شغف المعرفة

هونغ كونغ: الاقتصاد الأكثر حرية في العالم

للسنة العشرين على التوالي، يصنف مؤشر الحرية الاقتصادية – الذي أعدته صحيفة وول ستريت جورنال و Heritage Foundations هونغ كونغ على أنها الاقتصاد الأكثر حرية في العالم.

ما يجعل هونغ كونغ أكثر الاقتصادات الحرة هو أنّها تتميز بفساد قليل، قضاء فعال ومستقل، احترام سيادة القانون وحقوق الملكية، نظام ضريبي غير معقد بمعدلات منخفضة على كل من الأفراد والأعمال التجارية وعبء ضريبي إجمالي لا يمثل سوى 14٪ من الناتج المحلي الإجمالي (نصف نسبة الولايات المتحدة الأمريكية).

لا وجود للضرائب على أرباح رأس المال أو دخل الفائدة أو حتى على الأرباح من خارج هونغ كونغ، لا ضريبة على المبيعات ولا وجود لضريبة القيمة المضافة. فتدخل الحكومة خفيف جداً حيث لا يوجد عجز في ميزانية الحكومة والديون العامة غير موجودة تقريبا، والتعريفات الجمركية على التجارة تقارب الصفر وهو شيء لا مثيل له في أماكن أخرى من العالم. كما يصنف البنك الدولي “سهولة ممارسة أنشطة الأعمال” في هونغ كونغ على أنها الأفضل على وجه الأرض. وقد كتب فريدمان في عام 1998:

“قارن بين بريطانيا ـ مهد الثورة الصناعية والقوة الاقتصادية العظمى للقرن التاسع عشر التي لا تغيب عنها الشمس ـ مع هونغ كونغ، بصيص من الأرض، مكتظة وبلا موارد باستثناء ميناء كبير. لكن في غضون أربعة عقود، حقق سكان هذه الأرض المزدحمة مستوى دخل أعلى بنسبة الثلث من سكان بلدهم الأم السابق.”

لا تعتبر هونغ كونغ الاقتصاد الأكثر حرية فحسب، بل إنّه أيضاً أحد أغنى الاقتصادات في العالم. فقد زاد متوسط دخل الفرد فيها بنسبة 264 % من المتوسط العالمي في السنوات الخمس عشرة الماضية. والناس لا يفرون من هونغ كونغ بل يتدفقون إليها بشغف، حيث كان عدد سكانها يبلغ 750 ألف نسمة في نهاية الحرب العالمية الثانية، واليوم يساوي ما يقرب 7.1 مليون نسمة. وبذلك فإنّ القول بأنّ الاقتصاد الأكثر حريةً هو القول بإنّه الأكثر رأسمالية، فالرأسمالية هي ما يحدث عندما تترك الأفراد المسالمين يتعاملون بحرية مع بعضهم البعض.

لمحة تاريخية عن هونغ كونغ

 

كانت معظم هونغ كونغ الحديثة خراباً مهجورا، وكان “كانغ شي” أول إمبراطور صيني يسمح بالتجارة مع الأجانب لكن على نطاق محدود سنة 1685. وكانت حرب الأفيون التي قامت بين إمبراطورية الصين بزعامة سلالة تشينغ وبريطانيا تزامن الوقت الذي ستبدأ فيه مكانة هونغ كونغ بالتحسن، وقد كان سبب الحرب هو محاولة الصين الحد من زراعة الأفيون واستيراده ممّا جعل بريطانيا تقف في وجهها بسبب الأرباح الكبيرة التي كانت تجنيها هذه الأخيرة من تجارة الأفيون في الصين. فقامت حرب الأفيون في عام 1839 وكان من نتائجها أن أصبحت هونغ كونغ مستعمرة بريطانية.

لم تكن هونغ كونغ  لتكون أبداً القوة الاقتصادية التي هي عليها اليوم إذا كان للسياسيين البريطانيين أو الصينيين الكبار أيّ رأي في المسألة. فقد استحوذت بريطانيا على جزيرة هونغ كونغ في عام 1842 من خلال صفقة بين الممثل البريطاني، الكابتن تشارلز إليوت والمفاوض الصيني، الماركيز شي يينغ، لتسوية قضايا الحرب التي اندلعت بسبب قضايا التجارة وكانت التقييمات المبكرة لإمكانات هونغ كونغ التجارية متشائمة. فتوصل اللورد بالمرستون، الذي ربما يكون أسوأ توقع على الإطلاق من قبل دبلوماسي بريطاني بحيث اعتبرها فقط “جزيرة قاحلة ، لن تكون أبداً سوق تجارة”، فقد وجد أنّه لا توجد تجارة بأي نطاق ملحوظ في هونغ كونغ وبالكاد هناك شركة في الجزيرة، وقال أنّه يسعده استعادة نصف المبلغ الذي أنفقه في المستعمرة والتقاعد من المكان. فبالنسبة له لا يبدو أن هناك احتمالاً ضئيلاً بأن تصبح هونغ كونغ، تحت أي ظرف من الظروف، مكاناً للتجارة. ومع ذلك، بدأت بعض التجارة في الظهور نتيجة إنشاء مستودعات للتجار البريطانيين. لكن السياسات البريطانية المبكرة المتعلقة بأراضيهم الجديدة لم تفعل سوى القليل لتعزيز النمو الاقتصادي. ووجد تحقيقٌ برلماني عام 1847 عن الوضع الاقتصادي في هونغ كونغ أنّ الحكم البريطاني قد جلب معه في بادئ الأمر حكومة مصمّمة على رفع أكبر إيرادات ممكنة وأنّ هذا قد أضر بالتجارة، وخلُص إلى أنّ القيود المفروضة على التجارة التي قامت الإدارة البريطانية بوضعها لرفع الدخل أدت لإعادة هونغ كونغ للوراء أكثر.

خلقت بريطانيا في هونغ كونغ ميناء ممتازا وحكم القانون هذا يعني أنّ هونغ كونغ كانت مركزاً تجاريا طبيعيا، لكنّها لم تكن المكان الأفضل للتدوال في الصين. وبحلول أوائل القرن 20 نجحت شنغهاي في كسب التجارة بعيداً عن هونغ كونغ، حيث قامت شنغهاي بعرض موقع أكثر ملائمة وسكان أكثر تعليما، وسهولة الوصول إلى الحماية الأوروبية بموجب تنازلات من قبل الحكومة الصينية وأيضا التدخل القليل والنسبي من الحكومة الصينية الذي كان سببه تراجع قوتها الإمبريالية. وبحلول عام 1910 أصبحت شنغهاي مركزاً تجاريا أكثر أهمية من هونغ كونغ بكثير، ومع اختيار البريطانيين لسنغافورة كمركز للقوة البحرية البريطانية في المنطقة فُقدت قيمة هونغ كونغ بالنسبة للحكومة البريطانية ولم تعرها اهتماماً. نتيجةً لذلك، أصبحت المستعمرة راكدة ومعروفة كمركز للدعارة والمقامرة بدلا من القوة الاقتصادية التي هي عليها اليوم. وفي عهد انتشار الاشتراكية في الصين وانتشار المجاعات والمعاناة عرفت هونغ كونغ هجرة العديد من الناس من مختلف المناطق هروباً من الاشتراكية التي حطمت أحلامهم وحياتهم. وبحلول شهر مارس من عام 1950، كان عدد سكان المدينة 2.3 مليون نسمة، ممّا جعل هونغ كونغ قوة عمل متزايدة بشكل كبير و تمتلك رأس مال بشري مهم لأصحاب المشاريع الصينيين الذين فروا من جيوش ماوتسي تونغ. وعلاوةً على ذلك، فإنّ النصر الشيوعي يعني أنّ شانغهاي لم تعد منافساً جاداً لهونغ كونغ.

جلبت موجة الهجرة إلى هونغ كونغ ثروات بشرية مهمة وإبداعية ساهمت في تقدم هونغ كونغ، فبدلاً من البرامج الضخمة للإنفاق الحكومي أو طلبات المساعدة الخارجية للتعامل مع الكم الهائل من اللاجئين المتدفقين إليها، قامت هونغ كونغ بحل هذا الأمر عن طريق الاعتماد على المبادرة الخاصة. حيث كان أحد المهاجرين إليها آنذاك واحدٌ من رجال الأعمال الأغنياء اليوم في هونغ كونغ أثناء عمله في محطة شانغهاي للسكك الحديدية كحمال ويسمى جيمي لي، فقد قام مسافرٌ بإعطاء جيمي أول شوكولاتة له وكان جيمي لي جائعا فأكلها على الفور، ركض وراء الرجل وسأله من أين جاء بهذا الطعام الرائع وكان الجواب “هونغ كونغ”. فما كانت ردة فعل جيمي لي إلا التصميم على الوصول إلى المكان الذي تتوفر فيه هذه العجائب التي لم يتذوقها يوما، وأقنع في النهاية أمه للسماح له بالهروب، وتم تهريبه إلى خارج الصين في قاع قارب الصيد. وعند وصوله إلى هونغ كونغ، ذهب للعمل في نفس الليلة في مصنعٍ للملابس. واليوم، يعتبر لي مليارديراً، يملك واحدة من أنجح شركات الإعلام في آسيا. فقد لعبت مهاراته في القيادة وريادة الأعمال دوراً رئيسيا في نجاحه، بالطبع، لكن الحرية المتاحة في هونغ كونغ هي التي سمحت له بأن يضع مواهبه في العمل. اتخذت هذه الحرية أشكالاً عديدة، بما في ذلك غياب قيود العملة المعمول بها في ذلك الوقت في المملكة المتحدة ومعظم أوروبا، وقليل من القوانين التي تنظم الأعمال والتي كانت من بين السياسات التي ساهمت في بدء ازدهار هونغ كونغ.

يحكي لي قصته بشكل مؤثر في الفيلم الوثائقي: Acton Institute documentary The Call of the Entrepreneur.

كتب كريستوفر باتن، الحاكم البريطاني الأخير لهونغ كونغ ، في مذكراته: الشرق والغرب، اللاجئون من الشيوعية الذين تدفقوا إلى هونغ كونغ المدينة الحرة الوحيدة في الصين: “المجتمع الصيني الوحيد الذي عاش لفترة 100 عام وسط نموذج مثالي لم يتحقق في أي وقت من تاريخ المجتمع الصيني، هو مجتمع هونغ كونغ، في الوقت الذي كان على رجل أن يعيش في خوف من سماع طرق بابه في منتصف الليل”. إنّ هذه البلدة الصغيرة قامت بتحقيق الهدف الكونفوشيوسي بالكامل الذي يقول: “اجعل الناس المحليين سعداء واجذب المهاجرين من بعيد”.

استفادت هونغ كونغ من خبرتها التجارية طوال العقود السابقة، ومع وجود مخزونات من السلع المستوردة المخزنة محلياً، تمكن التجار في هونغ كونغ من تسليم شحنات سريعة إلى البلدان المجاورة. وساعد سوق المال الحر في هونغ كونغ بحل مشكلة المدفوعات بالنسبة للعديد من المشترين، ومجموعة واسعة من المرافق التجارية والميناء المعفاة من الرسوم الجمركية شجعت الشركات الأجنبية للحفاظ على مكاتب المبيعات الإقليمية لها هناك. كما تم توسيع الصناعة وفي الوقت نفسه تم بذل جهود كبيرة لتطوير أسواق أكبر للتصدير، قُدمت منتجات جديدة وتم تكييفها مع احتياجات المستهلك في البلدان المختلفة. فعلى سبيل المثال، يعود النمو الهائل في صناعة المنسوجات في المنطقة لأربعة أضعاف إلى حد كبير إلى عمليات التسويق الماهر، فقد تميزت هذه الصناعة بإنتاج الملاحم في تجارة البحار الجنوبية، القفازات الصوفية للمشترين الأوروبيين، القماش الرخيص لأفريقيا، القمصان الجافة المجففة للولايات المتحدة وملابس الحياكة القطنية لجنوب شرق آسيا. وفي العقد الماضي، تضاعفت العمالة في المصانع ثلاث مرات. وعلى الرغم من التقلبات في جميع التجارة، فقد ارتفعت صادرات المصنوعات في هونغ كونغ بثبات، من 10% من إجمالي مبيعات التصدير في عام 1947 إلى ما يقرب من 70% عام 1960 من حيث القيمة، ويمثل هذا ارتفاعًا من حوالي 40 مليون دولار إلى ما يقرب من 400 مليون دولار علما أنّ أكثر من نصف الصادرات تتكون من المنسوجات والملابس، أدوات المطبخ، الأحذية المطاطية، المواد البلاستيكية ومواد أخرى عديدة تتميز بأشد المنافسة في الأسواق العالمية. إضافة إلى أنّ هونغ كونغ تتمكن من التنافس بفعالية لأن تكاليف إنتاجها منخفضة. في غياب ضوابط الصرف، يستطيع رجال الأعمال شراء المواد الخام في السوق بأسعار أرخص، ولأنهم لا يعتمدون على الحكومة مقابل خدمات باهظة الثمن، فإنّهم يدفعون ضرائب منخفضة جداً وأيضاً يعتبر العمال المحليين مجتهدين وسريعي التعلم. كما اتبعت هونغ كونغ سياسة تحرير التجارة من جانب واحد، وهو ما يعني أنّ هذه المستعمرة سمحت لبلدان أخرى بالتصدير إليها بدون أية رسوم جمركية بغض النظر عما إذا كانت الدول الأخرى قد ردت بالمثل أم لا، فبالنسبة لهونغ كونغ، تعد حرية التجارة هي الحياة نفسها.

الرجل وراء تقدم هونغ كونغ

يرجع تقدم هونغ كونغ المهم إلى السير جون جيمس كاوبرثويت John James Cowperthwaite ، الشخص الذي قام بتطبيق فعلي للسياسات الليبرتارية على اقتصاد هونغ كونغ. عمل في الخدمة الإدارية الاستعمارية البريطانية في هونغ كونغ أوائل 1940 بعد الحرب وطُلب منه وضع خطط للحكومة لتعزيز النمو الاقتصادي. من وجهة نظره لاحظ أن الاقتصاد كان يتعافى بشكل جيد تماماً دون توجيه الحكومة. وهكذا، بينما كانت بلاده الأم متداعية بسبب الاشتراكية تحت حكم كليمنت أتلي، أصبح هو مناصراً لما أسماه “عدم التدخل الإيجابي Positive Non-Interventionism”، وعمل لاحقاً بصفته وزير المالية في المستعمرة من عام 1961 إلى عام 1971 بحيث قام بإدارتها شخصيا. وفقا له:

“على المدى الطويل، قرارات رجال الأعمال الفردية وممارسة الحكم الفردي في الاقتصاد الحر، حتى ولو كان ذلك في كثير من الأحيان خاطئاً، أقل ضرراً من القرارات المركزية للحكومة؛ وبالتأكيد من المرجح أن يتم التصدي للضرر بشكل أسرع”.

كما يعود له الفضل في تقديم سياسات اقتصادية رأسمالية ساهمت في تحويل هونغ كونغ بعد الحرب إلى مركز مالي عالمي مزدهر، ففي سنة 1962 قام بإعلان رؤيته للاقتصاد بقوله:

“في مجال واسع من اقتصادنا لا يزال المسار الأفضل لاعتماده هو نظرية اليد الخفية التي ظهرت في القرن 19 عوض التدخل غير الملائم لأصابع البيروقراطية إلى آليته الحساسة”.

فهو لم يكن يحب الحمائية أو الدعم الذي تقدمه الدول للصناعات الجديدة، ما يسمى بالشركات الناشئة، بل يرى أنّ الشركات الناشئة إذا تمّ إدلالها (بمعنى دعمها) تميل إلى أن تظل صناعة ناشئة ولا تنمو أو تتوسع أبدا. وفي العديد من دورات الاقتصاد الجامعي، من الصعب معرفة أين تترك الرياضيات وأين يبدأ الاقتصاد الفعلي. فبالنسبة لكاوبرثويت، السعي المخطط للحصول على الإحصاءات كان لعنة، لذا رفض تجميعها. وعندما سأله ميلتون فريدمان في عام 1963 عن “قلة الإحصاءات” أجاب كاوبرثويت قائلاً:

“إذا سمحت لهم بحساب هذه الإحصائيات، فسوف يرغبون باستخدامها للتخطيط”.

إذا كان هذا يبدو متخلفاً أو خاطئاً للبعض فدعوني أذكركم أنّ أكبر الأزمات الاقتصادية خلال القرن الماضي كانت مخطّطة مركزياً ومفتوحة بالأرقام. فقد كرست وزارات كاملة لتجميعها لأنه حتى الأرقام الرديئة أعطت للمخططين وهم السيطرة.

في العقد الذي أمضاه كاوبرثويت كوزير للمالية، ارتفعت الأجور الحقيقية بنسبة 50% وانخفضت نسبة الفقر الحاد من 50 إلى 15%. الجدير بالملاحظة هو أن هونغ كونغ أنجزت كل هذا بدون مورد أساسي سوى شعبها. لم يكن لدى المستعمرة أي أراض زراعية أو موارد طبيعية، وحتى المورد الوحيد الذي تملكه، أي الناس، يفتقرون إلى الكثير من التعليم. وليس البريطانيون وحدهم من جعلوا هونغ كونغ ناجحة، بل سكانها من عمال المصانع إلى رجال الأعمال الذين حولوا هونغ كونغ من جزيرة قاحلة إلى قوة اقتصادية. كانوا قادرين على فعل ذلك لأنّ حكومة هونغ كونغ تركتهم يتعاملون بشكل حر بما فيه الكفاية. هونغ كونغ بعيدة كل البعد عن الكمال، وبعيدة عن عالم الأحلام التحررية. لكنها لا تزال مثالاً دراماتيكياً على المدى الذي يمكن أن تخلقه براعة الإنسان وموهبة ريادة الأعمال في المجتمع.

بعد تقاعد كاوبرثويت عام 1971، قام بعض خلفائه بالزيادة في الإنفاق على الرعاية الاجتماعية، لكنهم مولوا ذلك من خلال مبيعات الأراضي، وليس زيادة الضرائب. ومعدلات الضرائب حتى يومنا هذا في هونغ كونغ بقيت حيث تركها كاوبرثويت.

المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية لهونغ كونغ

التعريف العالمي للفقر يساوي أقل من 1٬90 دولار في اليوم. لا يوجد أحد في هونغ كونغ يعيش على هذا القدر من المال على الإطلاق، لذلك بهذا التعريف لا يوجد فقر هناك. ومع ذلك، هناك أشخاص في هونغ كونغ يملكون أقل بكثير من غيرهم. وهذا صحيح تماماً، هونغ كونغ تُعتبر أكثر من معظم دول العالم المتقدم لامساواةً وهذا شيء طبيعي، فلا يمكن للجميع أن يكون مساوياً للآخر لأنّ هذا سيعطينا نتائج مثل ما حدث في الاتحاد السوفياتي، فنزويلا و الصين في ظل نظام اشتراكي يدعو للمساواة. إذا جعلنا الاقتصاد غنياً بنفسه فسيصبح كل فرد في هذا الاقتصاد أيضاً غنياً بالمعايير العالمية. على سبيل المثال، يقال أنّ خط الفقر في هونغ كونغ هو 4000 دولار هونغ كونغي شهرياً، أي ما يعادل 380 جنيه إسترليني تقريباً للفرد، وهو بالتأكيد لا يبدو كثيراً. ومع ذلك، عندما نضع ذلك في مقارنة بين الدخول العالمية نجد أنه عند حساب فروق الأسعار عبر الجغرافيا فإنّه يحتل المرتبة الخامسة بين جميع دخل الأفراد في العالم، وبعبارة أخرى، فإن أفقر 20 في المائة في هونغ كونغ ما زالوا يجدون أنفسهم أغنى 20 في المائة من أغلب البشر.

ووفقاً لأرقام البنك الدولي، في عام 1960 كان نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في هونغ كونغ أكثر قليلاً من 400 دولار (مقابل 1960 دولار المتوسط العالمي). واليوم يزيد هذا الرقم قليلاً عن 40 ألف دولار لكل فرد بينما يكافح المتوسط العالمي في 10 آلاف دولار. وفي سنة 1950 بلغ الناتج المحلي الإجمالي للفرد في المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية 921 11 دولاراً و 16197 دولاراً أمريكياً على التوالي، وفي نفس الوقت كان الناتج المحلي الإجمالي للفرد في هونغ كونغ يساوي 4200 دولار (الأرقام يتم حسبها بالدولار الأمريكي معدل على حساب القوة الشرائية). متوسط المقيمين في هونغ كونغ حصلوا على 35% و 25% مقارنة بالمواطنين البريطانيين والأمريكيين على التوالي. اليوم، متوسط الدخل في هونغ كونغ هو 37% و3 بالمائة أعلى من المملكة المتحدة وأمريكا.

في عام 1960، كان متوسط العمر المتوقع في هونغ كونغ هو 67 سنة. في المملكة المتحدة وأمريكا، كان 71 سنة و70 سنة. مرة أخرى، تحولت الأرقام بشكل كلي. اليوم  يمكن أن يتوقع أحد سكان هونغ كونغ العيش لمدة 84 سنة. أما في المملكة المتحدة وأمريكا فيمكن لأحد السكان أن يتوقع العيش لما بين81 سنة و79 سنة. نرى أنّ هونغ كونغ من خلال اثنين من أهم مقاييس الرفاه البشري أي متوسط العمر المتوقع والراحة المادية التي يتمتع بها الشخص في ذلك الوقت، تعتبر بالتأكيد واحدة من أعظم الدول الناجحة على الإطلاق

  • معدل ضريبة الدخل القياسي هو 15%، ومعدل الضريبة على الشركات الأعلى هو 5%. النظام الضريبي بسيط وفعال، على مدى السنوات الثلاث الماضية، بلغ الإنفاق الحكومي 18% من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي.
  • تتميز هونغ كونغ بفائض في الميزانية يبلغ 9% من الناتج المحلي الإجمالي.
  • الدين العام يعادل 1% من الناتج المحلي الإجمالي.
  • التجارة مهمة للغاية لاقتصاد هونغ كونغ، وتبلغ القيمة الإجمالية للصادرات والواردات 373% من الناتج المحلي الإجمالي. يبلغ متوسط معدل التعريفة المطبقة 0%، لا وجود لحواجز جمركية على التجارة ولا يوجد فحص عام للاستثمار الأجنبي، ويمكن للمستثمرين الأجانب الاحتفاظ بملكية بنسبة 100٪ في معظم الحالات. لا يزال القطاع المالي يتمتع بقدرة تنافسية عالية ورأس مال جيد، حيث يعمل كمركز مالي عالمي رائد.

الحرية الاقتصادية أفادت ملايين الناس في هونغ كونغ. الأهم من ذلك، أنّها أفادت مئات الملايين من الناس في الصين أيضا. عندما أصبحت الصين ثرية بعد تحريرها للاقتصاد نسبيا، اضطر الشيوعيون الصينيون إلى الاعتراف بفشل الاشتراكية، وشرعوا في طريقهم إلى الثراء الحقيقي منذ عام 1978. بين ذلك العام و2016، نمت المداخيل الصينية سبعة أضعاف ممّا أدى إلى الحد من الفقر بشكل كبير.

هذا الشكل تحت يظهر تطور تحرير الاقتصاد في الصين وأيضا كيف أن هونغ كونغ تربعت على العرش لمدة طويلة كأكثر الدول حرية اقتصاديا.

 

  • هونغ كونغ هي الوحيدة التي سجلت 90 نقطة أو أكثر على مقياس 100 نقطة في مؤشر الحرية الاقتصادية سنة 2017.
  • نسبة البطالة في هونغ كونغ تساوي 2.9 بالمائة سنة 2017 من أكثر المعدلات انخفاضا في العالم.
  • الملكية الخاصة للممتلكات منصوص عليها في القانون الأساسي، حيث تنص القوانين التجارية والشركات على الإنفاذ الفعال للعقود وحماية حقوق الشركات.
  • السلطة القضائية مستقلة، لكن بكين تحتفظ بالحق في إجراء تفسيرات دستورية نهائية، ممّا يحد بشكل فعال من سلطة محكمة الاستئناف النهائي في هونغ كونغ. على الرغم من أنّ معدل الفساد منخفض، إلا أنه يُنظر إليه على أنه ارتفع بشكل طفيف بسبب الصين.-
  • تحتل المرتبة 2 بعد سويسرا في مؤشر الحرية البشرية  Human freedom index ،  هذا المؤشر يأخذ بعين الاعتبار الحرية الاقتصادية، الحرية الفردية والمدنية.
  • تتمركز في المرتبة 6 في مؤشر التنافس العالمي International Institute for Management Development(IMD)؛ نشر مركز التنافسية العالمية التابع تقريراً منفصلاً يرتب القدرة التنافسية الرقمية للبلدان يأخذ بعين الاعتبار مؤشرات التكنولوجيا والبنية التحتية العلمية، إلا أن الترتيب الرقمي الجديد للقدرة التنافسية يقدم عدة معايير جديدة لقياس قدرة البلدان على تبني واستكشاف التقنيات الرقمية ممّا يؤدي إلى تحول في الممارسات الحكومية ونماذج الأعمال والمجتمع بشكل عام. من خلال هذا التقرير احتلت هونغ كونغ المرتبة الأولى عالميا بحيث سجلت 100 نقطة و سويسرا فالمرتبة 2 بتسجيل 98 نقطة.

العصيان المدني: أزمة هونغ كونغ مع التحكم الصيني في القرن 21

في العام 1997 أعيدت هونغ كونغ إلى الصينيين من قبل البريطانيين، كانت مستعمَرة بريطانية طوال 150 عاماً. وهي ليست نفسها نفس الصين، فهي لها حالة خاصة وتنشئة خاصة. فهونغ كونغ نشئت بطريقة وثقافة غربية ترتكز على الليبرالية الكلاسيكية والفردانية وتم تسليمها للشيوعيين الذين لا يحترمون هذه الأسس. يمكنكم تخيل الخوف، عدم الراحة والقلق المتصاعد بشأن تاريخ الصين المليء بانتهاك حقوق الإنسان بعد حدوث هذا. ولهذا ابتكرت بكين نظاماً خاصاً وفكرة بلد واحد ذي نظامين، صين واحدة على أن يقوم سكان هونغ كونغ بالحفاظ على أسلوبهم في العيش لأنّهم معتادون طريقة عيش خاصة للغاية، ما يعني أن هونغ كونغ ستستمر بنظامها الرأسمالي والحفاظ على الحرية التي تمتعوا بها تحت الحكم البريطاني. وطوال 50 سنة لم يحدث تغيير.

كما وعدت الصين هونغ كونغ بحرية الصحافة وحرية الاحتشاد، حق انتخاب قائدها الخاص في المستقبل القريب وهذا لم يحدث، ففي عام 2012 أعلنت الحكومة خططاً للتربية الوطنية، أرادت الصين تقديم نظام تربية وطنية في هونغ كونغ مغاير لما كان عليه لأنّهم رأوا أن الاجيال اليافعة في هونغ كونغ تفكر وتتصرف بطريقة مخالفة للوطنية الصينية . فركز هذا المنهج الجديد على ترويج القومية الصينية وأهم شيء هو دعم البلد، والبلد في الصين هو الحزب الشيوعي. وهنا خشي التلاميذ أن تكون هذه الخطوة

Joshua Wong

محاولة من الصين للسيطرة على هونغ كونغ فقاموا بردة فعل على القضية عبر تأسيس مجموعة سكولاريزم   Scholarism حيث تحدى طالب عمره 14 سنة اسمه جوشوا وونغ Joshua Wong  واحدة من أقوى وأكبر الدول في العالم (الصين)، فقد كان يخرج للشارع لينشر أفكاره بين الناس ويطلب الدعم من سكان هونغ كونغ للتغيير الذي يحدث داخل هونغ كونغ بسبب تدخل الصين. وقد كانت مطالب الحركة مشروعةً بحيث كانوا ينادون بحرية التعبير، حرية التفكير وعدم موافقتهم على ثقافة غسل الدماغ.

يختلف الجيل الجديد الصاعد في هونغ كونغ تماماً عن الأجيال السابقة لأنّهم عاشوا في هونغ كونغ في الوقت الذي تم إعادتها فيه للصين، ولكن بثقافةٍ خاصة واختلاف واضح يعملون به عن باقي مواطني الصين. بحيث طوروا هويةً محددة وخاصة بهم ويرون أنّ هونغ كونغ يجب أن يحدد مصيرها شعب هونغ كونغ الخاص وليس الحكومة الصينية.

في مارس 2012 تمّ اختيار لونغ تشون يينغ كرئيس سلطة (هونغ كونغ) التنفيذية، وكان ينوي أن يقوم بتطبيق منهج التربية الوطنية المقتَرح من قبل الحزب الشيوعي الصيني عند بدء العام الدراسي الجديد.

يفترض أن يقوم سكان هونغ كونغ باختيار رئيسهم ولكن الحال لم يكن كذلك بعد، فما يحدث هو أنّ الصين هي التي تختار الرئيس وكل واحد من رؤساء السلطة التنفيذية الثلاث، وهؤلاء لن يكون ولاءهم لشعب هونغ كونغ بل للصين والحزب الحاكم، و يعلم جيدا حاكم هونغ كونغ أنّه إذا أراد حكماً ثانياً فيجب عليه الاستمرار بتنفيذ ما تطلبه الصين منه. و عند صعوده للحكم، كان قد قام الرئيس لونغ تشون يينغ بتنظيم حدث في الفايسبوك، الحدث كان عبارة على مسابقة تتجلى في أنّه إذا حظي ما ينشره شخص ما على إعجاب كبير من المعجبين سيحظى هذا الشخص بفرصة مقابلة لونغ تشون يينغ رئيس هونغ كونغ، فنجح فيها جوشوا البالغ من العمر 14 سنة وقام بمقابلة الرئيس رغم أنه كان لديه امتحانات عديدة يجب عليه خوضها وكان السبب في لقائه هو أن يطرح عليه سؤالا واحدا وهو “لماذا ما زال عليك تطبيق التربية الوطنية؟”.

لم يعر أحد الانتباه للمجموعة في ذلك الوقت فالكل يعتبرها مجرد مجموعة من الأطفال لا يفهمون شيئاً وليس لديهم وزن للتأثير السياسي، وحتى الرئيس لم يجب على سؤال جوشوا مباشرةً ولم يعطه الاهتمام الذي يجب أن يحظى به. فما كان من التلاميذ إلا أن أصبحوا يخرجون يومياً من أجل توزيع المنشورات على الطرقات لكسب المزيد من المساندة من الشعب. وبعد خروجهم للشارع بدأ يُسمع صوتهم في المجتمع رغم أنّه كان أمراً صعباً القيام به. إنّ ما جعل الحركة تشتهر أكثر هو عندما قامت الصحافة بمقابلةٍ مع جوشوا ليقوم بنشر أفكاره، فكان يتكلم بشكل هادئ و بطريقة حضارية كأنّه يمتلك تجربة طويلة في الميدان وهو ما زال في 14 من عمره فقط. أُعجب الناس به بشكلٍ أكثر، حيث كان ذلك الشريط المصور هو الشيء الذي جعل حركتهم مشهورةً أكثر وبدأ العديد من التلاميذ بالانضمام لهم لإيقاف مشروع التربية الوطنية. وقد عانواْ من العديد من المضايقات من طرف الشرطة ومحاولة منع انضمام تلاميذ جدد إلى التحركات الاجتماعية، وكانت هناك مخاوف من حدوث نفس ما حدث في بكين في سنة 1989 بحيث تم تنظيم أول احتجاج على الحكومة الصينية من قبل الشعب الصيني من أجل الإصلاح السياسي والاقتصادي، فكان الرد هو إنزال الدبابات والجنود وقتل الآلاف من المحتجين.

قبل 4 أيام من بدء الموسم الدراسي نزلت مجموعة سكولاريسم للساحة أمام مقر الحكومة الرئيسي وضلوا هناك بهدف إلغاء الحكومة لمشروع التربية الوطنية، وكانوا يهدفون للبقاء في الساحة حتى تطبيق مطالبهم. مر الرئيس في اليوم الأول لاستفسار مطالبهم فكانت المرة ثانية لجوشوا للتحدث معه لكن لم يأخذ الأمر بمحمل الجد فكان فقط يحاول الظهور للعامة بمنظر جيد. بقي الطلبة أمام مقر الحكومة ينامون هناك تحت الشتاء وكان عدد قليل فقط من الناس يساندونهم. وفي اليوم الرابع كان معه فقط 20 شخصاً وكانت الدراسة قد بدأت، فحدث شيء غير متوقع حيث التحق العديد من الناس (قرابة 4000 شخص) في نفس اليوم يطالبون بإلغاء المادة، فخرج الرئيس بتصريح للنقاش لكن بدون القيام بإلغاء المادة الخاصة بالتربية الوطنية. 3 أيام بعدها وصل عدد المحتجين ل 120 ألف شخص، ممّا فاجأ هذا الأمر الحكومة ولم يعرفوا أنّ هذا سيحدث ولم يعرفوا كيفية التجاوب معه. وفي سبتمبر صرح الرئيس أن التربية الوطنية لن تكون إلزامية للتلاميذ في هونغ كونغ.

يُعتبر هذا التحرك الأول الذي ينجز أهدافه منذ إعادة الملكية في الصين سنة 1997، تحرك مؤسس من طرف تلاميذ جنوا منه درساً مهمّاً، حيث من خلال الاحتجاج تمكنوا من إيقاف بكين من التدخل في هونغ كونغ، ولكنّ هذه تعتبر فقط معركة واحدة وسط حرب كبيرة.

في سنة 2013، صعد شين جين بينغ لسدة الحكم ويعتبر ثاني أقوى رئيس في العالم يملك أفكار توسعية، كانت الصين عدائية بشكل متصاعد مع هونغ كونغ وازدادت العدائية أكثر منذ وصول شي جين بينغ إلى السلطة، فبدأت منذ صعوده محاولة خنق هونغ كونغ أكثر فأكثر بدون تطبيق الوعد الذي وعدته الصين في 1997 بعد إعادة الملكية لها بالسماح لشعب هونغ كونغ بانتخاب من سيقرر أن يقودها. وفي نفس السنة، كتب أستاذ قانون اسمه بيني تاي  Benny Tai مقالةً مؤثرة تطالب بالانتخاب العام في هونغ كونغ، فطالب جميع الناس المهتمة بالأمر بالنزول للمقاطعة الوسطى التي تعتبر أهمّ مكان مالي واقتصادي في هونغ كونغ لكي يتمكن جميع المحتجين بإسماع أصواتهم للصين لكي تقوم بتطبيق وعودها. وأصبحت الحركة تعرف باسم Occupy Central with Love and Peace، فارتفعت مخاوف بالتأثير على الأعمال في المنطقة فكان رد الحركة هو أنّه إذا أرادوا أن لا يحدث هذا فما على الصين إلا أن تقوم بتطبيق وعدها في حق الانتخاب للشعب لأن الحركة جذبت مساندة كبيرة من الشعب.

أُقيم استفتاءٌ باطل عن الانتخابات بعد أشهر لكسب مساندة الشعب وتأسيس خطّة لتمثيل بكين، وأتى 800 ألف شخص للتصويت وكان هذا العدد غير متوقع، وبسبب الدعم الشعبي الذي عرفه التصويت أرادوا البدء بالتفاوض مع الصين حول الموضوع. بعد أيام، صوت برلمان الصين لتغيير طريقة اختيار هونغ كونغ لقائدها “رئيس السلطة التنفيذية” فأعلن الرسميون الصينيون نهار الأحد أنّ الحكومة في بكين ستختار مرشحين لما كان يفترض أن تكون مرتبة تنتخب بطريقة ديمقراطية. “يمكنكم التصويت ولكنّنا سنختار لمن ستصوتون”، وهذا يعني أنّ ما قامت به بكين هو إطلاع الشعب أنّ بإمكانهم اختيار قادتهم من بين قائمة الأشخاص الذين تختار هي لهم.

في 2014 بدأت الاحتجاجات ونظم جوشوا إضراب التلاميذ، حيث اجتمع طلاب أكثر من 26 كلية ومدرسة لكي تصبح حركة احتلوا لها وزناً أكبر لتحقيق المطالب الشعبية. وفي 26 سبتمبر 2014 حاولوا التجمع و إعادة احتلال الساحة المدنية فتدخلت الشرطة واعتقلت جوشوا ل46 ساعة هو واثنين من أصدقائه (لبضع ساعات فقط). وهنا بدأ نشاط رسمي ومنظم لحركة احتلوا، بحيث تمّ إعلان عصيان مدني، وهنا تغيرت اللعبة وأصبح الوضع مختلفاً تماما، بحيث تدخلت الشرطة بشكل قوي هذه المرة وأصبح العنف منتشراً بشكل كبير في المنطقة وتمّ قذفهم بالقنابل المسيلة للدموع وكان هذا لإخافة الناس والتلاميذ، لكن ما حدث هو أنّ الناس بدأت تهبط للشارع بوتيرة أكبر.

بدأ في المقاطعة الوسطى، وبعدها أصبح الاحتلال منتشراً في العديد من المناطق الأخرى وأخذ الناس ينامون في الشوارع حتى تحقُّق مطالبهم، وبدأ يسمى الحراك بثورة المظلات لأنّ الناس ترفع المظلات لمقاومة رشاش الفلفل الذي تستعمله الشرطة، وكان جوشوا هو وجه الحركة والثورة أكثر من شخصيات حركة احتلوا الأساسية. وقد عُرفت الحركة بدعوتها للحراك السلمي وإيمانها بمبدأ اللاعنف. مرت أكثر من 61 يوماً والناس تحتل الشوارع وتنام فيها، فبدأت الشرطة بالتدخل لإفراغ الشوارع بسبب تأثير الحراك على الاقتصاد، فقامت الشرطة بخطف جوشوا وعزله عن الحراك وتمّ القبض على أكثر من 150 شخصاً، ومن أجل إيقاف العنف وإقناع المحتجين بالعودة لمنازلهم ، قام بيني تاي (الذي تلقى العديد من رسائل القتل) بتسليم نفسه للسلطات بحيث تمّ اتهامه بخرق القانون لجعل الناس تخرج للشوارع للاحتجاج. كما دخل جوشوا في إضراب عن الطعام رغم صحته الضعيفة، وفي اليوم الخامس طالب منه الطبيب الأكل وإلا سيموت فأوقف الإضراب عن الطعام. وقد كان هذا الفعل سبباً في أنّ الناس فقدوا الأمل في حركة احتلوا، وفي اليوم 70 بدأت السلطات في جمع جميع من يوجد في الشوارع لإيقاف أيّ شيء متعلق بالحراك، وبسبب عدم حدوث أي تغيير بدأ الناس يقولون أنّه لم يكن علينا من اللحظة الأولى القيام بهذا لأنّنا فشلنا.

من أبرز الداعمين للحركة هو الملياردير جيمي لي الذي تكلمنا عنه فيما قبل، الطفل الذي هرب في الماضي من الصين إلى هونغ كونغ بحثاً عن الشوكولاتة وأصبح واحداً من أهمّ رجال الأعمال هناك. وما حدث هو أنّ دعمه للحركة جلب له العديد من المشاكل التي أظهرت الوجه الحقيقي للصين في محاولة قمع مواطني هونغ كونغ واستقلالهم الثقافي والاجتماعي. فقد رأت الحكومة الصينية دعم جيمي لي للحركة كتهديدٍ مثير للجدل في سنة 2014، فقامت الصين بسجنه إلى جانب قادة الحركة الآخرين، وبعد حلّ الحركة أعلم جيمي لي أنّه سوف يقوم بالتنحي عن منصبه كرئيس لشركته الإعلامية لكي يقضي المزيد من الوقت مع عائلته ومواصلة تحقيق مصالحه الشخصية. كما تمّ تهديده بالقتل من قبل العديد وحدثت له العديد من الهجمات المتكررة، وكان دائماً يجد رسائل تهديد ومناجل لإخفاته قرب منزله، تمّ صدم سيارته في محاولةٍ لقتله وإطلاق قنابل عدة مرات في منزله وآخر واحدة كانت سنة 2015 وبالضبط في 12 يناير 2015، حيث ألقى رجلان ملثمان قنابل حارقة على منزل لي، وفي الوقت نفسه أُلقيت قنبلة أخرى على مقر شركته الإعلامية، وتمّ إطفاء الحرائق من قبل حراس الأمن. والناطق الإعلامي مارك سيمون يدعي أنّ “هذا هو جهد مستمر لتخويف الصحافة في هونغ كونغ، هذا يتعبر تخويف صرف وواضح”. وعلى الرغم من إدانة وزير العدل في هونغ كونغ للهجوم، إلا أنّ نشطاء مؤيدين للديمقراطية يشعرون بأنّ شرطة هونغ كونغ والحكومة لا تتابع دائماً أعمال ضد شركة آبل ديلي التي يمتلكها جيمي لي أو حركة احتلوا، ونادراً ما يتمّ العثور على الجناة. وبعد نجاح رئيس هونغ كونغ في إيقاف الاحتجاجات قام الرئيس الصيني بمدحه كثيراً على ما قام به.

تم استدعاء جوشوا للشرطة في سنة 2015 فجاء العديد من الناس لدعمه والوقوف معه، وذلك بعد حل الحركة ومحاولة جوشوا للبحث عن كيفية إعادة إحيائها من بعد. فبدأت عمليات الاغتيال والاختطاف تنتشر في هونغ كونغ، بحيث تمّ اختطاف 5 أشخاص يعملون في دار نشر كتب وصحافة بعدما قاموا بنشر كتاب ينتقد الصين وزعماء الحزب الشيوعي. وبعدها بدأ العديد من الناس بالتساؤل بشأن ما يحدث وكيف أنّ الاستقلال السياسي غير واردٍ في بلدهم .

قام جوشوا بعدها وأصدقاؤه بإيقاف وحل مجموعة سكولاريسم وبدأوا في خطوة جديدة أكثر احترافية وهي إنشاء حزبٍ سياسي جديد والدخول في الانتخابات، وسمّي الحزب باسم ضيموسيستو. وفهموا أنّ التغيير الحقيقي لن يأتي من الشارع لأنّ الحكومة لا تعير أيّ اهتمامٍ لتحقيق مطالب الشارع فحاولوا البحث عن التغيير من الداخل. فقامت الحكومة الصينية بمنع البحث في وسائل التواصل الاجتماعي والأنترنت على اسم جوشوا.

قام جوشوا بالترشح للانتخابات سنة 2020 عندما يصبح بالغاً من أجل الترشح لأنّه اليوم مازال في سن صغيرة على الترشح بحيث يبلغ من العمر 17 سنة فقط.

خلاصة

يجب أن تكون هذه التجربة درساً للدول السائرة في طريق النمو، لأنّ في أجزاء كثيرة من المناطق المتخلفة اليوم تسعى الحكومات إلى رفع مستويات المعيشة من خلال التصنيع. لتحقيق هذا الهدف، تنغمس الدول المتخلفة بشدة في تخطيط مركزي وأشكال أخرى من التدخل الحكومي في الحياة الاقتصادية. في الواقع، في سعيها للتصنيع تعرقل الحكومات اقتصاداتها الناشئة بالسيطرة على الاقتصاد عبر تخصيص موارد محدودة لمشاريع غير مفهومة ممّا أدى إلى عدم الكفاءة والتبذير. وبسبب إصرارهم على المضي قدماً في هذا بدؤوا في طبع المال من العدم، الشيء الذي يؤدي للتضخم دائماً ظنّاً منهم أنّ هذه الطريقة ستنعش الاقتصاد. كما يعرقلون الاقتصاد أيضاً باستخدام عراقيل على الاستيراد، والضرائب التعسفية لدعم المشاريع غير الاقتصادية، ويقومون بالقضاء على المنافسة من أجل فكرة حماية المنتوج المحلي. وفي الأخير يدفع المستهلك ثمناً باهظاً. السلع تصبح أكثر تكلفة، والاختيارات محدودة. الاستثمار الأجنبي والمبادرة الخاصة تفقد الدافع للإبداع والتطور.

لُطفا، سجل إعجابك بصفحتنا:

  • إعداد: محمد مطيع
  • تدقيق لغوي: جيهان المحمدي

مصادر ومراجع:

تعليقات
جاري التحميل...