للفرد و المجتمع أن يكون الجميع متحرّراً، وأن يفعلوا ما يحلو لهم بناءً على مصالحهم. إذ ينتفع المجتمع بأكمله من عقل شخص واحد قادر على التصوّر، أكثر من آخرين غير قادرين على ذلك.

نحن الآن في وقتٍ باتت فيه الرأسمالية في موضع حرج بالنسبة إلى أغلب الاتجاهات، وذلك بسبب اليد الثقيلة للتحكّم الحكومي. في العالم الحقيقي، لدينا رأسمالية تُدار و يُتلاعب بها سياسياً، والتي هي بعيدة جداً عن رأسمالية السوق الحرّ في الهيكل الأخلاقي والعادات الاجتماعية الحميدة.

اقتصاد السوق الحرّ الحقيقي، بالتأكيد، ليس كمفهوم “الرأسمالية” الخاطئ، الذي يُقدّم في الإعلام وفي صفوف أساتذة العديد من الجامعات و المعاهد. رأسمالية السوق الحرّ الحقيقية، نظام اقتصادي يَعترف بحقوق الأفراد، ويحترمهم، ويوفّر للإنسانية النظام الأخلاقي الأسمى الذي يضمن فائدة البشر، من خلال تنظيم العلاقات فيما بينهم.

رأسمالية السوق الحرّ هي الطريق الأساسي الأخلاقي للكرامة الإنسانية و الازدهار المشترك. ولو كان بالإمكان نشر أخلاقياتها والقواعد المتعلّقة بها بين الطلبة بطريقة مُقنعة، يمكن مواجهة الأنظمة الشمولية، من خلال قوّة المنطق والفهم البسيط للعلاقة بين الحريّة الاقتصادية، والسلّم المجتمعي، والرفاهية المشتركة، والمستقبل الأفضل للجنس البشري.

  • المؤلف: ريتشارد م إبلينج Richard M. Ebeling
  • ترجمة: جاد ديب.
  • مراجعة وتدقيق: نور عبدو.
هذا المقال مبني على المحاضرة المُلقاة في الاجتماع السنوي للجمعية التعليمية للمشاريع الخاصّة، في ماوي، هاواي ،11 أبريل 2017، جلسة مخصّصة لـ:” تعليم اقتصاد، وفلسفة، وأخلاق رأسمالية السوق الحرّ”.
مصدر Fee
تعليقات
جاري التحميل...