in

منحنى لافر: كيف يؤدي رفع الضرائب إلى تقليل عائداتها؟

اليوم سأتكلم عن نظريةٍ اقتصاديةٍ تدرس العلاقة بين الضرائب والمداخيل الخاصة بالدولة والتي تُسمّى منحنى لافر على اسم الاقتصادي الشهير آرثر لافر الذي درس في جامعة شيكاغو، توضح هذه النظرية شيئين مهمين نحتاج معرفتهما عن الضرائب:

1- كمية المال التي تستطيع الحكومة جمعها من الضرائب.

2- مستوى الضرائب التي تجني فيه الحكومة مداخل أقل و ليس أكثر.

يوضح منحنى لافر هذا عن طريق خط بياني كما موضح في الصورة:

 

الخط الأفقي هو نسبة الضرائب التي تسنها الحكومة والعمودي هو مدخول الحكومة من الضرائب مقارنة بنسبة الضرائب، لنفترض بأن الحكومة فرضت نسبةً ضريبةً تساوي 0 فهذا لن يجلب لها أيّة مداخيل. لنفترض مرةً أخرى أن الحكومة فرضت نسبة ضرائب تساوي 100% فهنا لن يعمل أحد لأنه لن يجد أحدٌ حافز العمل إذا كانت الحكومة ستأخذ كل المال الذي يجنيه، وإن لم يعمل أحد فسيكون الدخل الوطني يساوي صفر.

القضية التي تثير الانتباه في هذا المنحنى والتي قد تبدو للبعض غير منطقيةٍ هي أن المنحني في صعوده من التحت للأسفل دائما نجده على شكل حدبةٍ ووقوع هذا أمرٌ حتميٌّ وطبيعي لأنه يجب أن يرتفع خط المداخيل في الجزء الذي به نسبة ضرائب صغيرةٌ في الرسم البياني ويبدأ في الانخفاض ليصل للنقطة التي تكلمنا عنها في نسبة 100% كضرائب، لكن إن كان المنحني يهبط للأسفل فهذا يعني شيئًا مثيرًا للاهتمام، شيئًا لا يعترف به أولئك السياسيين واليساريين الذين يدعون دائمًا من أجل فرض ضرائب أعلى.

فحين تكون نسبة الضرائب مرتفعة فأنت بهذا تحقق مداخيل أقل لصالح الحكومة وقد حدث هذا تطبيقيًا في أزمة سنة 1929 حين مرّر الكونغرس قانون الهاولي سموث الخاص بالضرائب، بالرغم من أن القانون رفع الضرائب على المنتوجات المستوردة قلّ المدخول الذي يأتي من تلك الضرائب. وهناك مثالٌ آخر حديثٌ وقع في الثمانينات بعد تخفيض الرئيس ريغن للضرائب على الأغنياء بشكلٍ كبير ارتفعت مداخيل الضرائب التي تأتي من الأغنياء بشكلٍ أكبر.

وتم تطبيق أيضا النظرية قبل زمن لافر عندما قام وزير الخزانة أندرو ويليام ميلون الذي يُعتبر من أغنياء عصره بخفض نسبة الضريبة من نسبة 73% إلى نسبة 24% والنتيجة كانت أن مداخل الضرائب الشخصية ارتفعت من 719 مليون دولار إلى 1 بليون دولار.

كلّ الاقتصاديين اليوم حتى بعض اليساريين يتفقون على أن منحنى لافر وقضية الحدبة شيءٌ حقيقيٌّ ويدخل في الحقائق العلمية التجريبية في الاقتصاد Experimental Economics.

وأن المنحنى فعلًا ينزلق نحو الأسفل بطريقةٍ طبيعيةٍ مما يعني أن مداخيل الضرائب تبدأ في الانخفاض حينما ترتفع نسبة الضرائب والاختلاف فيما بين الاقتصاديين كان حول النقطة أو الموضع الذي تتكون فيه الحدبة بالتحديد.

في أواخر القرن العشرين قيل بأن الحدبة تحدث في مكانٍ ما قرب نسبة 70% من الضرائب لكن هذا خاطئ، أصبحت هناك أدلة جديد تقول بأن الحدبة تحدث عند مستوٍ أقل بكثير من الضرائب وبالضبط أو تقريبًا نسبة 33% ومصدر هذه الدراسة قام به الاقتصاديان كريستينا رومر وزوجها ديفيد رومر ولكي لا نبدأ في سماع ردود أفعال اليساريين كالعادة من مؤامرةٍ وبروباغندا الرأسماليين ومنظّري الاقتصاد الحر، يُعتبر هذان الاقتصاديان ليبراليين بالمفهوم الأمريكي ونُشر عملهما في أهم المجلات العلمية حول الاقتصاد The American Economic Review، والنظرية تعتمد بشكلٍ كبيرٍ على الرياضيات فمن خلالها وصلنا للنقطة التي يبدأ فيها المنحني بالهبوط. وهناك أبحاثٌ أخيرة قامت بها The Tax Foundation research حول الضريبة على الشركات وجدت بأن نسبة 25% ستقلص من حجم مداخيل الحكومة في أول تطبيقها لكن بعدها بزمن قليل سيؤدي هذا لارتفاع المداخيل أكثر.

ما يجب أن نعلمه أنه في الاقتصاد لا يهمنا مداخيل الضرائب التي تذهب غالبيتها للسياسيين بل المهم هو المواطن وكيف أن نسبة ضريبة منخفضة ستساعد المجتمع والمواطنين على حريةٍ أكثر وازدهارٍ أكثر ونعلم جيدًا أن الضرائب تضر بجميع جوانب الاقتصاد وتقوم بتحطيمه كليًّا والأمثلة والحقائق العلمية الاقصادية عديدةٌ حول علاقة انخفاض أو ارتفاع الضرائب وتأثيره بالاقتصاد وهناك العديد من الدول الاشتراكية والرأسمالية التي تُظهر لنا نتائج هذه العلاقة، لكن موضوعنا اليوم يعالج بالضبط منحني لافر الخاص بالضرائب والمداخيل لهذا أعالج الموضوع بشكلٍ خاصٍّ وحده لكي يتم فهم هذه النظرية بشكلٍ أكثر.

سبب هذا الانخفاض في المداخيل هو إن أيّ ارتفاعٍ في الضرائب يجبر الشركات على إخراج أموالها لخارج البلاد والقيام باستثماراتٍ خارجيةٍ في أماكن أكثر تحفيزًا ضريبيًا وأيضا تبدأ الشركات في البحث عن حافز الخصومات، والائتمانات، والإعفاءات، والأفضليات الأخرى عندما تكون المعدلات الضريبية مرتفعةً ونفس الشيء بالنسبة للأشخاص فهم يحاولون أيضًا التوصل لأيّ طريقةٍ يتهربون بها من الضرائب من أجل مصالحهم الخاصة للحفاظ على أموالهم التي حصلوا عليها بمجهودهم. أما إذا كانت المعدلات الضريبية منخفضةً فيقبلون دفعها بدون تهربٍ وتحايلٍ.

وهناك أيضًا شركاتٌ عالميةٌ تقوم بتقليل مقدار الدخل الذي تبلغ عنه في بلدها الأصلي وأفضل مثالٍ على هذا هي شركة آبل التي تُعتبر قيمتها السوقية كما تؤكد بيانات وكالة “بلومبرغ” الاقتصادية بأنها تساوي 769.038 مليار دولار أكبر من اقتصادات دولٍ متقدمةٍ وإذا قمنا بمقارنتها مع اقتصادات الدول العالمية ستتمركز في الترتيب 19، وتُعتبر سيولتها المالية أكثر من سيولة كندا وبريطانيا مجتمعتين وبسبب الارتفاع في الضرائب في أمريكا فهي تبقي جزءًا كبيرًا من أرباحها الذي يساوي 218.5 مليار دولار خارج أمريكا، و هذه الأرباح كانت ستجلب للحكومة الامريكية مداخيل أكبر لو قلصت الضرائب.

تدع شركة آبل 93 بالمئة مما تملكه من نقدٍ وأوراقٍ ماليةٍ خارج أمريكا في حساباتها وهذه الطريقة تقوم بها الكثير من الشركات في العالم و هذا يظهر كيف أن أمريكا بسبب سياساتها الضريبية المرتفعة تضيّع كمًّا هائلًا من المداخيل المالية.

والآن بعد تمرير ترامب لقانون خفض الضرائب على الشركات، نتجت عنه نتائج إيجابيةٌ بشكلٍ سريعٍ مما أدى لرفع أجور العمال وارتفاع الاسثمار في البلد وخفض البطالة وأعلنت شركت آبل أنها ستقوم باستثمار مبلغ 350 مليار دولار في السنوات الخمس القادمة في أمريكا بحيث ستوفر 20 ألف منصب عمل وستدفع مبلغ 35 مليار دولار للضرائب.

هنا بطريقةٍ علميةٍ اقتصاديةٍ نرى أن الاقتصاد العلمي لا يتجه لجانب السياسات الإشتراكية، أو لجانب اليساريين الذين يدعون لرفع الضرائب ولحكومةٍ كبيرةٍ، بحيث أصبح مفروضًا عليهم ألا يتجاوزوا نسبة 33% في الضرائب لأنه بعد هذه النسبة تصبح المداخيل المالية من الضرائب التي تحصل عليه الحكومة أقل و لتحسين الاقتصاد ورفع النمو يجب خلق نموذج ضريبي يكون أقل أكثر بكثير من نسبة 30% و لدينا أمثلةٌ تطبيقيةٌ كثيرةٌ على أكثر الدول تقدمًا في العالم ونسبة الضرائب التي تفرضها الحكومة.

المشكلة أنه بالرغم تعارض الحقائق مع السياسيين اليساريين فلا نزال نراهم دومًا يقومون في أول صعودٍ لهم للحكم برفع نسبة الضرائب وبعدما ينهار الاقتصاد يقومون بخلق أعذارٍ وهميةٍ للتغطية على جهلهم العميق بالاقتصاد.

منحنى لافر يؤكد بشكلٍ واضحٍ قول المفكرين الليبراليين الكلاسيكيين (Trop d’impôt tue l’impôt) وهذه المقولة توضح بشكلٍ مبسطٍ منحنى لافر. ويُعتبر هذا المنحني اليوم حقيقةً علميةً أخرى إلى جانب العديد من الحقائق التي تؤكد على أن الاقتصاد العلمي القويم هو الاقتصاد الرأسمالي واقتصاد السوق الذي يعتبر إن الضرائب المرتفعة مضرةٌ بالاقتصاد وإنها تعيق التقدم الإقتصادي والأمثلة التطبيقية على هذا كثيرةٌ في العديد من دول العالم (سنغافورة، هونغ كونغ، كوريا الجنوبية، تشيلي، دبي).

ويؤكد أيضًا الاقتصادي لافر أن هذه الفكرة قد تم التطرق لها من قبل عن طريق المفكر ابن خلدون.

اقرأ أيضا: الرأسمالية والاشتراكية: تشيلي وفنزويلا نموذجاً

المصادر:

  • http://bit.ly/1Mr2r5b
  • http://bit.ly/2vGcJPM
محمد مطيع

كتب بواسطة محمد مطيع

خبير ومحلل اقتصادي، مهتم بالفلسفة، السياسة و الأدب الروسي. أكتب مقالات اقتصادية و سياسية بهدف إغناء المحتوى العربي و الشمال إفريقي بمواضيع و أفكار الحرية، الرأسمالية و الفردانية .

تعليقين

أترك تعليقاً

    One Ping

    1. Pingback:

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    منطقة التجارة الإفريقية الحرة قد تنقذ الملايين من الفقر

    الاقتصاد المؤسساتي