in

الرأسمالية الإسلامية: الإزدهار الإقتصادي التركي

تنويه: هذا المقال نشر بواسطة نيكولاس إليوت عام 1989، ولا علاقة له بفترة حكم حزب العدالة والتنمية حالياً.

بعد أن كانت تلقب برجل أوروبا المريض، تبني تركيا الآن مستقبلا مزدهرا. الاقتصاد التركي ينمو بمعدل أسرع من أية دولة أخرى في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، بما في ذلك اليابان وبريطانيا العظمى والولايات المتحدة. يبدو أن الأتراك قد طوروا اتحادا ناجحا بين الإسلام والرأسمالية، وهو ما لا ينجح على الدوام.

وقد تشكل انطباعي الخاص في رحلة أجريتها مؤخرا إلى اسطنبول، شهدت خلالها النشاط التجاري المحموم الذي يغذي الاقتصاد التركي. اسطنبول هي مدينة ذات وتيرة سريعة، زوبعة من الناس يسرعون إلى وظائفهم، ويعملون بجد.

بالنسبة إلى بلد لا يزال فقيرا نسبيا، فإنه من المفاجئ عدم العثور على أي متسولين. بدلا من ذلك، يعمل الجميع في أي تخصص يمكن أن يجدوه. بالنسبة لوجهة النظر الغربية، فإن بعض هذه الوظائف تبدو حقيرة: خارج محطة السكك الحديدية صف من الرجال يتراكمون فوق جرار دهان الأحذية، ويعرضون مسح أحذية المارة. تجد في كل مكان رجالًا وفتيانًا يجلسون القرفصاء بجانب أباريقهم، ويعرضون الماء البارد للبيع. بالنسبة للأتراك، هذه الوظائف البسيطة هي وسيلة لكسب لقمة العيش. وكل هؤلاء يسهمون بشكل صغير في النمو الاقتصادي.

تحتاج تركيا إلى نمو اقتصاد متزايد لدعم النمو السكاني الكبير. حيث قد يصل عدد السكان الحالي البالغ 52 مليون نسمة إلى 75 مليون نسمة بحلول نهاية القرن.

في اسطنبول، الأطفال في كل مكان. و تركيا بصدد الخروج من ثقافة العالم الثالث، التي يشكل فيها الأطفال جزءا هاما من اقتصاد الأسرة. يذهب الأطفال للعمل في أعمال العائلة، ويعيلون آبائهم في سن الشيخوخة. في اسطنبول، الأطفال الصغار يعملون في المحلات التجارية، ويبيعون حزمًا من البطاقات البريدية للسياح، ويبيعون الحبوب للزوار الذين يرغبون في إطعام الحمام، أو يتعلمون تلميع الأحذية.

وبالنسبة للزائر البريطاني، فإن مشهد تنظيف طفل صغير للأحذية يصطدم بالمحظورات التي بنيناها حول تشغيل الأطفال. في بريطانيا، قمنا بسن تشريعات لجعل الأطفال يذهبون إلى المدرسة حتى سن السادسة عشر عاما. نحن نجبر الأطفال على دراسة تاريخ الملوك والملكات والمخطوطات الجليدية، والذهاب في رحلات عبر البلاد. العديد من الأطفال الذين يمرون من خلال هذا النظام لا يجنون الكثير من المعرفة أو القيم المفيدة.

في اسطنبول، يبدأ الأطفال في تعلم كيفية عمل العالم في سن مبكرة. يتعلمون ثواب العمل الشاق. يتعلمون شيئا عن صعوبات وفوائد الاستقلال والمسؤولية. ذكرني هذا المشهد بماسح الأحذية، بطل رواية “حياة الشارع في نيويورك” لهوراشيو آلجر.

أدرك الأتراك صغار السن أن جزءا كبيرا من مستقبلهم يعتمد على العمل مع الأجانب الغربيين. وقد تعلم العديد من الأطفال فوائد القدرة على البيع بأكثر من لغة. وقفت في متجر بطاقات بريدية في اسطنبول، وكنت محاطا بمجموعة من الأولاد الذين سألوني من أين جئت، ثم سألوني بطلاقة باللغة الإنجليزية عما أريد شراءه. وعندما توقف ألماني للنظر، تحدثوا معه باللغة الألمانية. وقد تعلم هؤلاء الأولاد مهاراتهم في اللغة من عثورهم على استخدام لها في حياتهم اليومية.

اسطنبول هي جسر بين قارتين، في أكثر من المعنى الجغرافي. على الحدود الشرقية لتركيا توجد إيران، وهي محور صحوة إسلامية أصولية عالمية، حركة لفرض القانون المقدس بلا رحمة ولا هوادة. في اسطنبول النساء يغطين وجوههن، والآذان الصادر من المساجد له صدى في كامل المدينة، فتركيا هي جزء من ثقافة تمتد عبر آسيا الإسلامية. مع هذا فإن تركيا الحديثة تقوم على أفكار كمال أتاتورك (1881-1938)، الذي سعى إلى جعل تركيا جمهورية علمانية. الأتراك جادون فيما يتعلق بدينهم، ولكن يدركون أن للدين مكانه الخاص.

أحد الأسباب التي تجعل المسلمين أحيانا مشككين في الرأسمالية هو أنها يمكن أن تؤثر على النمط الإسلامي للمجتمع. فالرأسمالية تستلزم توسيع نطاق الاختيار، وهذا هو أساس ونتيجتها. عبر توفير رفوف جديدة من السلع المادية، تغري الرأسمالية المسلمين بالقيم الغربية. الرأسمالية لا تحترم أي تسلسل هرمي للسلطة. فهي تتيح للأفراد أن يعيشوا بشكل مستقل عن الحكومة، وتعطي السلطة للناس. وهي تفتح شبكات جديدة للاتصال، خارج سيطرة أولياء القانون المقدس. وحيثما يفرض الإسلام كرمز صارم للتوحيد، فإن الرأسمالية قد تشكل تهديدا.

في اسطنبول، تجد بجانب المساجد محلات لبيع الكاميرات اليابانية. بين رموز الثقافة التقليدية والقديمة تجد زخارف المادية الغربية. قد يبدو هذا نوعًا من التناقض، ولكنه أيضا ميزة لتسامح المجتمع التركي. تركيا لا تزال دولة إسلامية، وهي عضو في منظمة المؤتمر الإسلامي، ولكن المجتمع التركي يتميز بمرونة يمكن أن تقبل الاختلاف وبإنفتاح لم تكن له قيمة أكثر من اليوم.

من الجهة الشرقية، يجب على تركيا أن تتعامل مع تأثير فكر الصحوة الأصولية، ذي الشعبية لدى طلبة الجامعات. أما من الغرب، فتأتي جاذبية الليبرالية والتسامح. من المحتمل أن يسبّب هذا الاجتماع بين الشرق والغرب صراعا للقيم قادرًا على تمزيق المجتمع، لكنه سيكون على الأرجح الأساس الذي ستقوم عليه تركيا الحديثة. بإمكان تركيا أن تجد الرخاء الإقتصادي والهيبة الكافيين للدخول في التجارة الدولية والعلاقات الدولية.

بعض الأتراك منزعجون من التغييرات التي رافقها وجود أثرياء جدد. وقد بدأ بعض المراقبين في بريطانيا بالتحسر على فقدان “الحياة البسيطة” في تركيا. لكن مخاوفهم هذه لا أساس لها: الثقافة التركية أعمق من أن تندرج ضمن الحياة الغربية. وبالنسبة لمعظم الأتراك يجب أن يكون المستقبل أفقًا مثيرًا، في بلد يكتسب يوما بعد يوم المزيد من الاحترام والقدرة على التأثير.

لقد وصلت العديد من حكومات العالم الثالث الى نهايات غير قابلة للتطبيق خلال محاولاتها لتحديث بلدانها عبر تطبيق أفكار خاطئة (مثل التجارب الإشتراكية للقادة العرب القوميين). أما تركيا فهي أحدى الأمثلة الأفضل، بلد ينجح فيه التقدم الاقتصادي عبر تركه يتطور من خلال جهود الأفراد.

المصدر

ما رأيك في هذا المحتوى؟

Avatar

كتب بواسطة شهاب البرقاوي

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Loading…

0

Comments

0 comments

العوامل التي ساهمت في تقدم كوريا الجنوبية

مناهضة الرأسمالية: شائعة للغاية، خاطئة للغاية!