شغف المعرفة

الفردانية والحرية: أعمدة حيوية لمجتمعات حقيقية

الفردانية هي الرأي القائل بأن لكل شخص أهمية أخلاقية وحقوقًا معينة، إما ذات أصل إلهي أو متأصلة في الطبيعة البشرية. كل فرد يوجد، يُدرِك، يجرّب، يفكر، ويعمل داخل جسده وعبره، وبالتالي انطلاقًا من نقاط فريدة في الزمان والمكان. الفرد فقط هو من يملك القدرة على امتلاك العقلانية المبتكرة والإبداعية. بإمكان الأفراد أن يكونوا مترابطين، ولكن التفكير يتطلب مفكرا مستقلًا. الفرد يتحمل مسؤولية التفكير لنفسه، والفعل بناءً على تفكيره، وتحقيق سعادته الخاصة.

الحرية هي الحالة الطبيعية للفرد. فمنذ الولادة، يمتلك كل شخص القدرة على توليد أفكاره الخاصة والسيطرة على طاقاته من أجل العمل وفقا لتلك الأفكار. ويمكن للناس أن يشرعوا في اتخاذ اجراءات هادفة عندما يكونون متحررين من القيود التي يصنعها الإنسان، عندما يكون هناك غياب للإكراه من جانب أفراد آخرين أو مجموعات من الناس، أو من الحكومة. الحرية ليست القدرة على الحصول على ما نريد. حيث أن العقبات الطبيعية مثل الإعاقة أو نقص الذكاء أو الموارد قد تؤدي إلى فشل المرء في تحقيق رغباته. الحرية تعني غياب القيود القسرية؛ ولكنها لا تعني غياب جميع القيود. ويترتب على ذلك أن الحرية شرط ضروري، ولكن ليس كافيا، للسعادة.

يمكن تعريف السعادة الفردية على أنها التجربة العاطفية الإيجابية والواعية التي ترافق أو تُستمد من استخدام الإمكانيات البشرية، بما في ذلك المواهب والمهارات والصفات الحسنة. إن الشعور بالانتماء إلى مجتمعات تم إختيارها بحرية هو مكون هام من مكونات السعادة.

تنكر الفردانية أن للمجتمع أي وجود بخلاف الأفراد الذين يشكلونه. المجتمع عبارة عن مجموعة من الأفراد، وهو ليس شيئا ملموسا أو كيانًا مستقلًا عن مكوناته. استخدام مصطلح مجرد مثل المجتمع هو إشارة إلى أشخاص يشتركون في خصائص محددة وذات صلة بطرق معينة. لا توجد إرادة عامة، ولا منطق جماعي، ولا رفاه جماعي. لا توجد إلا إرادةُ، ومنطقُ، ورفاهيةُ كل فرد في المجموعة. فالمجتمع هو مجرد رابطة بين أشخاص من أجل العمل الجماعي. والعمل الجماعي المنسّق هو نتيجة للجهود الذاتية التي يبذلها كل شخص داخل المجموعة.

على الرغم من أن الفرد (من وجهة نظر ميتافيزيقية) هو الأساس، والمجتمعات ثانوية ومشتقة، إلا أن المجتمعات مهمة لأن الناس في حاجة إليها للوصول إلى السعادة. فالروابط الاجتماعية ضرورية لتلبية الرغبات غير الاجتماعية للأفراد؛ فالانتماء ضروري للإزدهار. إن نظامًا سياسيًا حرًا يحترم الحقوق الطبيعية ويتيح الحرية الفردية، يدعم على أفضل وجه تشكيل مجتمعات طوعية يختار الناس من خلالها العيش وفقا لقيمهم المشتركة التي يختارونها بحرية .

المجتمعات الحقيقية هي مجتمعات يتم اختيارها بحرية

إيلاء أهمية أساسية للفرد لا يقلل من قيمة التعاون الاجتماعي. فالبشر ليسوا فقط أفرادًا مستقلين ولكنهم أيضا كائنات اجتماعية. ويتيح العمل التعاوني إمكانية النمو ويجلب منافع لا يمكن لأفراد معزولين تحقيقها. عقلانية الإنسان تسمح له بالتعاون والتواصل مع الآخرين. وفي مجتمع حر، يكون دخول أي مشروع اجتماعي تعاوني تصرفًا طوعيًا. في الواقع، الفردانية توفر الأساس النظري الأفضل لمجتمع حقيقي جدير باحتضان الحياة البشرية. والعلاقات الطوعية المفيدة للطرفين، بين الأفراد المستقلين، ضرورية لتحقيق مجتمعات بشرية حقيقية. فالطابع الفريد للشخص وقيمته تكون مؤكدة عندما يكون الإنتماء إلى مجتمع ما إختيارًا طوعيًا للأفراد الذين يكونونه.

الفردانیة والاستقلالیة تجعلان التكافل بين مكونات المجتمع تكافلًا حرًا

يلاحظ ستيفن كوفي، في كتابه سبع عادات للأشخاص ذوي الفعالية العالية أن التكافل هو خيار لا يمكن أن يتخذه إلا الأشخاص المستقلون. إن شخصًا ذا مبادئ وقيم توجهه ذات أهمية مركزية بالنسبة له، ينظم وينفذ أولويات حياته بنزاهة، قادر على بناء علاقات ثرية ودائمة ومثمرة مع الآخرين. فالاستقلال الحقيقي للشخصية يمكِّن الشخص من التصرف بدلا من يتم التصرف فيه. وإستقلال الشخصية يتطلب منه أن يدمج مبادئ معينة مثل النزاهة والشجاعة والعدالة والصدق والإنصاف في طبيعته. الناس المتكافلون يجمعون جهودهم مع جهود الآخرين لتحقيق المزيد من النجاح والسعادة. وهم أشخاص قادرون ومعولون على أنفسهم ويدركون أنه بالإمكان تحقيق أكثر بالعمل معا من العمل الفردي. ويختار الأشخاص المتكافلون مشاركة أنفسهم مع الآخرين والتعلم منهم وفهمهم وحبهم، وبالتالي يمكنهم الوصول إلى مواردهم وإمكانياتهم.

المجتمعات الحقيقية تحترم أولوية الأفراد الأحرار

الحرية والعدالة والفضيلة والكرامة والسعادة كلها يجب أن تُحَدَّد بالرجوع إلى الفرد؛ ومع ذلك، فإن السعي لتحقيق السعادة الفردية يحدث بشكل طبيعي وشبه دائم تقريبا داخل المجتمعات. للناس كأفراد احتياجات لا تمكن تلبيتها إلا من خلال التعاون مع الآخرين، فمن المستحيل تحقيق الإنجاز الإنساني بمعزل عن الآخر. المجتمع الحقيقي يحترم الأحرار. وتنشأ مجتمعات حقيقية عندما يكون الناس أحرارا في تشكيل جمعيات تطوعية للسعي وراء مصالحهم الفردية والمشتركة. و احترام هؤلاء الأشخاص يعني احترام أشكال الجمعيات التي يختارونها لذلك الغرض.

الأفراد لا ينطلقون من حالة العزلة، فالوجود يعني التعايش. الولادة، بطبيعتها، تتم داخل الأسر المتكونة من الآباء والأشقاء والأجداد والعمات والأعمام وأبناء العم. ولهؤلاء بدورهم الكثير من الإنتماءات في عدة مجتمعات وجماعات طوعية. في مجتمع حر، يميل الأفراد إلى الانتماء في وقت واحد إلى العديد من المجتمعات المختلفة. وبدرجات متفاوتة، يجد كل شخص نفسه منتميًا إلى مجتمعات عائلية أو دينية أو جغرافية أو مهنية أو عرقية أو إثنية أو ثقافية أو اجتماعية أو سياسية أو غيرها. وعادة، وليس بالضرورة، ما تكون هذه المجتمعات محلية ولكن محدودة بعدد الأشخاص الذين يمكن ان يكون للشخص علاقة او معرفة شخصية بهم ويشاركهم مصلحة مشتركة واضحة. والتقدم التكنولوجي المستمر في مجال الاتصالات والنقل يعزز قدرة الناس على اختيار المجتمعات التي تلبي احتياجاتهم وتطلعاتهم على أفضل وجه.

الحكومة المقيدة تسمح للمجتمعات الحقيقية بالإزدهار

الترابط بين المواطنين في المجتمعات والجمعيات الطوعية يتيح لهم البقاء مستقلين عن الدولة. والحياة في المجتمعات التي يتم إختيارها بحرية أفضل للشخص من الحياة كفرد منفصل في دولة قومية كبيرة. يفضل المعارضون لسلطة الدولة وضع أكبر عدد ممكن من المجموعات الطوعية الوسيطة بين الدولة والفرد، تساعد هذه المؤسسات الوسيطة الأفراد على تحقيق أهدافهم بحرية أكبر وأكثر كمالًا. مبدأ التفرعية ينص على أن الدولة يجب أن تقيد أنشطتها بالأنشطة التي لا يمكن للأفراد والجمعيات الخاصة أداءها بشكل فعال. ويتم إتخاذ القرارات بأكثر حكمة من قبل الأفراد والمنظمات المحلية الأكثر قربًا من الحقائق اليومية. وتتيح التفرعية للأفراد الأحرار الإزدهار في المجتمعات الحقيقية دون تدخل الدولة.

ليس الغرض من الدولة مساعدة الناس ماديا أو معنويًا للسعي وراء تصوّرهم الخاص للسعادة، فهذا هو دور الأفراد والمجتمعات، والجمعيات الطوعية. الوظيفة المناسبة للدولة ليست أكثر من حماية الناس خلال سعيهم لتحقيق سعادتهم الخاصة. وهذا يعني ببساطة منع تدخل الأفراد الآخرين في هذا السعي.

وبما أن الحكومات النشطة الكبيرة غير مناسبة لتشكيل المجتمعات الطوعية وعملها، فإن توليد مثل هذه المجتمعات تُسهِّله حكومةٌ مقلّصة مقيدة تعمل في إطار قيود الفردانية الليبرالية. والعلاقات الشخصية الثرية والمثمرة القائمة على التعاون الطوعي والمساعدة المتبادلة لا تتوفر إلا في الأنظمة الصغرى المبنية على الحقوق. فحرية الأفراد شرط ضروري لتكوين وحيوية المجتمعات الحقيقية.

  •  ترجمة: شهاب البرقاوي.
تعليقات
جاري التحميل...